إبراهيم يوسف - لبنان

هكذا نَجَحَ المُخْتار

هكذا نَجَحَ المُخْتار

نص "العلبةُ الحمراء" (العدد 68) حَرَّضَتْني على كتابة هذا النص. مع التحية للأخ عبد الجليل لعميري، ومحمد الوردة الصديق، ومليكة الدَّعْلوس إبنتي العزيزة، وسائر أبناء المغرب الكريم.

= = =

في صِغَرِه أصابتْه حمَّى لم تُعالَجْ كما يلزم، فقضَتْ على سَمَعِه وتحوّلَ إلى أطرش، يتوسَّلُ المتحدثون إليه الأصوات العالية، مشفوعةً بإشاراتٍ من الرأسِ واليدين، لا تخلو في بعضِ الأحيانِ من التوَتّر والارتباك، وإذا ما أجابَ فيرفعُ صوتَه عالياً هو الآخر..! كأنَّ المُخاطَب بدورِه لا يسمع، وفي الغالب؛ كان يلجأ في الرَّدِ إلى الإشارةِ من رأسِه ويديه، في الرفضِ والاعتراضِ أو القبول.

لعلَّ خسارةَ السَّمع، عززتْ قدرتَه الجسدية على العملِ المتواصلِ في الزراعةِ وشؤونِ الأرضِ الأخرى..؟ فلا يكادُ يتعبُ أو يتوقفُ من شروقِ الشمسِ إلى غروبِها، مستعيضاً عمَّا فقدَه من حاسَّةِ السمع بقدرةٍ جسديةٍ مَشْهودَة، ووسامةٍ ملحوظةٍ في وجهه، وزرقةٍ صافيةٍ كأزهارِ البنفسج، تستوطنُ في عينينه الجميلتين.

هذه جُمْلةُ أحوالِه؛ عندما تقدَّمَ للزواجِ من سَعْدِيَّة، وسعدية ليستْ سَليْمة تماماً من الغباءِ ولا النكد، ويعوزُها الكثيرُ من مقوِّماتِ ما تعتزُّ به النساء، فهي بدينةٌ؛ داكنةُ السمرةِ؛ خشنةُ اليدين؛ غليظةُ الأصابع والأنفِ والشفتين.. لكنّها مؤنسة في عينيها المكحولتين، ومُدَلَّلَة في صوتٍ مُغَنَّجٍ مبحوح؛ لا ينتفعُ منه العريس. رضيتْ به زوجاً؛ فاستقلَّتْ عرَبةَ القطار الأخيرة؛ حينما لم يتقدَّمْ أحدٌ فيطلبْ يدَها. كانتْ توحي لمن يحدِّثها أنها تواضَعَتْ ورَضِيتْ به..! كما "يرضى القتيلُ؛ وليسَ يرضى القاتلُ"..!؟

في مناخٍ مؤاتٍ للفرح؛ شاركتِ البلدةُ بشبابها وصباياها وأبنائِها من كلِّ العائلات، وأقامتْ لهما عرساً ميموناً قلما شهِدَتْ مثلَه من قبل، فدامَ الاحتفالُ براجِح وسعدية أياماً عديدة، لم يبخلْ فيها أبناءُ البلدة بالولائمِ والدعواتِ، وأنواعِ المسرّات على شرفِ العروسين، فالكلُّ مدينٌ لراجح بالكثيرِ من الخدمات، والعشرةِ الطويلة الطيبة؛ والمحبّة. هكذا تقاطرَ الناسُ يَحْمِلونَ إليهما الهدايا، يخصصونَ بها العروس كرمى لعينيّ العريس، فمن أجلِ البَنَفْسَج يشربُ العُلّيق..

لم يكن زواجاً بالإكراه.. لكنَّ سعدية كانتْ دائماً تشعرُ بالغبنِ لزواجِها من راجِح لأنَّه أطرش لا لسببٍ آخر..! ومع مرورِ الوقت أحَسَّتْ أنَّها محسودةٌ من بعض النساء، ممن كُنَّ أحلى وأقلّ حظاً منها.. فاقتنعتْ به؛ ورَضِيتْ بما قَسَمَ اللهُ لها، ما دامَ محبوباً وسيماً وعاملاً نشيطاً ولا يعوزُها إلى أحد.. فشمَّرتْ عن ساعدِيها وباشرتِ العملَ إلى جانبِه بهِمَّةٍ عالية، ونَجَحَتْ أن تكوِّنَ أسرةً وقد رزقَها اللهُ بغلامينِ على التوالي، بدَّلا حياتَها وتفكيرَها؛ وحفَّزاها على مضاعفةِ نشاطِها في العمل اليومي، وجنيِ الفيضِ من الغلّةِ في كلِّ عام.

هذه المرأةُ الفلاَّحة ليستْ جميلة أو ذكِيَّة.. بل عنيدة أيضاً، وأمِّيَة كراجح تجهلُ القراءَةَ والكتابة..! لكنّها صلبةٌ؛ وقادرةٌ بحق على مواجهةِ متاعب الدُّنيا وغدراتِ الزمن، وجديرة أن تعيش، كما وَصَفَها وشَهِد على كفاءَتِها الكثيرون.

هكذا تعاوَن الزوجان على "الحُلْوَةِ والمُرَّة" وعملا في الليلِ وفي النهار، يداً بيد وقلباً على قلب وكتفاً إلى كتف، وبعدَ سنواتٍ من التعبِ والجهدِ المتواصل، ومواسمٍ كريمةٍ حملتْ معها خيراتٍ وفيرة، ساعدتْهما أن يضيفا إلى بيتٍ قديمٍ ورثه عن أبويه؛ غرفةً للولدين ومخزناً للمؤونة والبذور، ويشتريا بقرةً "هولندية"، تدرّ يومياً من الحليب أضعافَ ما تُعطيه الأبقارُ البلدية، وتشكِّلُ ثروةً للعائلة، ودَخْلاً إضافياً تُحْسَدُ عليه.

لكنَّ البقرةَ التي اشتراها راجح بمبلغٍ مُرْهق، نكَّدتْ عليه عيشَه.. فسعدية ما فتئتْ "كلما دَقَّ الكُوزُ بالجرَّة" (1) تطالبُه "بحقِّها" في البقرة..! "فأيُّ فَضْلٍ لموسى على رَبِّه"..؟! إذا كانتْ قد شاركتْه أتعابَه في التضحيةِ والعمل، ورَضِيَتْ به وَأنْجَبَتْ له صّبِيَين اثنين..! أليْسَ من حقِّها بناءً عليه أن تَتَمَلَّكَ البقرةَ، "وتُسَجِّلَّها" باسْمِها ضمانةً لمستقبلِها ومستقبلِ طفليها كما تقول..؟ فما من أحدٍ يعلمُ ما تُخَبِّئه لها الأيام..؟ وراجح يقيمُ عليها الدُّنيا كلما طرَحَتْ معه موضوعَ مُلكيةِ البقرة..

هكذا وَقَعَ المحظور، وتحوَّلتِ القضيةُ إلى نَكَدٍ عَكَّرَ بينهما صفوَ العيشِ وهناءَه.. فلا سعدية اقتنعتْ وكفَّتْ عن المطالبةِ بحقِّها في البقرة ولا راجح استجابَ لرغبتِها وتنازلَ لها عمَّا تُريد.

عَصَفَتِ الأزمةُ بالعائلةِ وتَصاعَدَتْ، وفشلَ معها أهلُ الخيرِ في التوفيقِ بين الطرفين.. فاتخذتْ سعدية إبَّانَ الوقتِ الحرج؛ وجنيِ المحصول، قرارَها بالحَرَدِ إلى أهلِها.. قراراً لا رجوعَ فيه. داستْ على عواطِفها؛ تخلّتْ عن ولديها؛ وحزمتْ أمتعتَها ثم تَرَكتْ بيتَها بلا أسف، وهي ترفعُ صوتَها قائلةً لراجح: ألبيتُ الذي تعبَ في تربيتِها لن تعوزه الحاجةُ إلى لقمةِ عيشٍ تأكلُها..!

قال المعنيون بالأمرِ من الأهلِ والجيران: فلتجربْ وتتعلمْ قليلاً وتَتَأدَّبْ أيضاً.. دَعُوا الأمر؛ لا ينبغي لأحدٍ أن يفاقمَ المشكلةَ ويُكبِّرَها، وليستْ بحاجة لمزيدٍ من التحريض، وتفعيلِ الزَّيْتِ في النَّار. في النهاية؛ سَتخزي الشيطانَ وتحنُّ إلى وَلدَيْها، لتعودَ إلى بيتِها مرغمةً أو مختارةً بعد أسبوعٍ لا يزيد..؟

هكذا راهنَ الجميعُ على عودةِ سعدية إلى بيتِها..؟ لكنَّ حسابَ الحقلِ لم يطابقْ حسابَ البيدر.. فقد مضى اليومُ إثرَ اليوم والأسبوعُ بعدَ الأسبوع، وجاوزَ الأمرُ شهراً وأكثر، دون أن تعودَ أو ينجحَ في إعادتِها المُهْتَمّون من الأهلِ والأصحاب، أو تلوحَ في الأفقِ بارقةُ أملٍ جديدة. لا هي رَضِيَتْ بالعودةِ دونَ الحصولِ على ضَمانَتِها في "صَكٍ" (2) بملكيةِ البقرة تُخَبئهُ في "عُبِّها" ويُطمْئِنُ بالَها، ولا راجح قبِلَ بالتنازلِ عنها.

كانَ يقول: ستستبدُّ بي العمرَ كلّه لو تَهاوَنْتُ معها ووافقْتُها على رغبتِها فسلّمتُ لها أمري. هكذا تحولتِ المسألةُ إلى أزمةٍ حقيقية ارتفعتْ معها حدةُ المواجهةِ بين الطرفين، فلم ينفعْ معها شفاعةُ "الأوادمِ والأجاويد" في رأبِ الصدعِ وإعادةِ المياهِ إلى مجاريها.. إصرارٌ من الطرفينِ كلٌ يتمسَّكُ بموقفِه بلا مُهادنةٍ أو تنازل.

تدخّلَ رئيسُ البلديِّةِ وأعياهُ التوفيقُ بينهما، فأعلنَ عن فشلِه بصدقٍ بعيداً عن أسبابِ الخجل والمكابرةِ الكاذبة، وتجاوزَ النزاعُ على البقرةِ قريةَ "عَينِ التُّوتْ" إلى الجِوار، وعجزَ مَرَّةً أخرى الخيِّرون من أبناءِ القُرى المجاورة، أن يعيدوا سعدية إلى بيتِها وولديها.

تفاقمتِ المشكلة وارتفعتِ الحدَّةُ بين الطرفين، لتبلغَ في النهاية عضوَ النّدوةِ النيابيةِ عن الإقليم، فتدخّلَ بدورِه؛ وأتى يزورُ العائلةَ لما يتمتعُ به من حظوةٍ في عيونِ ناخبيه، ومنهم عائلة سعدية وعشيرتها، آملاً أن يُرَمِّمَ في زيارتِه ما انْهَدَم من أحوالِ الرَّعِيَّة.

تشجَّعَ عضوُ النَّدْوةِ النيابيةِ بما له من دالّةٍ على الجميع، والرصيد الذي أسَّسَهُ لنفسه من الخدماتِ العامةِ والخاصة، التي لم يترددْ يوماً ويؤدِّها إلى مناصرِيه ومحازبيه بخاطرٍ طيّب، ولم يبخلْ بها حتى على خصومِه ومناوئِيه.

هكذا خصَّصَ الرجلُ النَّافذ زيارةً إلى أهلِ سعدية، لحلِّ النزاعِ القائمِ على البقرة. أتى في موكبٍ من السياراتِ حملتْهُ مع أصحابِه ومرافقيه. طالَ وقتُ الزيارة أكثر مما تَوَقّعوا.. ثمَّ تَمَخَّضَتِ النتيجةُ عن خيبة جديدة. فشلَ المسعى مرةً أخرى في إقناعِ سعدية بالرِّضى والعودةِ إلى منزلِها، ما لم تكنِ البقرةُ ملكية خالصة لها، كأنَّها تتعامُل "بالعَقارات".

إذا كانتِ الأعمالُ بالنيَّات..؟ فقد فعلَ الرجلُ ومن معه ما يتوجبُ عليهم وأكثر، حين خصّصوا زيارةً للجماعة وتودَّدوا للمرأةِ وبذلوا معها مساعٍ، إن لم تكن شاقة فليستْ بسيطة أبداً.. أما راجح فله الله كما قالَ المصلحون. فليتزوجْ مرةً أخرى ليكونَ درساً قاسياً لسعدية وولدَيْها، لو تعلمتْهُ..؟ فلن يفيدَها الدرسُ حينئذٍ ولا البقرة، أو عريسٌ مُغَفّل تسوقُه لها الأقدارُ مرَّةً أخرى.

ألأمانةُ تستوجبُ شهادةً صادقةً بأن والدَ سعدية رجلٌ كريم، بذلَ ما في وسعِه لإقناعِ ابنتِه بالعودةِ إلى بيتِها، وبَرْهَنَ عنِ احترامٍه للناس وتقديرِ جهودهم، والوقوفِ على خاطرِهم ورغْبَتِهم.. لكن ابنتَهُ أشدُّ عناداً من بغلِ "أبو الخير المُكاري". رَكِبَ رأسَها الشيطان، فلا ينفعُ معها رجاءٌ ولا قوةٌ أوتهديد. توسَّلَ إليها أبوها قائلاً لها: كُرْمى لله وحدَهُ عودي إلى بيتِكِ وولديكِ.. ثمَّ اغتاظَ منها وضَرَبها وقالَ لها يا ابنةَ الكلب ولم تعدْ؛ فما عساهُ يقولُ ويفعل؟

بعضُهم ألَّفَ النوادر عنِ حكاية سعدية وراجح، فاقترحَ للحلِّ أن يحملَ "المختارُ" القضيةَ متى عادَ من السفر، إلى مجلسِ الأمن والأمم المتحدة..!؟ فهما استناداً للتجربة الموثوقة؛ الجهتان الصالحتان القادرتان المخوَّلتان النظرَ في النزاعات على الحقوق، ومعالجة المشاكل والأزمات الطارئة، وفرضِ العقوبات حيثما تدعو الحاجة وتتأزمُ الأمور، ليس بين راجح وسعدية فحسب، ولا في الزقاق الضَيِّقِ والضيعة والمدينة..؟ بل في العالمِ كُلِّه..!؟

بلغَ المختار الخبر باتصالٍ هاتفي معه وهو في زيارةِ أحدِ أبنائِه في بلادِ الاغتراب، فأشارَ إلى محدثيه أن يتمهّلوا قليلاً، ويؤجلوا مسألةَ الطلاقِ ريثما يعودُ إلى الدِّيار..؟

عادَ المختارُ من سفره بالسلامة، فاستقدمَ إلى بيتِه راجح وسعديه ليرى ما يكونُ من الأمرِ بينهما، واستقدمَ معهما من يلزم من الشهودِ على ما يجري.. وبعد التداول قي الواقعةِ مع الطرفين، كتبَ صَكَّاً لسعدية يقولُ فيه:

نحن مختار "بلدت" عين التوت في الجمهورية اللبنانية، من "محافظت" البقاع الأوسط، نشهد أنَّه بتاريخه حضر أمامنا، راجح النجّار وسعدية حَمُّود، طرفا النزاع على ملكية بقرة هولندية، وذلك بحضور كل من الشاهدين أدناه أبو صالح الخير، وأبو سعيد الحوراني، ألمشهود لهما بالصدق والاستقامة من أبناء البلدة ومنّا.. وتم الاتفاق بين الطرفين بموجب هذه الوثيقة، بأن البقرة باتَتْ "مُلْكَنْ خالِصَنْ " لسعدية..؟ وأنَّ سعدية والبقرة " مَعَنْ " " مُلْكنْ " لراجح، مهما تغيّرت الظروف وتبدلت الأحوال.

هكذا أخفق المختارُ في الكتابةِ والإملاء، ونجحَ في التوفيقِ بين الطرفينِ، فاحتفظَ كلٌ منهما لنفسِه بنسخةٍ عن الاتفاق؛ ممهورةً بختمِ المختارِ وتوقيعٍ "ذَيَّلَهُ" شهودُ الحال، وهكذا أيضاً عادتْ سعدية إلى أحضانِ راجح، وضمنَ المختارُ انتخابَه للمنصبِ لستِّ سنواتٍ مقبلة.

= = = = =

(1) كلَّما دَقَّ الكوزُ بالجرَّة. أي عند ملء الكوز أو (الإبريق) بالماءِ من الجرَّة، وهذا أمر يحدث تكرارا في اليوم، وخصوصا في الطقس الحار. ويعني القول: لأتفه الأسباب.

(2) الصك: العَقْد، كتابُ الإقرار بالمال وغيره (فارسية).


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3421132

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC