عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 77 » أنهى المهمة بنجاح

إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

أنهى المهمة بنجاح


غافلتْ أباها واستولتْ على مفاتيحِ سيارتِه، ولم يمضِ على شرائِها من الوكالةِ إلاّ بضعة شهورٍ لا تبلغُ العام. ثم اصطحبتْ معها صديقتَها، إمعاناً في الطيش واستكمالاً لمتعةِ "المشوار". قادتِ السيارةَ بلا رخصة؛ مزهوةً بنفسِها تتفرسُ من وراءِ المقودِ في وجوهِ المارة، في سيّارةٍ خمرِيَّةِ اللون حديثة العهد تثيرُ الحسد، وتأسرُ قلوبَ أترابِها من صبايا وشباب.

منطقة الروشة بيروتقامتِ الفتاة والصديقة إلى جانبِها، بنزهةٍ إزاءَ الشاطئ؛ الممتد نزولاً من صخرةِ الرَّوْشَة حتى المنارة فتمثال عبد الناصر (*) ذهاباً وإياباً، ثمّ دخلتا مقهىً "السلام"، فأكلتا شطائرَ "القطائف"، محشوةً بالجوز مُنَكَّهةً بماءِ الورد، وشربتا عصيرَ البرتقال، وتمتعتا بسماع الموسيقى الهادئة، ومنظر النوارس تحومُ فوق قواربِ الصيادين، في جلسةٍ رومنسية حالمة استغرقتْ بعض أرباع الساعة. لكنِّ الصديقة كانت مُربَكة في جلستها، تلحُّ على الفتاة بالعودة المبكرة لكي لا تكونَ شريكة لها في مغامرةٍ مجهولةِ النتائج مؤلمةِ المفاجآت، فتنأى بنفسِها عن اللوم والتقريع، إذا ما وقعتْ العاصفة أو هَبَّتِ الريح.

سدَّدَتا الحساب؛ وتركتا "بقشيشاً" يسيراً للنادل، والتقتا وهما تغادران بزميلة ثالثة تؤم المقهى، تتحكم الغيرةُ في العلاقةِ بينهن، ويتسابقنَ في الدراسة على مراتبِ الصفِّ الأولى، فتوقفتا معها وتحدَّثتا إليها لبعض الوقت، وكانت فرصةً مناسِبة تعرضُ فيها الفتاةُ خدمتها على الزميلة لكي توصلها إلى منزلِها، وهي تقلبُ بحركةٍ تمثيلية مصطنعة مفاتيحَ السيارة بين يديها. لكن الزميلة كانتْ برفقةِ أمِّها وقد سبقتْها إلى المقهى، ولا تجهلُ معنى الخدمة المعروضة وهذه الحركات المُغِيظة، فشكرتْهما وأكملتْ طريقها إلى الداخل مُعَكَّرَةَ المزاج من الصدفةِ السيئة.

حدثَ مع اختلافِ الأسباب؛ ما لم يغبْ عن الحسبان، حينَما أبصرتِ الصديقة وهما عائدتان، أن أحداً صدمَ السيارةَ وهي مركونة بعنايةٍ إلى جانبِ الرصيف، فسبَّبَ فيها ضرراً ملحوظاً في المعدن، والتواءً على بابها الخلفي الأيمن إزاءَ الطريق.

تولى القلقُ الفتاة؛ فحين ينكشفُ الأمرُ لأبيها ستقعُ الكارثة، ويُغْرقُ رأسَها في محاضرةٍ طويلة يتلوها على مسامعِها عن تهورِها، واستهانتِها بالقانون وسلامةِ الناس، والقيادة بلا رُخْصَة، وعنِ الضرر الذي ألحقتْه بسيارتِه الجديدة، وما يترتبُ على ذلك من كلفةٍ مالية عالية، وشركة التأمين لن تعترفَ بالضرر، ما دامتْ "سعادتُها" لا تملكُ رخصةً للقيادة، ولن يصدِّقها ولو أقسمتْ بدماءِ المظلومين الشهداء، بأنها ليستْ من صدمَ السيارة، وأنها لا تتحملُ أخطاءَ سواها، مهما قالتْ له فلن يصدقها. من يدري؛ ربما غضبَ منها وصفعَها وَبَكَتْ أيضاً. والصديقة الخائفة المربكة؛ حَفَّزَتْ عقلها للخروج من الورطة، فاستنفرتْ أخاها بإشارةٍ هاتفيَّة للمساعفةِ وإجراءِ ما يلزم.

هبَّ الفتى للنجدة فأتى على جناح الطّير. قادَ السيارةَ بسرعةِ الإسعاف فأوصلَ إلى الحي أختَه وصديقتها، التي أصيبتْ بالصدمةِ والذهول، فَخَرِسَتْ ولم تفتحْ فمَها خلالَ الطريق بكلمةٍ واحدة، وخانتْها شجاعتُها فعجزتْ عنِ القيادة مرةً أخرى، ثم نقلَ السيارةَ في ساعاتِ المساءِ الأولى إلى مرأبٍ مختص، وأقنعَ صاحبَ المرأبِ بعد مفاوضةٍ عسيرة وإغراءٍ بأجرٍ مرتفع، أن يتركَ مَحَلّه مفتوحاً خلالَ الليل، على أن يتولى عاملٌ في الورشةِ إصلاحَ السيَّارة لحسابِه الخاص. وصاحبُ المرأب أدركَ دقةَ الموقف، فابتزَّ الفتى إلى أقصى الحدود.

كانتِ الفتاةُ مربكةً، مشحونةَ النفس مستنفرةَ الخاطر يتولاها القلق، لا تعرفُ ماذا تفعلُ وكيف تتصرف، لكنّها آثرتِ الصمت، والوقتُ يُمْعِنُ في لؤمِه فيمضي بطيئاً يستهلكُ أعصابَها، خائفة أن يُفْتَضَحَ أمرُها إذا خطرَ للأب مثلاً أن يستخدمَ السيارة، وهو كادَ يستعملها، لولا عناية الله، في زيارةٍ مفاجئة منعتْه من الخروج. الداهية الأخيرة التي تخافُها ألاَّ ينتهي تصليحُها قبل صباح الغد.

سيارة لون بوردولم تأكلِ الفتاة ولم تنمِ ليلتها، والهواجسُ تتقاذفُها. أما الشاب فقد قضى الليلَ بطولِه يواكبُ العملَ في المرأب. ولكن حدثَ للأسف ما لم يكن مُتَوَقّعاً، حينما انقطعَ التيارُ الكهربائي عندَ منتصفِ الليل، بسببِ التقنين المفروضِ على المدينة، وتعثَّرَتْ عملية التصليح، فمؤسسةُ الكهرباء لن تعاودَ التغذيةَ بالتيار قبلَ السادسةِ صباحاً. هكذا تعرقلتِ الأمور وتوقفَ العمل.

لكنَّ الفتى قبلَ أن تفشلَ خطتَه، فيتركَ السيارةَ على حالِها ويعودَ خائباً إلى منزلِه، سرعانَ ما استنبطَ الحل في مولدٍ للكهرباء، يأتي به من منزلِه في أطراف المدينة، لاستئنافِ العمل. هكذا استعار دراجةً نارية يملكها عاملُ المرأب لإحضار المولد.

في المنزل كانتْ تنتظرُه عقبة أخرى، حينما لم يسلمْ من تأنيبِ أبيه، فتلقى سيلاً من اللومِ والتقريع والتهديد، على غيابِه حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، وعلى الفوضى المتمادية التي يعيشها على هواه. لكنّه نجحَ في نهايةِ الأمر، بعدما تدخلتْ أمُّه وأختُه في مساندتِه، وعادَ إلى المرأب والمولدُ معه، بينما الوقتُ الباقي على طلوع الفجر بدأ يتضاءل، ويشكلُ عاملاً حَرجاً للنجاح أو الفشل. كان المولدُ فارغاً من المحروقات، ما حدا به اللجوءَ إلى خزانِ السيارةِ لتموينِه بالوقود. هكذا ابتدأتِ الأمورُ من جديد تلاقي طريقَها إلى الحل، والفتى يشاركُ في العمل ويبذلُ ما في وسعِه لتذليلِ العقباتِ الطارئة.

في الصباح الباكر انتهتِ المَهَمَّة، وعادتِ السيارة بأبهى حلتِها، لكأنّها خرجتْ من الشركةِ الصانعة للتّو. كان الإعياءُ قد بلغَ من الشاب أقصى الحدود. لكنّه كان سعيداً وقد أنهى المهمةَ بنجاح، لم يترتبْ عليه سلبية واحدة كرمى لعينيّ الفتاة. دفعَ لعاملِ المرأبِ أضعافَ ما يستحق وأعادَ المولدَ إلى بيتِه، والسيارةَ ركنَها بأمانٍ في الموقفِ المخصصِ لها بجانبِ مسكنِ الفتاة. هَرَّبَ لها المفتاحَ، ثم انصرفَ مباشرةً إلى جامعتِه. هكذا نجحَ الصديقُ عبرَ تضحيةٍ كبيرة بوقتِه وراحتِه في التغطيةِ على فعلةِ الفتاة، فانتهى الأمرُ بسلام.

كان الأبُ يتحضّرُ لفتح بابِ السيارة وتشغيلِ المحرك، لينطلقَ إلى عملِه كعادتِه في كلِّ صباح، حينما تراءى له أن السيارةَ المتوقفة ليستْ سيارتُه. أصِيبَ بالحيرة، فالمفتاحُ لم يخطئ حين أدارَه في الباب، ورقمُ لوحةِ السيارة يشيرُ بل يؤكّدُ له أنَّها سيارتُه بعينها، ولونُها الـ "بوردو" الداكن يدحضُ الشك. لكنَّه لم يَقْتَنعْ، فسيارتُه صدَمَها ظهرَ الأمسِ على البابِ الخلفيِّ الأيمن، وهذه السيارةُ سليمةٌ من كلِّ عيب.

= = =

(*): من معالم مدينة بيروت.

D 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2012     A إبراهيم يوسف     C 13 تعليقات

12 مشاركة منتدى

  • ابراهيم يوسف
    أنهى المهمة بنجاح
    وابراهيم يوسف كاتب قصة محترف يمتلك ناصية السرد بلغته القوية وجمله المعبرة، وأسلوبه المشوق، يستطيع أن يمسك بطرف الخيط من أوله ليأخذك حتى نهايته وأنت مشدود مع تنامي السرد، مشدوه مع جمالية اللغة وانسيابها.. هو هكذا دوما كاتبنا مع قدراته الأدبية حتى بتنا نبحث عن الكاتب قبل المكتوب لتوقعنا ملامسة الابداع في عمله.. جاءت الخاتمة موفقة حيث حملت معها دهشة المفاجأة، كما جاء السرد الموحي لعنت المهمة التي أنهاها الشاب بزمن قياسي مضحياً بالوقت والجهد ومقدماً مغامرة التغلب على العقبات، لأجل خاطر الصبية الخائفة عاقبة تصرفها الارعن بأخذها السيارة دون علم الأب لترتكب هي الأخرى مغامرتها.. ورغم أن المتلقي سوف يتسائل بأي سيارة صدم الأب سيارته، وما الداعي على عدم البحث عن من حرك سيارته من أمام باب المنزل، ولم كتم أمر الحادث عن أسرته وإبنته وليس من الطبيعي ألا يترك الأمر رد فعل طبيعي كون السيارة جديدة وتعرضها للانبعاج على قارعة الطريق بعيداً عن البيت حيث تركها أمر مثير لرد الفعل.. للمتلقي المتفاعل مع القراءة أحقية التساؤل كما له أحقية تفعيل خياله في وضع الاحتمالات الممكنة..


  • هيام ضمرة
    من أبسط حقوق المتلقي على الكاتب أن يُفَعِّلَ خياله فلا يكتفي بالتساؤل، بل يطرحُ أسئلة ويحاسب بلا مهادنة أو خجل..؟ وهيام ضمرة كاتبة لمَّاحة وقارئة منصفة، ولها الحق في العلاوة الأدبية التي يتمتع بها الشعراء..؟

    ولكن لا ينبغي أن نُغْرقَ في الأسباب الجانبية والتفاصيل!؟ فلِمَ لا يكون بائعُ خضارٍ متجول صدم السيارة بعربته وتوارى، أو تكون السيارة في الموقف المخصص لها محجوبة عن النظر..؟

    وبعض الآباء لا يجدون مبرراً لنقل المتاعب إلى بيوتهم وعائلاتهم، فيتحملونها بمفردهم حرصاً منهم على سعادة الآخرين وراحتهم.. ألم تشكل هيام سلسلة من التضحيات والإيثار والقدرة على التحمل لمّا تنتهِ بعد..؟؟

    والصبيَّة أليس من حقها أن تتعلّم، وأن تخوض تجربة تساعدها على مناعة معنوية تفوق في جدواها نسبة الخطأ المقترف..! وإلاَّ كيف لها أن تتحصن للمستقبل..؟ أليست الفتيات في الغرب عرضة لتجارب أشد وأقسى..؟

    مع المودة للصديقة العزيزة هيام.


  • قدرة الكاتب مألوفة عندي حينما يحول حادثة بسيطة، تقع عشرات المرات في كل يوم، إلى قضية تشغل الخاطر، وتقود في الكلمات الأخيرة إلى مفاجأة غير متوقعة، وهنا يكمن السر في قصة مكتملة العناصر من البداية في استهتار الفتاة، إلى عرض الموضوع والعقدة، ومشاعر الخوف والقلق والتوتر خلال الليل، وأخيراً خاتمة مفاجئة بالفعل.

    في العموم لا تغيب عن البال شتى شؤون الكتابة التي طرقها الكاتب، في المقالة الأدبية الصرف، والقصة، والرمزية، وأدب الرحلات، والعلوم، والشعر، ودقة الكلمة المستخدمة وطلاوة التعبير، كما في وصف الأمكنة التي تنوب عن صورة حقيقية بالكاميرا.

    في الخلاصة الكاتب متنوع الاهتمام، لم يسلم من الهفوات في توريط نفسه بعض الأحيان وهو يسيء إلى مقالة ما باستخدام مفردات رفضها عددٌ كبير، له رأيه من القراء
    لك كل الشكر أستاذي الفاضل.


  • قصة جميلة جدا، ونهاية ترسم البسمة على الوجوه الفرحة بالعيد. 
    التجارب تصقل الإنسان وتعلمه وإن تأذى منها، كذا كانت تجربتي في الفناء الخلفي بصحبة قريبتي مع السيجارة الأولى والأخيرة..!
    والخوف يفقد التجربة روعتها، بما أننا في مجتمع لا يقبل فيه الأب كلمة الإعتذار، ولايحافظ فيه الإبن المخطئ على وعده بعدم التكرار، وتبقى الصفعات لغة التفاهم في معظم البيوت للأسف. 
    الفتى شهم، مهما كانت مقاصده فهو في نظري عملة نادرة هذه الأيام. 

    شكرا لك أستاذنا
    كل عام وأنتم وأهلنا في لبنان بخير


  • مريم من فلسطين

    أشكرك يا سيدتي على الإطراء وحسن القراءة، والتعليق والإشارة الدقيقة إلى عناصر القصة القصيرة. لعل العدد المقبل يحملُ لي موضوعاً "علمياً" مختلفا..؟ آملاً أن يعجبك وأن ينالَ قسطا من الاهتمام والنجاح.

    هل هي المفردة "الملعونة" إيَّاها التي قصمتْ ظهرَ البعير، أو كسرتْ "مزرابَ العين" يا سيدتي..؟ "والواحدُ منا يقتلُ في الداخلِ ضدَّه"..! نُعلمُ أطفالنا تَحَبُّبا وهم يتمرنون على النطق ليَسُبوا الآخرين، ولا نتورعُ أن نبصق على الأدراج أو في قارعة الطريق..! وبعد هذا وذاك تستمر حملة على كلمة قلتها واعتذرتُ وانتهى الأمر..!؟

    ألهفوات أو الأخطاء إن كانت هفوة أو خطأً ما أتيتُه يا سيدتي..؟ لا يسلمُ منها إلا الأنبياء المعصومون..

    يا غصنَ نقا مُكلّلاً بالذهبِ
    أفديكَ من الرَّدى بأمي وأبي
    إن كنتُ أسأتُ في "هواكم" أدبي..؟
    فالعصمةُ لا تكونُ إلاَّ لنبي.
    لم يغضبني ولم يزعجني ما تقولين.. وإن كان لي أن أعتب أو أغضب أحياناً..؟ فإنما على نفسي وحسب.


  • أشواق مليباري – ألسعودية

    أنا سعيد حقا بما تقولين..؟ ومؤمن بأهمية التجارب في حياة الناس، حتى التجارب القاسية حينما نحسن الإفادة منها..؟ فلا ينبغي مثلاً إلاّ أن نثق بالشاب ولو كان هواه في أمر أبعد.. هو من حقه بلا ريب ومن حق الفتاة على حد سواء.. أو نواجه فيضاً من المتاعب والمآسي ربما ما لم نؤمن ونعترف بحق الطرفين جنباً إلى جنب.

    يمكن أن نعتب ونزعل من الفتاة أو نلومها ونلتزم موقفا منها، ولكن لا يصح أن نسحب ثقتنا منها أو نعنفها على ما فعلت. في اعتقادي؛ الكلمة الطيبة ستؤدي رسالتها بشكل أفضل في مطلق الأحوال.

    إن كنتِ لا تحاسبين أطفالك باللكمة أو الكلام الفظ، ولا أحسبك مطلقاً تفعلين..؟ فنحن في بداية الطريق المؤدي إلى ما فيه صلاح أمورنا، فمن يعجز عن التفاهم مع الأطفال أو مع الراشدين بالمحبة والمنطق..؟ لهوَ أعجز من أن يقنعهم بالقوة والإكراه.


  • يصفتي مهتم بالسينما وأدب الخيال العلمي فسأطرح هنا وجهة نظر مختلفة واقول ان ابراهيم قاسم يملك مخيلة سينمائية وكاميرا بصرية ابداعية وصفية قادرة على رصد التفاصيل الدقيقة والأحاسيس والمشاعر في وقت واحد ! واراهن أنه سيضيف قيمة للسينما اللبنانية بطرح جديد جمالي ، دامجا السرد القصصي مع الرؤيا السينمائية البصرية !


  • مهند النابلسي – الأردن

    من فمكَ إلى باب السماء يا صديقي. أنا مدين لك بالكثير، وتعودت منك أن تشرفني بالقراءة والعناية.. فخور حقّاً بما تبديه من ملاحظات وتعقيب، راجيا أن أحافظ على الثقة التي أوليتني، وأحظى باهتمامك على الدوام..؟

    لو سمعتُ تشجيعاً وإطراءً من هذا النوع وانا في مقتبل العمر..؟ لتعززت تقتي في نفسي أو ركبني الغرور..! فيممتُ وجهي نحو "هوليود"..

    لا تشغلني العناية بنفسي ولا أهتم كثيراً لمظهري، ولا أتواضع حين أقول: إن أحداً لا يعرفني وأنا أجتاز الشارع من أوله إلى آخره "لكأنني مقطوع من شجرة". لعلك تصدقني أن بائع الخضار الذي أسايره وأحبه ولا أشتري من سواه، لا يصغي لما أقوله ولا يعنيه حين أتودد إليه وأحدثه ببعض أمري..!؟


  • ويتوالى الإبداع مزهواً بالأديب الأريب إبراهيم يوسف ... الذي نجح في مفاجئتنا في خاتمة القصة بما لم نتوقع... وهذا لعمري لا يتوفر إلا لمن ملك ناصية القص والسرد وتربع على عرشهما أو كاد.
    أنا شخصياً أنحاز لجمال اللغة وعنصر المفاجأة ومن ثم الفكرة الهادفة والمتعة وقد توفرت في هذه القصة بشكل واضح بل وملفت.
    الفتاة مارست شقاوتها ككل فتاة أو شاب.. والشاب مارس شهامته كرمى لصديقة أخته وهو موقف مألوف ومتوقع وإن كان مبالغاً فيه نسبياً.
    موقف الأب قد يبدو غريباً... ولكن بما شكك في قواه العقلية وأنه ربما تخيل أن سيارته أصابها عطب... وما يهمه في النهاية إلا سيارة تسير وتخدمه.. أما من أصلحها فالأيام كفيلة بكشف المستور.
    لا جديد عند إبراهيم يوسف... إلا روعة تتألق وإبداع يتسامى... وفتنة في السرد ننحني لها احتراماً وتقديراً.


  • الاستاذ ابراهيم يوسف
    بدت لي القصة في بداياتها بسيطة الا أني طويتها على عجل، ساعدتني في ذلك اللغة الجميلة و التراكيب الرائعة. عشت فيها لحظات الترقب و رسمت من أخيلتي نهايات لها، كأن يستغفل الشاب الفتاة بالتواطؤ مع الميكانيكي ويستبدل السيارة الجديدة بأخرى قديمة من نفس النوع، أو أن ينكر استلامه للسيارة من الاساس. لكن اتضح أن الشاب ابن أصل و عملة نادرة ( لقيت فين ده؟؟؟)
    وجاءت النهاية مبهرة و غير متوقعة!!!
    لكن تمنيت لو أنك ما أنهيتها مبكرا، وعَيًشتَنا المواجهة بوقوع العاصفة و هبوب الريح بين الوالد و البنت، و جعلتها رواية لا قصة قصيرة.
    مودتي و احترامي أيها الأديب الرفيع


  • موسى أبو رياش
    الكتابة مرهونة في الغالب، بالظروفِ التي تتيحُ فرصةَ الحديثِ عن أمرٍ واقع لم يأتِ من الغيب، ومتى توفرتِ الفكرةُ هانَ ما عداها من العناصر، والفكرة التي أتحدثُ عنها لا ينبغي أن تكونَ دائماً "حَنبليَّةً " أو "كاثوليكية"، أو هادفة ومحيِّرة للعالم.؟ فالمبالغة في رصانةِ الكلمة تتحول إلى خطاب متعب عندما يخلو تماما من بعض" البساطة الحِمْصِيَّة ".

    أنا واثقٌ أن الملاحظة محقّة بالإشارة إلى بعض المبالغة، ولكن سبقَ السيفُ العذل. فالحقيقة التي لا أكتمُها أنني كنتُ بصددِ اختزالِ مشهدين لم أكن مقتنعاً بهما.؟ حتى جئتَ تؤكدُ خاطرتي.

    مهما تكنِ المبررات فهذا ما حصل. هذه الأمور لا تصحُّ العودةُ فيها إلى الوراء. والندامةُ تبقى قائمة في كل عمل، مهما بالغنا في التدقيقِ فلن يأتيَ خالياً من العيوب.

    شكراً لك يا صديقي حين تقرأ ما أكتب، وتشرفُني بالتعليق بعفويةٍ خالصة، وبصيرةٍ واعيةٍ تُمَيِّزُ وتختارُ ما تراه لائقا يستحقُّ النقاشَ والتعليق، وهو لعَمْري "بريستيج" أحسدكَ عليه من قلبي وأشعرُ كم أنت رائقٌ ولمَّاح.. أرجو أن تتاحَ لي الفرصة للحفاوةِ بكَ وتكريمك في بلدي وبين أهلي وأحبّتي.


    • تأسرني بلطفك وأدبك الجم الذي يلجمني أخي إبراهيم... ولعمري ما انتقدتك أنت ... وإنما انتقدت مبالغة الشاب ... فمن حق الكاتب أن يكتب كما يشاء ويظن أنه الأفضل ليترجم فكرته بما يراه مناسباً ومعبراً... وأنا متأكد بما لك من اطلاع واسع وخبرة طويلة أن في الواقع أمثال هذا الشاب الذي يبالغ في خدماته وسلوكياته وشهامته ليعبر ربما عن حب أو وفاء أو إخلاص أو امتنان أو ربما هي طبيعة فيه وجبلة خلق عليها.
      وربما تعرضت أنت وأنا وغيرنا لمواقف من المبالغة في التكريم أو المدح أو الثناء أحرجتنا وتمنينا تجنبها... وذلك عن حسن نية وسلامة طوية.
      وعودة إلى الكاتب.. فهو إنما يترجم سلوكاً وتصرفات ويمتح من واقع.. وقصتك الجميلة عقدتها في نهايتها غير المتوقعة .... التي أحسدك عليها... فهي تتحدى القارئء.. لكأنك تذكرني بكريستي عندما تلقي علينا سطلاً بارداً بعد كل التفكير والعناء.
      أما حفاوتك يا سيدي فقد وصلت وزيادة ... ومن نوى صادقاً كمن فعل.
      كل المودة والتقدير

  • زهرة - السيدة الكريمة
    ألقصة بسيطة كما بدتْ لكِ، والحق أنني لم أتوخَ منها أكثر من البساطة والفضول في مطالعتها.. وتوقعتُ أن تكونَ النهاية مفاجئة للقارىء.. فإن كانتِ الخاتمة كما تقولين فقد حققتِ القصة أغراضَها.؟

    أما الاندفاع في التضحية والإيثار فأمر لا يستغربه أبناء معظم الأرياف عندنا، في الجنوب، والبقاع، كما في الشمال وسائر أنحاء الوطن.. لعل المستغرب أن يأتي الفعل على النقيض.. ولو كانت للأسف هذه المزايا الحميدة قد ابتدأت بالغياب.

    لا أكتمكِ يا سيدتي أنني لم أسْلَمْ من لوثةِ المحاولات الأدبية المختلفة والفنون، واحدة هي الشعر، وما نظمته في تجاربي الفاشلة؛ أتى كجسدٍ تبدو عليه الرشاقة وتزينُه حللٌ ملونة، لكنه خال من الروح.

    والجري وراء الرواية التي تمَنَّيْتِها لي..؟ أتعبني فحسمتُ أمري وبدَّلتُ وجهتي من الرواية والشعر، إلى المقالة المقتضبة والقصة القصيرة، في عمرٍ شارف على الانتهاء.. دون أسفٍ على شهرةٍ لم أنلها في حياتي، أو أستفدْ منها في المقلب الآخر، حيث لا تنفع إلا الشفاعة بالله رب العرش العظيم. تجدر الإشارة في نهاية التعليق.؟ أن يفيضَ خيرُ الله مطراً على الأرض.