د. نجود الربيعي - السويد

تأمّلات في زمن الكورونا

عود الند: عدد خاص: كورونا: يوميات وتأملات


يسعى الإنسانُ طوال حياته لنيلِ الحريةِ. وكلّما وصلَ إلى نهايةٍ، خابَ أملهُ في الظفرِ بها، فيعود بإرادةٍ أقوى لاهثاً يبحثُ عنها ويكسّرُ كلّ القيود. حتّى حانتِ اللحظة التي جاءت من كائنٍ غير مرئيّ، بل لا يُرى إلا من خلالِ أجهزةِ المكرسكوب شديدة الدقة ليشلّ حركةَ الحياة ولتُشَلَ بعدها حركةُ الإنسانِ مع كلّ ما يصحبها من لهوٍ وصخَبٍ وضجّةٍ وتعبٍ.

حوّلَ الفايروس الحياةَ إلى جمادٍ وأصبح كلّ شيء من دون حركة. أزهقَ أرواحَ الآلاف دونَ أن يفرّقَ بين كبيرٍ وصغيرٍ، شابّ أو شابة، رجل أو امرأة، وكأنّه يجسّد قولَ زهير بن أبي سُلمى:

رأيتُ المنايا خبطَ عشواء من تُصب = = تمته ومن تُخطِئ يُعمَّر فيَهرمِ

صمتتِ الشوارعُ وهدأتِ البحارُ وتوقفّتِ المعاملُ وهجعتِ الطائراتُ في مطاراتها وتحوّلت الموانئُ والمحطّاتُ إلى أماكنَ فارغةٍ هجرها المسافرون.

شاطئ البحرِ أصبح يناغي ويغازل الموجَ فقط، لا تدوسهُ الأقدامُ.

مراكزُ التسوّق أقفلت أبوابها، الماركاتُ تكدّست على الرفوفِ، المعاملُ توقفت عجلةُ إنتاجها ومنافساتها الشرسة.

الحروبُ خمدت ولو لفترةٍ لأنّ منابعَ تمويلها قد جفّت وانشغلت بما هو أهمّ من الحربِ، ويبدو أن النفطَ قد أصابتهُ العدوى هو أيضاً، فأخذ يتهاوى في الأسواقِ العالميةِ وهبطت أسعارِ الأسهمِ في أسواقِ المال.

المقاهي والنوادي غدت صمّاء لا تسمعُ هذرَ الحديثِ والطعن بالآخرين، و و و و.

كانت تلك الصورُ بعضاً من صورِ الكورونا. ولكنّ الإنسان طُبِعَ على التدبّر واستثمارِ الظروفِ. ولو سألنا أنفسَنا هل سننظرُ إلى نصفِ الكأسِ الخاويةِ فقط أم علينا أن ننظرَ إلى النصفِ الآخرِ من الكأسِ أيضاً؟ ما الإيجابيات الموجودة في هذا الوباء؟

أهمّ غنيمةٍ في نظري أن هذا الفايروس جعل الظالمَ يشعرُ بالخوفِ بعد أن نسي شيئاً اسمه الحساب، وأخذَ بسببِ الجائحةِ يحسب حساباً لوجوده،ِ لأنّ كيانَه قد أصبح مُهدداً من كائنٍ غيرِ مرئي، في حين كان الظالمُ يرى قبل الوباءِ بعينهِ آلافَ الأرواحِ وهي تُزهقُ بأمره وبإشارةٍ منهُ دون أن يأبه.

جعلت كورونا الكثير من الناس ينظرون إلى أنفسِهم ويعيدون ترتيبَ أوراقهم المبعثرةِ التي بعثرها صخب الحياةِ، فالزوجُ قد عاشَ تجربةَ زوجتهِ في البيتِ، وأمسى يشعرُ بأسرته وبمسؤولية الزوجة. والأبناء أعادوا تعارفَهم من جديدٍ بعد أن أخذهم عالمُ التكنلوجيا والألعاب والأجهزة الذكية.

ولأوّل مرّةٍ تتم المساواةُ بينَ الغنيّ والفقيرِ كما قال إيليا أبو ماضي:

قمرٌ واحدٌ يطلُّ علينا = = وعلى الكوخِ والبناء الموطّد

وأصبح الغنيّ الذي فقدَ ثروتهُ يشعرُ بهاجسِ الفقيرِ وهو يكدحُ لتوفيرِ لقمتهِ، أضحت الشركاتُ تتنازلُ وتقدّمُ العروضَ السخيّةَ للناس وتتوسلهم للشراء منها بعد أن كانت تضعُ الأرباحَ الخياليةَ مقابلَ حاجةِ الإنسان لسلعهم.

صارَ السلاح مكدّساً في المشاجبِ، وعرفَ الإنسانُ أن هذهِ الأسلحةَ هي أدواتٌ مصنوعة لسلبِ حياتهِ باستخدام ثرواتهِ.

تباعد الإنسانُ بعضَ الشيء عن كلّ ما يحيط به من أقاربَ ومعارفَ وأصدقاء، وأصبح يتواصلُ معهم ويشتاق إليهم. وكشف الفايروس معادنَ الكثيرين منهم، فهناكَ مَن يسألُ وهناك من ظهرت أنانيتهُ.

سامح كثيرٌ من الناسِ من أخطؤوا بحقهم في وقتٍ كان الإنسانُ مصرّاً على الانتقام، أوقفتْ المحاكمُ والمؤسساتُ الرسميةُ النظرَ في معاملاتِ الطلاقِ والخلافاتِ البسيطةِ لعلّها تكونُ فرصةً للمّ الشملِ من جديدٍ.

عاد الكثيرُ من الناسِ إلى بيوتهم وبدؤوا باكتشافِ ذواتهم من جديدٍ وتذكروا هواياتهم القديمة، فمنهم من عادَ ليبحث في الأغراضِ المهملةِ والمركونة في المخازنِ على آلاتٍ موسيقية كان يعزفُ عليها، ومنهم من عاد لفرشَاتهِ ليرسمَ الحياةَ من وجهةِ نظرٍ جديدةٍ. ومنهم من دخل المطبخَ ليساعدَ في إعدادِ الطعامِ. وهناكَ من عادَ إلى المكتباتِ المهجورةِ في البيوت ليتصفحَ كتباً كان الترابُ قد غطّاها.

اكتشفتِ المرأةُ أنها ليست بحاجة إلى صالوناتِ التجميلِ وأنها قادرةٌ على إظهارِ جمالها ببساطةٍ دونَ الحاجةِ إلى النفخِ والشفطِ وعملياتِ التجميلِ.

تنازلَ الكثيرُ من الفنانين عن إمبراطورياتهم التجارية وأخذوا يفتحون الإنترنيتَ مع جمهورهم ويتواصلون مع محبيهم بشكلٍ مجانيّ بعد أن كانوا لا يسيرون إلا مع فيلقٍ من الحراسةِ الشخصيةِ.

انتبه الرياضيُّ أنه قادر على الاستمرارِ بالتدريباتِ مع أقرانهِ عن بُعدٍ.

عرف الإنسان أنه قادرٌ أن يؤديَ طقوسَ العبادةِ وحدَه دونَ الحاجةِ لقيدِ رجالِ الدين الذين كانوا يقيّدون الناسَ بالسلاسلِ، وأصبح الإنسان يدعو ربّهُ وحدَه وبلغته ومن صميمِ قلبهِ ويخاطب خالقَه بكلّ بساطة.

والأهمّ من هذا التعليمُ، فقد اكتشفت المدارسُ والمؤسسات أن النتَّ يستطيع أن يسدَّ محلّ البناياتِ، ففتحوا صفوفاً رقميّة وتواصلَ المدرسُ مع طلابه واستمرّت عجلةُ العلمِ والدراسة والامتحانات.

أصبحتِ الصحفُ والمجلاتُ رقميةً، ونزلت عشراتُ الآلافِ من الكتبِ على الشبكةِ العنكبوتيةِ.

نشطت النكتةُ والحكايةُ الفكاهيةُ بسبب الحجْرِ، وأصبح المرءُ أقوى بسبب صمودهِ في المواجهةِ.

ولكن ماذا عن الأرضِ والسماءِ والنباتِ والحيوانِ؟

لأوّل مرّةٍ عاد إلى السماءِ لونها الأزرقُ الصافي الذي لوّثه الإنسانُ بدخانهِ الصناعي، واستراحت الأرضُ من حركةِ أقدام الملياراتِ التي كانت تدوسها يومياً.

استراحت محركاتُ السياراتِ والعجلاتِ ووسائلِ النقلِ وأراحتِ الطبيعةَ من آثارها وسمومِها.

عادت الطيورُ تمرحُ وحدَها في الطبيعةِ، واستغربت الحيواناتُ من اختفاءِ البشرِ، أصبحت الأرضُ لكلّ تلك الكائناتِ باستثناءِ الإنسانِ المحجورِ.

عادتِ الأسماكُ تتعرّف على عيونِ الماءِ وقنواتهِ من جديدٍ بعد أن هجرتها بسببِ البشر.

اعتادت الأذنُ الآن على الهدوءِ بعد أن كانتْ تعيشُ الصخبَ والضوضاءَ وعاد الإنسانُ يفكّر ويتأملُ بهدوءٍ لينتجَ روائعَ سيكشفُها المستقبلُ وستتجسد بأعمالِ الفنانين وكتابات المفكرين وبنصوص الأدباءِ من الشعراءِ والروائيين. كلّ هذا بسببِ عزلة الكورونا.

تفتحت الأزهارُ بعطرٍ يختلفُ عن السابقِ، لأن الموادَ الكيمياوية قد اختفت، ففاحَ عطرُ الأزهار وملأ الطبيعةَ.

هدأ الصيادون عن ملاحقةِ الحيوانات والفتك بها وبذلك حصل الحيوان على حريتهِ بعد أن حُبسَ الإنسان قسراً.

عاد الطبّ وعلمُ الأدويةِ إلى الواجهةِ بعد أن حوّلَ الإنسانُ الطبيبُ عمله إلى ما يشبه السلعِ التجارية، فكثرت عملياتُ التجميلُ والشدِّ والحقن، والدواء أصبح للتجميلِ والتنحيف والتخسيس. أما الآن فأثبت الفايروس للعالم أن عقلَ الإنسان الذي خُلق للتدبّرِ هو القادرُ على إيجاد الحلّ وإنقاذِ الملياراتِ من البشرِ، وها هو المختص أصبحَ له حضورٌ في القنواتِ التلفزيونيةِ، وأصبحت الناس تنتظرُ كلمةً من فمِ الطبيبِ لا من فم السياسيّ.

ساعدَ الوباء الشركاتِ أن تفكّرَ من خلالهِ بطرقٍ لإعادةِ خطوطِ إنتاجها ولمزاولةِ الربحِ حتى لو كان قليلاً فلجأت شركاتُ تصنيع السياراتِ إلى صناعة ِأجهزة الإنعاشِ والتنفّسِ وأجهزة حماية الوجهِ والعين.

لقد حقّق وباء كورونا المساواةَ على الأرضِ، تلك التي لم تتحققْ في يومٍ من الأيامِ، لقد ساوى بين الكبيرِ والصغيرِ، بين الرجلِ والمرأةِ، المؤمن والملحد، الغني والفقير، المسجون والطليق، المريض والسليم، لأنه أصابَ كلَّ تلك الأجناس.

فضلاً عن المساواةِ، فقد تسبب بوحدةٍ عجيبة بين الأممِ والشعوبِ كلّها؛ المتفقة والمختلفة بحيث اتفقت الآن جميعها ولو لحين على إيجادِ طريقةٍ لمصارعةِ ومنازلةِ هذا الفيروس والتغلبِ عليه.

كذلك قد وجّه الوباءُ الناسَ لاستنباطِ وسائل للتحية والاحترام سواء بالوقوفِ في الشرفاتِ والتصفيق للآخر أو بإشعال الأضواء والشموع أو بالعزفِ ليسمعَ ويشاهدَ مَن يسهرُ لأجلهم ويخدمهم بحياتهِ. هذه الملحمةَ التلقائيةَ العفويةَ الإنسانية التي لم تكن لتظهرَ لولا هذا الظرف العصيب، وهذا شيءٌ باهر الجمالِ وفّرته ظروفُ الحجْر، جعل العالمَ يعزف أيضاً سمفونية الرجاءِ والتوسلِ والابتهالِ لأجلِ الإنقاذِ.

والسؤالُ الذي يطرحُ نفسهُ: الآن هل سيتّعظ الإنسانُ ممّا جرى ويعيدُ حساباتِه مع نفسه أولاً ومع المحيطين به ثانياً ومع الحياة ثالثاً أم سيعودُ لما كان عليه قبل الكورونا؟ وهل سيستثمرُ الإنسانُ هذه التجاربَ والدروسَ في حياته ما بعد كورونا وهل سيتعلّم من هذا الدرسِ؟ سؤال ستجيب عنه الأيامُ القادمةُ.


JPEG - 24.9 كيلوبايت
لافتة: عود الند عدد خاص كورونا
D 27 نيسان (أبريل) 2020     A نجود الربيعي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  مدارات الشجن

2.  كلمة العدد 65: عن التاريخ

3.  الإذاعة المدرسية وأثرها في بناء شخصية الطالب

4.  رابعة

5.  عود الند في الصحافة


القائمة البريدية