أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 04: 2006/09 » رحيل المؤرخ العربي نقولا زيادة

مختارات : صخر أبو فخر - لبنان

رحيل المؤرخ العربي نقولا زيادة


نقولا زيادة: رجل في تاريخ وحياة كثيرة

صقر ابو فخر ** (السفير 29/7/2006)

نقولا زيادةبعثرت الأقدار المريرة مصائر نقولا زيادة فما أمكنته من تخطي حاجز المئة، بعدما ظل، مثل أبطال الأساطير الاغريقية، يصارع أيامه موعوداً بتدشين قرن جديد في عمره المديد، لكن تعب الأيام أوهنه فغادرنا في التاسعة والتسعين. كان يدرج نحو المئة بفرح غامر، ويخطط لأيامه المقبلة بنشوة الأيام الأولى. عاش في هذه الدنيا نحو قرن من الزمان، وهو أسوأ قرن وأروع قرن في تاريخ العرب المعاصر؛ فكم ارتفعت بنا في خضم هذه الفترة العاصفة أحلام جسورة، وكم انحطت بنا هزائم كثيرة. لكن نقولا زيادة، المؤرخ اللامع والراصد الثاقب، اجتاز هذه المرحلة الصاخبة وفي فؤاده ثلاث حسرات: فقدانه والده صغيراً، وفقدان وطنه فلسطين، ثم فقدان زوجته مرغريت شهوان.

عرفت نقولا زيادة، أول مرة، في مقر الموسوعة الفلسطينية في بيروت. كنا نفراً لم يتجاوز العشرة نتحلق حول أنيس صايغ الذي كان يرعى بالجهد والعذاب مشروع الموسوعة مثلما رعى بالدم وبالأصابع المقطعة مركز الأبحاث الفلسطيني. ولا أبالغ في القول إنني قلما عرفت جماعة ربطت المودة أفرادها مثل جماعة الموسوعة الفلسطينية، وأوثقتهم بعرى متينة من الصداقة لا تنتهي أبداً. وكان نقولا زيادة في هذه الجماعة كبيرنا وصديقنا وزميلنا في آن، وكان استاذاً نبيلاً ومتواضعاً في الوقت نفسه.

ولد نقولا زيادة في 2/12/1907 في حي باب المصلّى أحد أحياء منطقة الميدان في مدينة دمشق. فهو، والحال هذه، دمشقي المولد، لبناني الإقامة، ناصري "الدم". فكأنه مثل ابن بلدته الناصرة، أي مثل المسيح الذي كان، بدوره، ناصري "الدم" تلحمي الولادة، سرياني الثقافة. ومهما يكن الأمر، فقد عاش نقولا زيادة في بيت لا رجل فيه؛ فوالده عبده الذي عمل في سكة حديد الحجاز توفي في سنة 1915 أي إبان الحرب العالمية الأولى. واضطرت والدته هيلين السعد الى العودة به وبأخيه ألفرد الى فلسطين في ما بعد.

وهذا الفتى الفقير الذي بدأ دراسته في دمشق وتابعها في فلسطين على ضوء قناديل الكاز صار لاحقاً أحد أهم المؤرخين وأساتذة التاريخ في العالم العربي بعدما حاز الدكتوراه مع مرتبة الشرف من جامعة لندن سنة 1950 على أطروحة بعنوان: "تاريخ مدن سوريا بين 1200 و1400"، وبعدما زاول التدريس في فلسطين وكيمبردج وليبيا وهارفارد، وترأس دائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية في بيروت بين 1965 و 1973.

لم ينخرط نقولا زيادة في أي جهد سياسي مثل معظم الفلسطينيين في بلاد الشتات، ولم تشغله السياسة يوماً عن حياته الفكرية والثقافية والتربوية، لكن مذكراته الموسومة بعنوان: "أيامي: سيرة ذاتية" (1992) حفلت بأخبار رجال السياسة، فضلاً عن رجال الفكر والأدب والتربية. وهذه المذكرات وإن تكن تأريخاً لكثير من الأماكن، إلا أنها ليست تاريخاً لمدينة بعينها ولو حتى الناصرة. لكن لدمشق فيها مكانة مميزة ومكان رحب. ومع أن نقولا زيادة لم يعش في دمشق إلا طفولته المبكرة غير أنه حينما يتكلم عن هذه المدينة فكأنه يتكلم بسلطان الشعر والعاطفة لا بسلطان التاريخ وعين المؤرخ، فجاءت عباراته أنشودة حب وقصيدة وفاء لهذه المدينة العابقة بالتاريخ وسحر الماضي وشواهد السنين.

خانته أقداره فلم تصل به الى المئة، ورحل في لجة هذا العماء الإسرائيلي الهمجي. ولعل من حسن حظه ألا يشاهد ما نشاهده نحن في كل يوم.


** نقلا عن صحيفة السفير اللبنانية مع بعض الاختصار

D 1 أيلول (سبتمبر) 2006     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  معلومات عن العدد الحالي

2.  ملف غزة: ذكريات تنكأ الجراح

3.  نصان: تواصل وكم أغبط الشمس!

4.  جولة في حضرموت

5.  فنجانا قهوة


القائمة البريدية