عدلي الهواري

العودة سائحا


العودة سائحا: رحلة المسافة القصيرة والزمن الطويل

الجزء الأول: الرحلة من عمان إلى بيت لحم

لافتة مرورية في الأردن

في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، جاءتني فرصة غير متوقعة لتدريب إذاعيين في مدينة بيت لحم الفلسطينية. ولحسن الحظ أن المواعيد كانت مناسبة لي، ولا تضطرني لتعديل ارتباطاتي أو رفض الفرصة بسببها. بدأت الإعداد لرحلتي بعد الاتفاق على التفاصيل مع الشركة التي تريد تدريب الإذاعيين. حجزت تذكرة للسفر جوا من لندن إلى عمان، ومنها برا إلى بيت لحم.

في عمان، استيقظت للرحلة قبل السادسة صباحا. وتوجهت إلى مجمع السيارات العمومية في منطقة العبدلي لأستقل هناك سيارة عمومية (سرفيس) توصلني إلى جسر الملك حسين، الجسر الذي يربط ضفتي نهر الأردن الشرقية والغربية، القريب من بلدة الشونة الجنوبية على الجانب الشرقي، ومدينة أريحا على الجانب الغربي. كنت الراكب الثالث. وعندما جاء الرابع أصبحت السيارة جاهزة للانطلاق إلى منطقة "الجسر." خلال ساعة وصلت السيارة إلى مقصدها، وتوجهت مع الركاب إلى المركز الحدودي.

أبلغت بعد الإطلاع على جوزا سفري أن علي الذهاب إلى القسم الخاص بالسياح. خلال دقائق تمت إجراءات مغادرة الجانب الأردني. أشير لي إلى حيث تأتي حافلة لنقل الركاب إلى الجانب الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

قبل الثامنة والنصف حضرت حافلة، وحملت أمثالي من "السياح" وانطلقت غربا. قبل الوصول لمركز الحدود على الجانب الغربي، توقفت الحافلة ونزل الركاب ولا شيء معهم إلا جواز السفر. نظر إسرائيلي على الجوازات، وانتظر جميع الركاب إلى أن أذن لهم بالعودة إلى الحافلة.

انطلقت الحافلة ثانية، وأنزل الركاب عند المركز الحدودي الآخر. هناك يسلم المسافر حقائبه وجواز سفره، ثم يعاد له جواز السفر، وعليه ورقة ملصقة على الغلاف الخلفي للجواز. بعدئذ، تتجه إلى الشباك المخصص لمن هم مثلك وتنتظر دورك.

"إلى أين أنت ذاهب؟" سألت المجندة الإسرائيلية.

"إلى بيت لحم."

مجموعة أخرى من الأسئلة التي يفصل بينها لحظات تقضيها المجندة في متابعة شاشة الحاسوب أمامها:

"هل هذه أول زيارة لك؟ هل معك جواز سفر آخر؟ ما هي مهنتك؟ لماذا أنت آت؟ إلى أين أنت ذاهب؟ كم من الوقت ستقضي؟"

انتظر بضع دقائق. ولا أدري هل سيطلب مني الانتظار كمن سبقوني أم لا. أعطيت جواز السفر وورقة ختم عليها أذن بالبقاء ثلاثة أشهر.

انتقلت إلى ما وراء نوافذ ختم وثائق السفر. دقق إسرائيلي آخر في جواز السفر، وانتقلت إلى قسم الحقائب. يوضع الطابع الذي ألصق على جواز السفر على قارئ إلكتروني، فإن لم يكن في حقيبتك ما يثير الشبهة يسمح لك بالعبور إلى حيث تنتظر الحقائب، وإلا طلب منك فتح الحقيبة للتفتيش. سمح لي بالانتقال إلى حيث تنتظر الحقائب، فأخذت حقيبتي واتجهت نحو المخرج. طلب مني إسرائيلي آخر أن يلقي نظرة داخل حقيبتي، وسألني إن كان معي أكثر من ألفي دينار أردني، ففي هذه الحالة يجب التصريح بحيازتها، فقلت: "لا أحمل نصف هذا المبلغ".

بعد أن خرجت من قاعة القادمين تعين علي شراء تذكرة لركوب حافلة لتنقلني إلى ما يسمى "استراحة أريحا." ركبت مع آخرين الحافلة التي تنقل المسافرين إلى الاستراحة، وعلى الطريق توقفت الحافلة وصعد إليها شرطي فلسطيني جمع بطاقات الهوية وجوازات السفر، وعاد بعد دقائق ونادى الأسماء ليسلم الوثائق لأصحابها.

استأنفت الحافلة رحلتها القصيرة، ووصلت استراحة أريحا. هناك ينزل الركاب ويتسابق العمال على المساعدة على لتحميل الحقائب ونقلها إلى حيث يريد صاحبها. ويأتي السماسرة وسائقو السيارات ليجذبوا الركاب إلى المدن التي تذهب إليها السيارة التي يقودونها: جنين، رام الله، بيت لحم، وغيرها من مدن الضفة الغربية.

يصطحب الراكب إلى سيارة تتسع لسبعة ركاب. حاول أحد السائقين أن يعقد معي صفقة ليوصلني وحدي إلى بيت لحم، لكني أبلغته أني سأبقى في السيارة التي صعدت إليها وأفضل السفر مع ركاب آخرين. وجلست أنتظر ستة ركاب يريدون الذهاب مثلي إلى بيت لحم. وبدأت رحلة الانتظار.

منذ الثامنة صباحا كانت حرارة الشمس مرتفعة، فالشونة الجنوبية حيث مركز الحدود "الجسر" تقع في غور الأردن، إحدى أكثر مناطق العالم انخفاضا تحت سطح البحر، وعلى الدرجة نفسها من الانخفاض تقع مدينة أريحا. وتزداد وطأة الحر الشديد على مسافر مثلي يلبس جاكيتا، ولم يكن لي هدف من لبسه سوى أن تكون الأوراق الضرورية في جيوبي كي لا أنساها أو أفقدها إذا وضعت في كيس أو حقيبة يدوية.

أتى إلى السيارة رجل مع شابة تغطي رأسها بمنديل ومكحلة العينين. ينطلق صوت قارئ للقرآن الكريم عندما تتلقى اتصالا هاتفيا. فهمت من حديثها أن مرافقها أحد أقارب أمها.

"سأكون في بيت لحم بعد ساعة،" قالت لمن اتصل بها.

لا بد أنها قالت ذلك على أساس تجربة سابقة لها، أو لأنها شديدة التفاؤل. فقد صار المنتظرون ثلاثة، وكلما انتعشت الآمال عند وصول حافلة جديدة باكتمال عدد الركاب، تبخرت التوقعات. واستمر الانتظار في الحر الذي يمكن أن يصيب الإنسان بضربة شمس.

طال الانتظار أكثر من ساعتين. وأخيرا اقترحت على السائق أن ينطلق بنا إلى بيت لحم على أن أدفع له أجرة مقابل الكراسي التي بقيت فارغة، واشترطت في المقابل أن يعطيني إيصالا لأطالب بالمبلغ لاحقا من الشركة.

بعد مسافة قصيرة من استراحة أريحا توقفت السيارة عند حاجز إسرائيلي. تقف السيارة بعيدا عن الجندي الذي يتحكم بالحاجز، ولا تتحرك إلا عندما يشير لها فتأتي إليه. يسأل الجندي عن البطاقات، يناوله الآخرون بطاقاتهم، وأحاول فك زر الجيب الداخلي لأخرج جواز السفر فتتأخر عملية فك الزر. يقرر الجندي ألا ينتظر ويسمح للسائق بالانطلاق.

الطريق إلى بيت لحم

تنطلق السيارة إلى بيت لحم عن طريق وادي النار. تصعد السيارة جبالا، وتهبط وديانا، وكلما بلغنا منحدرا شديدا ضغط السائق على دعسة البنزين ليزيد السرعة بدل أن يكبح جماح السيارة. في منتصف الطريق إلى بيت لحم نقترب من حاجز آخر. كانت سيارتنا الثانية في دور انتظار إشارة الجندي الإسرائيلي، ولما أعطي السائق إشارة التقدم، لم يطلب الجندي منه التوقف عنده. كان إيقاف السيارات من عدمه عشوائيا. أما في الاتجاه الآخر فقد بدأت السيارات تصطف، وبدأ خط السيارات الواقفة يمتد، مما يجعل زمن الرحلة من مكان إلى آخر غير مرتبط بالمسافة بينهما وسرعة السيارة.

جدار الفصل العنصري قرب بيت لحم

نبدأ بتجاذب الحديث على الطريق إلى بيت لحم. الرجل يقول إنه طبيب، وسافر في الماضي إلى بريطانيا وأيرلندا. وقد تطوع للعمل دليلا سياحيا لي. ولفت نظري إلى جدار الفصل العنصري الذي بدأت الحكومة الإسرائيلية تشييده عام 2003، والذي اعتبرته محكمة العدل الدولية غير قانوني في حكم أصدرته عام 2004. الشابة لفتت نظري إلى الرسوم والشعارات المرسومة على الجدار كتعبير عن التحدي له.

وعندما أصبحنا داخل بيت لحم. أشار الطبيب إلى حيث حشد من الشباب والشابات وقال: "هذه جامعة بيت لحم." وقالت الشابة: "هناك كنيسة المهد." تدخل السيارة شارع السينما، حيث كانت هناك سينما ذات يوم. ثم دارت السيارة يمينا، وبعد مسافة قصيرة توقفت أمام مدخل الفندق. أنزلني السائق وحقيبتي، ودفعت له كما اتفقنا في استراحة أريحا. حييت الراكبين والسائق، ودخلت الفندق. كانت الساعة عندئذ حوالي الثانية بعد الظهر.

بعد إتمام إجراءات تسجيل الإقامة في الفندق استلمت مفتاح الغرفة، وبعد فتح باب الغرفة ووضع الحقيبة في أقرب مكان وجدته لها، توجهت إلى الحمام، وقضيت وقتا طويلا تحت الدوش.

الجزء الثاني: زيارة كنيسة المهد

كنيسة المهد: بيت لحم

كنت تواقا لزيارة كنيسة المهد، فهي ليست أهم معلم في المدينة وحسب، بل من أهم المقدسات للمسيحيين في جميع أنحاء العالم. ويعتقد أن المسيح عليه السلام ولد فيها. وقصة أم المسيح، مريم العذراء عليها السلام، لها سورة كاملة في القرآن الكريم، تحكي كيف أراد الله لعذراء أن تلد صبيا، نبيا، تحدث نيابة عن أمه عندما طلب منها تفسير لما جرى لها:

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31) وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً (33)(سورة مريم).

شارع في بيت لحم

اصطحبني رائد، أحد المذيعين المشاركين في الدورة، إلى كنيسة المهد. مررنا عبر الشارع الضيق الذي يفضي إلى الساحة التي أمام كنيسة المهد. الشارع مبلط بالحجارة، وعلى جانبيه المحال التجارية. نصل ساحة المهد فأجدها أصغر مما تبدو في التقارير الإخبارية المتلفزة. نقترب من المدخل الصغير للكنيسة وننحني لنتمكن من الدخول. مدخل الكنيسة صغير عن عمد، ليكون دخول الكنيسة مقرونا بتعبير عن الاحترام والتقدير.

كنيسة المهد إحدى أقدم وأهم الكنائس في العالم. بنيت في عهد الإمبراطور الروماني قسطنطين بعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية). وكانت أم الإمبراطور، الملكة هيلانة، زارت فلسطين عام 326 م لمشاهدة الأماكن المهمة في حياة السيد المسيح عليه السلام، ومن ضمن ما شاهدت مغارة (كهفا) على مشارف بيت لحم، يعتقد أنها المكان الذي ولد فيه.

ولا تتكون كنيسة المهد من مبنى واحد، بل هي مجمع ديني تضم رحابه مبنى الكنيسة وبعض الأديرة والكنائس التي تمثل الطوائف المسيحية المختلفة.

كنيسة المهد في بيت لحم

تجولت داخل الكنيسة مع رائد في الأجزاء المفتوحة للسياح في ذلك اليوم، والتقطت صورا، خاصة المكان الذي يعتقد أنه مسقط رأس المسيح عليه السلام، والحجرة التي يعتقد أن مريم عليها السلام أقامت فيها ويوجد فيها المهد. وضعت نجمة فضية في مكان الميلاد المزين بالمرمر، وكتب عليه باللاتينية عبارة معناها: "هنا ولد المسيح يسوع من العذراء مريم". وهناك خمسة عشر قنديلا فوق البقعة تمثل الطوائف المسيحية.

وكنيسة المهد كانت المكان الذي التجأت إليه مجموعة من المناضلين الفلسطينيين في شهر نيسان/أبزيل من عام 2002 إثر اجتياح قوات الاحتلال مدينة بيت لحم. استمر حصار الكنيسة أكثر من شهر. وكان عدد المحاصرين يزيد على مئتين وثلاثين شخصا، بينهم القائمون على خدمة الكنيسة. وشملت إجراءات الحصار قطع إمدادات الماء والكهرباء. ومنع دخول المواد الطبية والأدوية والأغذية. واضطر المحاصرون لتحضير الطعام من الأعشاب وأوراق الشجر وللتزود بالماء من بئر في ساحة الكنيسة. وأصيب بعض المحتمين في الكنيسة برصاص قناصة إسرائيليين، واستشهد بعضهم داخلها.

بعد ثلاثة أسابيع من الحصار تم التفاوض على السماح بإخراج جثتين وتسعة من الصغار. وبعد نحو أسبوعين آخرين تم التفاوض على صفقة أفضت إلى خروج المحاصرين من الكنيسة، شريطة ذهابهم إلى خارج الضفة الغربية، فذهب بعضهم إلى قطاع غزة، واختار آخرون المنافي الأوروبية. ولم يتمكن المبعدون من اللقاء بأسرهم قبل الرحيل.

شارع في بيت لحم

خلال الأيام التي قضيتها في بيت لحم كنت أذهب إلى سوق المدينة القريب من الفندق. في هذا السوق تجد عددا من النسوة يبعن الفاكهة، خاصة العنب، أو الخضروات. يجذبني العنب الحلواني لشرائه، فأتوقف عند إحدى بائعاته وأسألها:

"بكم العنب؟"

قالت: "الثلاثة بعشرة يمّة،" أي ثلاثة كيلو غرامات بعشرة شيكلات إسرائيلية.

"كم كيلو تريد؟" سألتني.

قلت: "أريد قطفا واحدا."

استغربت طلبي وابتسمت. أمسكت قطفا ووضعته في كيس بلاستيكي أسود علقت يديه على ميزان يدوي، فحددت وزن القطف وقالت: "خمسة يمّة." دفعت لها ثمن القطف، وعندما تذوقته في غرفتي في الفندق لم يخب ظني: كان عنبا رائعا.

الجزء الثالث: زيارة القدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة

القدس

خصصت لنفسي يوما إضافيا بعد الدورة التدريبية لأقوم خلاله بزيارة مدينة القدس. وقد ساعدتني فالنتينا، المسؤولة في الشركة التي تعاقدت معي، على ترتيب أمر الزيارة من خلال السفر مع سائق مسموح له بدخول القدس وجدير بالثقة. واتفقنا أن أغادر بيت لحم الساعة التاسعة صباحا.

جاءت السيارة في الموعد المتفق عليه، وأخذني السائق من بيت لحم إلى قرب الطريق المؤدي إلى القدس، في منطقة ليست بعيدة عن نفق أراه من مشارف بيت لحم. اتصل السائق بآخر ليعلمه عن مكان وجوده. تأخر السائق الآخر المسموح له بدخول القدس نتيجة وجود حاجز إسرائيلي أقيم فجأة. ثم جاءت السيارة الأخرى، وركبتها، وخلال دقائق كانت السيارة قد اجتازت النفق وصرنا في منطقة معمورة، فقلت للسائق: "قل لي أين نحن الآن؟" فقال: "أنت الآن في القدس." لم أصدق ما سمعت، ولكنه صحيح. ما أقرب القدس على بيت لحم! وما أبعدها على الفلسطيني المجاور لها! لو لم أكن سائحا يحمل جواز سفر أجنبيا لما أمكنني دخول القدس.

قلت للسائق: "هناك منطقة مطلة على القدس يستخدمها المصورون التلفزيونيون في التقارير الإخبارية من القدس أو عنها وتكون قبة الصخرة جزءا من خلفية الصورة، هل يمكن الذهاب إليها؟". قال: "نعم أعرف المنطقة سآخذك إليها." وفعلا صعد بي إلى منطقة من الواضح أنها منطقة سياحية، وكانت القدس وقبة الصخرة قبالتي. وبدأت أصور المشهد. وصورني السائق لأكون في صور تكون القدس وقبة الصخرة خلفيتها، ثم طلبت منه أن يأخذني إلى المنطقة التي يمكنني منها زيارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبعد ذلك شوارع القدس القديمة.

القدس القديمة: باب العمود

أخذني السائق عند الجزء المسور من مدينة القدس القديمة. وللسور عدة أبواب تفضي إلى منطقة الحرم. دخلت الباب الذي أنزلني عنده، باب العمود، وسرت حسب وصفه لي كيف أصل إلى المسجد الأقصى.

وجدت أحد المداخل المفضية إلى الحرم، وبعد اجتيازه كان المسجد الأقصى على يميني، وقبة الصخرة على يساري، فتوجهت أولا إلى المسجد الأقصى وصليت ركعتين تحية للمسجد. وتجولت قليلا في رحابه، ثم جلست قرب أحد الأعمدة وفتحت مصحفا وقرأت سورة.

المسجد الأقصى من الداخل

المسجد الأقصى مسجد بسيط التصميم، ولا تكمن أهميته في بنيته، بل في كونه المكان الذي ورد ذكره في القرآن. وقد كان قبلة المسلمين الأولى، وإليه أسرى النبي محمد صلى الله علية وسلم ومن قربه عرج إلى السماء. تقول الآية الأولى من سورة الإسراء:

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ

بعد التمتع بسكينة المسجد الأقصى بعض الوقت أكملت التجول في رحاب المسجد، والتقطت بعض الصور، وخرجت لأنتقل إلى قبة الصخرة. وهنا أيضا صليت ركعتين تحية المسجد، واتجهت إلى حيث الصخرة التي يعتقد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم عرج منها إلى السماء. نزلت بضع درجات فأصبحت في ما يشبه المغارة. كان فيها عدد من النساء يصلين، فشعرت بحرج وهممت بالعودة، لكن أحد رجال المسجد أشار إلى طرف يمكنني الصلاة فيه. وفعلا تشجعت ونزلت الدرجات وصليت ركعتين أخريين.

مسجد قبة الصخرة مجسم ثماني مهيب. قبته ذهبية يراها زائر القدس من بعيد. أقيم المسجد فوق ما يشبه مغارة سقفها صخرة كبيرة. وتتوسط المجسم الثماني القبة الذهبية من الخارج، المزخرفة بآيات القرآن من الداخل.

جلست في مسجد قبة الصخرة، وفتحت مصحفا لأقرأ سورة أخرى من القرآن. وجلست أيضا بعض الوقت لأستمتع بسكينة المكان. ثم تجولت في رحاب المسجد والتقطت بعض الصور. خرجت من قبة الصخرة وبدأت التجول في منطقة الحرم والتقاط صور لقبة الصخرة الذهبية من زوايا مختلفة. بعد ذلك، غادرت منطقة الحرم من باب القطانين.

بائعات في القدس القديمة

تجولت في أسواق المدينة القديمة على غير هدى، أنظر إلى المحلات الصغيرة الحجم عادة، وأشاهد الناس، وأسمع اللهجات. وكما في سوق بيت لحم، شاهدت نسوة يبعن الفاكهة والخضار في الحر الشديد عند مدخل باب العمود. وهذه علامة من علامات الفقر، ومن شبه المؤكد أن المرأة التي تضطر للذهاب إلى السوق لبيع الخضار والفاكهة امرأة تعيل أسرتها وحدها.

سرت في الشوارع القديمة أكثر من مرة، واشتريت بعض القطع التذكارية، ثم اتجهت نحو بوابة الخروج من القدس القديمة. سألتني امرأة خارج السور: "كم الساعة؟" وكنت قد نظرت إلى ساعتي قبل لحظات، فقلت: "إنها الواحدة والنصف،" فقالت إن رحلتها من شعفاط استغرقت ساعة ونصف ساعة. وشعفاط اسم لمخيم للاجئين الفلسطينيين يقع ضمن حدود القدس.

بالنظر إلى ضيق الوقت المتوفر لي في اليوم الأخير قبل السفر، لم يكن بوسعي زيارة الكثير من الأماكن المهمة في القدس، المدينة ذات الأهمية الكبرى عند المسلمين والمسيحيين واليهود. ويحتاج المرء إلى أكثر من يوم وإلى دليل سياحي إن هو أراد أن يزور كل المعالم الجديرة بالزيارة لأسباب دينية أو سياحية محضة.

بعد الاستراحة بضع دقائق اتجهت إلى باب الخليل، حيث كان ينتظرني السائق حسب اتفاقنا في الصباح. واشتريت من دكان مقدسي ماء لأعوض ما فقده جسدي من سوائل بسبب الحر الشديد. وأعادني السائق المقدسي إلى وسط بيت لحم.

لأني لم أتمكن من وداع جميع زملائي وزميلاتي الذين دربتهم بسبب توجهي إلى القدس قبل أن يكتمل حضورهم لمائدة الإفطار، وجدت بعد عودتي أنهم تركوا لي هدية تذكارية مصنوعة من خشب الزيتون تمثل مشهد ميلاد السيد المسيح عليه السلام.

الجزء الرابع: رحلة العودة إلى عمان

الساعة السابعة والنصف صباحا جاءت السيارة التي ستأخذني إلى منطقة الجسر. وبدأت السيارة رحلتها العكسية، وبدأت تصعد جبالا وتهبط وديانا. وفي المنطقة نفسها التي بدأ عندها جدار الفصل العنصري التقطت صورة للجدار والشعارات المرسومة عليه.

قبل الوصول إلى استراحة أريحا أوقف السائق سيارته قرب سيارة بيضاء مسموح لها الدخول إلى المركز الحدودي الذي يسيطر عليه الإسرائيليون، ودفع له الأجرة التي اتفقا عليها.

انتقلت إلى السيارة الثانية، فسارت مسافة قصيرة، ثم اصطفت وراء سيارات أخرى تنتظر السماح لها بالدخول إلى الساحة المجاورة لمركز الحدود. الجسر المعروف على الضفة الشرقية باسم جسر الملك حسين لا يزال الإسرائيليون يطلقون عليه اسم جسر اللنبي، نسبة إلى الجنرال البريطاني، ادموند اللنبي، الذي احتل القدس عام 1917.

وبدأت فترة انتظار أخرى في سيارة الأجرة. لا تستطيع أن تخمن وقت انتظارك في طابور السيارات. للانتقال من مكان إلى آخر في فلسطين عليك التحلي بالصبر وتعلم الانتظار بدون تأفف.

بعد أن سمح للسيارة بالعبور، أنزلني السائق وحقيبتي قرب جهاز تفتيش المسافرين، وطلب مني تركها على عربة بعجلات ففعلت. وبعد النظر في حقيبتي اليدوية الصغيرة ومروري عبر جهاز الكشف عن المعادن، توجهت إلى المركز. وفي المقر توجهت إلى أحد الشبابيك التي تخدم المغادرين، فسألتني المجندة: "هل دفعت ضريبة الخروج؟" فقلت: "لا."

تعين علي دفع رسوم مفروضة على المغادرين. كان هناك نافذتان كبيرتان. مقابل إحداهما تصطف أربعة طوابير قصيرة يخدمها موظف واحد. والنافذة الأخرى بدت لي مكتبا للصرافة. انضممت لأحد الطوابير الأربعة، ورحت أنتظر. وبعد الانتظار دقائق طويلة، شاهدت حملة جوازات سفر أجنبية يذهبون إلى الشباك الآخر، فأدركت أنني في صف مخصص للفلسطينيين الذين يضطرون دائما للاصطفاف في طوابير.

دفعت رسوم الخروج وأخذت الإيصال، ووقفت في أحد الطوابير القصيرة التي يقدم المصطفون فيها جوازات السفر لختمها بختم المغادرة. خدمت المجندة شخصا آخر لم يكن في الدور، وبعد دقائق، جاء دوري وختمت المجندة جواز سفري. وكانت إجراءات الخروج أقصر وأسرع من إجراءات الدخول.

خارج المركز، سألني عامل صغير عن حقيبتي ليوصلها إلى الحافلة التي كانت تنتظر لنقل الركاب إلى الجانب الآخر. كانت هناك مسافرة أخرى ذات شنطة أصغر من حقيبتي فوضع الاثنتين على عربة واحدة، وأخذهما إلى الحافلة، ووضعهما في صندوق حقائبها. سأل الشاب: "من أين أنتما؟" فقلت: "أنا من لندن،" وقالت هي: إنها من أكسفورد. قال العامل الشاب: "استمتعا بالرحلة،" فقلنا: "شكرا." وفتح لنا باب الحافلة.

نقلتنا الحافلة بعد قليل من الانتظار إلى الجانب الأردني، وقبل الوصول إلى المركز الحدودي على الضفة الشرقية، صعد شرطي أردني وأخذ جوازات السفر. عند وصولنا الجانب الأردني صعد رجل ليجمع أجرة النقل من الركاب. سألته المرأة الأكسفوردية كم يريد من الشيكلات، فقال: "عشرين،" وعندما جاءني ناولته قطعة نقدية من فئة عشرين شيكلا كانت آخر قطعة نقد إسرائيلية في جيبي.

كانت جوازات السفر قد سلمت لرجال الأمن المختصين، فبدأوا بختمها، وبعد دقائق أخذت جواز سفري وخرجت من المركز وركبت سيارة أخذتني إلى عمان.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006     A عدلي الهواري: بحوث ومقالات وقصص     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  مدن الملح: الأخدود

2.  أديب يحمل صندوق الدنيا

3.  تاجر القاهرة

4.  خواطر في زمن الوهن

5.  تقرير إخباري تلفزيوني


القائمة البريدية