بسام الطعان - سورية

حتام


كصخرة كبيرة سقطت وتدحرجت على الأرض بلا مبالاة، سقط عليك السؤال المخيف يا عبد الله. لم تعد تجرؤ على الاقتراب من القطعان البشرية التي غالباً ما تقيدك في عمقك، ثم تجعلك هائماً بواد ليس فيه زرع أو ضرع يا عبد الله. هل وجودك على الأرض يشكل إدانة لهذه القطعان أم لذاتك؟ ما سمعته كان غريبا. فاجأك. لقد صرت قصة تتلى في الصباح والمساء فوق الأرصـفة وأمام الأبواب، وكأن لا حكاية في العالم إلا حكايتك. من داخل منتجع الذات التي تمتلئ بالتوهان، قلت لنفسك في ليلة شبه ميتة: "سأرحل إلى مكان لم يطأ من قبل، ولم يحلق فيه طير، فهذه الأرض ليست جديرة بي أو لست جديراً بها."

تذكرت أمك النائمة في حجرتـها، فدخلت في حروب ضارية مع نفسك. آه يا عبد الله، تقلبت في فراشك تقلب المحتضر علـى سـرير الموت. أنفاسك تصاعدت متقطعة، وخفقات قلبك الواهن تصارعت. شعرت بصـداع قوي داخل رأسك، حاولت أن تغمض عينيك وتستسلم لسلطان النوم، لكن مخلوقاً غريباً على شكل سـؤال جثم فوق صدرك وبدأ يمتص بلذة وعلى مهل أوردة دمك. كنت بأمس الحاجة إلى النوم، ولكن كيف يأتيك النوم وقد تجرعت سؤالاً علقمياً في كأس صدئة لو وجـّه إلى جبل لتصدع وانهار.

ابن من أنت يا عبد الله؟ سؤال أعاد الروح إلى ذاكرتك بعد أن كانت مدفونة بين أنقاض أيامك وجعلك تنفض عنها غبار النسيان. حاولت الدخول في السنين المنسية. بحثت في أراجيـح الطفولة لعلك تتذكر شيئا منها، لكنها سرعان ما انهارت وألقت بك في بركة مليئة بتماسيـح شرسة. حاولت قطف زهور الذكريات لتطرد بعبيرها الرائحة العفنة التي تبعثها أشباح ذاكرتك المفجوعة، لكن السؤال ظل يكسو رأسك.

ابن من أنت يا عبد الله؟ سؤال مخيف زمجر كآلة ميكانيكية صنعت في العصور القديمة في أذنيك. سؤال لم تعد تريد سماعه، تكرهه كما تكره العالم الذي أنت فيه. انه حبل من مسد يلف جسدك النحيل، وينحت كهفاً بلون الدم في سراديب قلبك. دخل ألم مفاجئ في تجاويف رأسـك، فضغطت عليه براحتي كفيك، ولكن ما دخل رأسك، هو الآخر يئن لحاله ويبحث عن متنفس يرمي من خلاله كوامن بركانه.

من خوابي الظلام رحت تتجول في ردهات الذاكرة من جديد، أرسـلت نظراتك إلى الماضي القريب والبعيد، بحثت عن رسم لرجل حملك، مسد شعرك، قبـّلك، داعبك، قدم لك قطعة حلوى، لكنك لم تر غير رسم لشيطان يقف في الزاوية المقابلة ويقهقه ساخراً.

اجتاحتك رعشة هزتك هزاً، أيقظت أوصالك، وعلقتك من قدميك ويديك بسنانير الصحو، نهضت من سرير الاحتضار، مسحت حبات العرق المتناثرة علـى جبينك المشتعل، لملمت شظاياك وما رافقها من أهوال، زرعت في غابات الكلام أشـجاراً لا تثمر إلا المرارة، دخلت إلى حجرة أمك الباردة، المدماة بويلات الأنين، وقفت بالقرب من فراشها وأنت مختنق بالنشيج: "أمي. أمي. هل أنا؟ ابن مـن؟" هاجمك وابل من الوساوس فتراجعت بصمت، لم تدر لماذا يا عبد الله، بقيت مكانك هامداً جامدا كالتمثال.

اقتربت منها مرة أخرى وفي عينيك تمور ملايين الأسئلة، رأيت الاصفرار بادياً على وجهها المليء بالتجاعيد، جلست بقربها، مسدت شعرها الأبيض بحنان، أمسكت يدها، قبـّلتها ولونتها بالدموع، نظرت إليها بعينين جاحظتين رأتا كل أنواع الهموم، ثم أطبقت جفنيك وذهبت في رحلة بدايتها لهيب ونهايتها تعذيب: " كم جرحاً سأنزف يا أمي، يا أعز الناس؟ كم منفى سألقى قبل أن ينفجر هذا القلب؟"

فتحت عينيها ببـطء، نظرت إليك بأسى، وأحست بما يجول في خاطرك، مسحت دموعك وأنت تحاول التراجع، لكنها نادتك بحنان لا يوصف، وأجهشت ببكاء مصحوب بتوجعات آلامها. اقتربت منها وأنت تحس بأن ثمة عالماً مجهولاً بانتظارك. جلست إلى جانبها، فشدتك إلى صدرها وضمتك بحرارة لم تعهدها من قبل، ارتميت في حضنها رمية اليتيم وانفجر السؤال:

"ابن من أنا يا أمي؟"

دون مقدمات ردت:

"لا أعرف ابن من أنت يا ولدي، وأنا لست أمك."

تنزلت الكلمات ويلاً من نار جرفت مسامعك، كدت تهرب لمغاور وصحارى الجنون، غير أنك تمالكت زمام نفسك وقبعت في صومعة السكون، وقبل أن تنهض من حضنها وترجع أدراجك إلى الوراء، ارتجفت أمك، تأوهت وزفت نظراتها للأفق البعيد يا عبد الله.

D 1 أيلول (سبتمبر) 2006     A بسام الطعان     C 0 تعليقات