أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 50: 2010/08 » قصتان: سيمفونية الجراح + سيدة القصر

بسام الطعان - سورية

قصتان: سيمفونية الجراح + سيدة القصر


سيمفونية الجراح

بسام الطعانالنيران تندلع في خافقه، فيضع الجرح فوق الجرح، يثور كبركان هائج، يحمل لهفته، يدور في الشوارع والأزقة، ويفتش عن الغزالة التائهة، التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى سراب.

يدور حتى يتدحرج فوق صخور التعب، فيجلس تحت شجرة توت عتيقة، يناجي السماء، يذرف دموعا صامتة، ومن حزنه عليها تنحني وتبكي عليه قامات الأشجار، يمسح دموعه ويتساءل بحرقة والتياع:" هل ضاعت أم اختفت إلى الأبد؟

يعرش العذاب في جسده، فيشعر كان الزمن توقف، فلا الليل ينجلي ولا الصباح يكشر عن نوره، يبقى شاردا على خطوط التيه، خُيـّل أنه يسمع نداءاتها التي لا تنتهي، فينهض بسرعة. يفتح النافذة، يفتش عنها بنظرات منتفضة، فلا يرى شيئاً، لكنه يظل ينادي عليها ولا يشعر بالضـيق من كثرة مناداته، ويظل وجهها يتشكل أمامه وروداً وأزاهير.

قبلها كان يرى الغزلان كلها سواء، وحين عشقها، رأى فيها غير ما عرف. كانت نبعاً للصفاء، رمزا ً للحياة. بالقرب من نهر الخابور، كانت عصافير الوجد تحط على جبينها، فتستلقي إلى جانبه، تضمه بشوقها المعتق، تبشــره بأيام فريدة، لا بُعاد فيها ولا نسيان، والآن لم يعد يستظل بأفيائها، يجلده الزمن وترميه المسافات، ولا يقدر غير أن يمضغ صمته ويشرب الوجوه وجها وجها حتى الغياب.

كيف الخلاص؟ وكيف انطفاء النار في دمه؟ عند ابتداء الصباح، يتناول لقيمات قليلة، يخرج من غرفته وإيقاع قدميه تقرعان أعماقه، يسير بأعوامه الستة والثلاثين، وبملايين الأشواق، يتصادق مع النهر، يفتش عنها عند ضفافه، يقطع المسافات الطويلة، وعند الغروب، يدخل في طقوس الحداد، ومع ارتعاشاته من حر الجوى، يسأل عنها الطيور وهي تأوي إلى أعشاشها، فتنظر إليه بأسف وتسمّعه زقزقات غريبة، فيتناول كل أصناف العذاب، فهل هي هم أم وهم؟

تدور الفصول وهو ينسج أحلامه في الهواء، يفرش خرائطه فوق الدروب الناطرة، يدور في الأمكنة بخطوات بطيئة، ثم يستحث خطاه ويسأل عنها، فلا يجد إجابة شافية ويرهقه التفسير.

أي مصير ينتظره؟ أي مكان سيحويه وهو بعيد عنها؟ ولمن يشكو حالته وهو لا يعرف أين هي ومن سلبها؟ ولكن هل سلبت أم هربت؟

فقد الكثير من صحته، وخواطره شردتها الغزالة، لكن بالمقابل حصل على الكثير من الأحزان، وفي النهاية رفع الراية البيضاء، عاد إلى مسكنه وهو يشتاق لعينيها رغماً عن الرحيل الطويل، تمدد على سـريره، ومع نظراته التي بقيت معلقة بالسقف، أقسم بالجراحات إن عرف من سـلبها، لن يغفر له، سيطرزه بالزلزلة.

في ليلة من ليالي الحزن، سمع دقات خفيفة على بابه، فلم ينهض، وحين استمرت الدقات بشكل سريع وقوي، نهض بتثاقل واقترب، فسمع أنات خافتة، فتح الباب بطريقة لم يجربها من قبل، فصعقته الدهشة حين رآها واقفة كشجرة تهزها الريح، كانت تتدثر بثيابها الممزقة، وقبل أن يخرج من دوائر الدهشة، ألقت بجسدها المدّمى في حضنه:

"كيف تتركني لذلك الذئب كل هذه المدة يا ظالم؟"

فلم يجب لأن الكلام كان قد اهترأ على شفتيه، ولكن هل سيبقى مهترئا؟

.

دموع سيدة القصر

سيدة الحزن تسكن في قصر موحش، مفروش بالمحن، حيث لا أنيس فيه ولا وليف، مساحة هزيمتها واسعة، ولا تجد من يرد لها قناديلها المفقودة.

كجارية قبيحة باعوها لكهل يملك كل شيء إلا القلب، منذ أن ساقوها إليه وهي تبحث عن وسيلة للخلاص، لكن كل الأبواب موصدة بمزاليج فولاذية، ومن خلفها حراس كثيرون، أجسادهم ضخمة وعيونهم تقدح شراً، في كل مرة تقف أمام النافذة، تلاعب وتداعب بعينيها وجفنيها وليفها الذي أخذوها منه بالقوة، وتذرف الدموع الصامتة.

بالأمس كان قلبها خصباً، والآن صار أرضاً عطشى، في كل صباح مع التراتيل والمناحات، تمزقها اللوعة، تشم رائحة الغصة تعصر القلب، تغرق في العذاب ثم تعوم، تجلس مسترخية ورأسها مدّلى في أبد الصمت، لتبدأ الأفكار تدق رأسها بطريقة مؤلمة، رأسها جمجمة مثقلة بطقوس الانفعالات، لكنها مليء بالأحلام، وتعشق العناد، وفي الليل، وبعد أن يحرث جسدها حرثا عميقا ويتركها، تعاتب بعصبية من باعها دون استشارة وتشتمه، فيصفعها بيد من حديد زمان الفاجعة، زمن انكسارات الجيوب والنفوس.

كم غطى الشيب رأسها وهي في ربيعها الثاني! كم غدر بها الزمن وأدخلها في الاحتضار! مَن ينزع عن صدرها الكابوس الجاثم، الشقاء القاتل، النصل المغروس بقلبها؟ مَن يغرس في بستانها البائس زهرة؟ مَن...؟

وليفها كان لها أرضاً وبيتاً وقصيدة، وهي كانت له مطراً ودفئاً ولحنا ً، فيكل لحظة تراه أمامها، مع طعامها وشرابها، وحتى في غرفة نومها، تسمع صوته، همساته، لهفته، صبابته، تشم رائحة عطره، تتذكر كل كلامهما وأحلامهما المشتركة، كما تتذكر اقتسامهما للقمر في الليالي الدافئة، فتمدد على سريرها المأهول بالغضب، والسكون يلسعها كتيار يبعث الحياة في جهاز هامد، تدفع ثقل الجفنين، تمسح الأرق المعلق برموشها، وتحس كأن ثمة حيوان خرافي في أحشائها يتلوى، ومع بكاء ينهمر، تمد لوليفها كفين أليفين، تمسك بكفه كعرّافة، تمررها على خدها’ تقترب برأسها من وجهه ببطء شديد وهي مغمضة العينين، وتدخل في هلوسة بلا حدود.

يبرد قلبها المصهور، فتنتبه إلى نفسها، تمسح دموعها، ترتمي على السرير، تجتر الذكريات، فهي الغذاء الوحيد الذي بات يسري في عروقها، تحاول النوم ولكن كيف يأتيها النوم وهي تائهة بين السالب والموجب، يظل السهد يعاشرها، فترسم تفاصيل وجهه وتدخل في براري الشرود، يطول الليل ولا ينجلي، وتظل تحلق في أجوائها السالفة معه إلى أن يحلّو بالضوء جفن الصباح.

خمس سنوات وثلاثة أشهر وسبعة أيام وهي تتأرجح بين الصحوة والغفوة، بين البُرء وبين الجرح، وتقذف بنفسها وسط جو مشحون بألف رغبة، فهي منذ أن غابت عنه دنياها خاوية، عالمها فراغ، صمتها رهيب، ونفسها برية عطشى ومشتاقة إلى الغيث.

كم تمنت أن تقاسمه أرغفة حب، كؤوس عطف، أغطية دفء، أن تعيش معه كالنحل في قرص العسل، تزرع روحها في روحه نبتة، وأيضاً تمنت أن تنساه وتظل مخلصة للكهل ولكن هل تستطيع أن تنساه؟ وكيف؟

D 1 آب (أغسطس) 2010     A بسام الطعان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الرحلة الأخيرة من الشمال إلى الجنوب

2.  دعوة للحياة: ح 6

3.  الحب والحرب والوطن

4.  توضيح بشأن العدد 37

5.  بائع البالونات + المشروع


القائمة البريدية