أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 49: 2010/07 » صورة الوليد بن يزيد في كتب الأدب

مراد البياري - السعودية

صورة الوليد بن يزيد في كتب الأدب

العقد الفريد والأغاني وأمالي المرتضى أنموذجا


الوليد بن يزيد (707-744 م): خليفة من العصر الأموي. تولى الحكم في دمشق بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك. حكم أكثر من سنة بقليل، وقتل في إطار الصراع على الحكم.

.

كثيرة هي الأخبار التي وردت عن الوليد بن يزيد، فالمقلب لكتب التاريخ والتراجم والأدب يجده زنديقاً لاهياً لا يقيم حدود الله، بل ويتعدى عليها ويجرؤ على فعل كل ما يغضب الله والعباد. وفي هذا العرض أحاول أن أقدم لشخصية الوليد بن يزيد كما جاءت عند ابن عبد ربه في العقد الفريد (1)، وعند الأصفهاني في الأغاني (2)، وعند علي بن الحسين الموسوي العلوي (المرتضى) في أمالي المرتضى (3). ورأيت أن أعرض لأخباره كما أوردها أصحاب هذه الكتب، مقدماً رأياً في أخبارهم، محاولاً تبويب هذه الأخبار في إطارين وخاتمة: أولاً: عداء هشام بن عبد الملك للوليد بن يزيد. ثانيا: شخصية الوليد بن يزيد ضمن جانبين هما: الوليد بن يزيد الماجن الفاسق، والوليد بن يزيد في صورته المغايرة لحياة اللهو والترف. ثم خاتمة أودعت فيها خلاصة ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، قاصداً من ذلك ألا يكون الحديث عنه مجرد سرد لأخباره، التي تحدثنا عن ملاهيه وفسقه دون النظر فيما جاء بين ثنايا هذه الأخبار من جوانب مشرقة في شخصيته، التي ربما تكون بداية لفتح آفاق لتتبع شخصيته الحقيقية دون الاقتصار على الجانب الماجن الذي بالغ فيه المؤرخون، وعقدوا له حكايات غاية في المبالغة، معتمدين على أخبار لهوه وفسقه، ناسيين ظروف بيئته العامة وحياته الخاصة.

أولا: عداء هشام بن عبد الملك للوليد بن يزيد

لم يقف صاحب العقد الفريد، وصاحب أمالي المرتضى على عداء هشام بن عبد الملك للوليد بن يزيد إلا قليلاً، في حين أنّ صاحب الأغاني عمد إلى تفصيل كل ذلك وذكر أسباب هذا العداء، وهو طمع هشام بن عبد الملك في خلع الوليد بن يزيد وتولية ابنه مسلمة، فجعل يذكر الوليد بن يزيد بالفسق والإدمان على الشراب والولع بالنساء (الأغاني، ص 6)، فقد أورد صاحب الأغاني قصصاً كثيرةً تدل على عداء هشام بن عبد الملك للوليد بن يزيد، من ذلك قصته في قطع ما يجري على الوليد وعلى أصحابه. (الأغاني، ص 10)، وكذلك كتابته للوليد واتهامه بالسفه إذ كثيراً ما كانت ترد عبارة " سفهك " في رسائل هشام للوليد (الأغاني، ص 13).

فقد عمد الأصفهاني إلى التفصيل في هذا العداء وتوضيحه غيرة مرة فكان يورد القصة بروايتها الكاملة دون الاقتصار على ذكر الخبر، من ذلك قوله: أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن مهروية قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال: حُدِّثت أنّ أبا الزناد قال: "دخلت على هشام بن عبد الملك وعنده الزهري وهما يعيبان الوليد...(الأغاني، ص 11، وانظر العقد، ص 430).

ثانيا: شخصيته كما وردت في كل من العقد الفريد والأغاني وأماليّ المرتضى

الجانب الأول: الوليد بن يزيد الماجن الفاسق

تعد الشخصية الغالبة للوليد في كتب التاريخ أنّه كان زنديقاً فاسقاً مطعوناً في دينه، ومن خلال بحثي في شخصية الوليد في كل من العقد والأغاني، وأمالي المرتضى، وجدت اتفاقاً تاماً بينهم على أنّه كان زنديقاً ملحداً لا يقيم حدود الله في دينه وفي الناس.

=1= مجونه وفسقه كما ورد في العقد الفريد

ذكر صاحب العقد أنّ الوليد عكف على البطالة وحب القيان والملاهي والشراب وعشق النساء (العقد، ص 427)، وأورد قصته مع زوجته سعدى وتطليقها للزواج من أختها سلمى (العقد، ص 428)، وذكر حبه للغناء وحمل المغنين إليه في المدينة (العقد، ص 429)، وحبه للضحك واللهو ووصفه للخمرة كما في قوله:

إنّما الكأس ربيعٌ باكرٌ فإذا ما لم نذقها لم نعش (العقد، ص 433).

وكذلك أورد محاورته لعلي بن العباس عن الخمرة (العقد، ص 431)، وقصته مع الجارية التي أخرجها تصلي بالناس وهي سكرى متلثمة. (العقد، ص 434).

=2= مجونه وفسقه كما ورد في الأغاني

أمّا صاحب الأغاني فقد كان مفصّلاً لفسقه، ضارباً لقصص ومبالغات تأنف النفس أحيانا عن ذكرها، فلم يترك الأصفهاني خبراً فيه إشارة إلى فسق الوليد إلا أتى عليه وشرحه وفصّله، والقارئ لشخصية الوليد في كتاب الأغاني يجد أنّ الأصفهاني عمد إلى الوقوف على كل كبيرة وصغيرة تتعلق في فسق الوليد، فقد عده فاسقاً متهماً في دينه (الأغاني، ص 6)، وأود في هذا الجانب- شخصية الوليد الماجنة في الأغاني- أن أحصي المبالغات التي أوردها الأصفهاني عن فسق الوليد مقدماً في ذلك تحليلاً ورأياً:

أ‌= مبالغته في وصف شرب الوليد ومدى فسقه، فقد ذكَّر أنّه بعد أن صلى العتمة شرب حتى الفجر سبعين قدحاً، ومعه جوار، وهذا بعد أن أدى عبادته للهّ ثم جلس يتحدث حتى صلى العتمة، "ثم تحدثنا قليلا ثم قال: اسقيني فأتيته بإناء مغطى ... فأحصيت له سبعين قدحاً" (الأغاني، ص 11)، وكذلك شربه الهفتجنة 49 يوماً لأنّ الفرس كانت تشربه سبعة أسابيع (الأغاني، ص 46). وأنّه شرب وسكر بعد أن غُنى له الشعر ثم دخل فبويع له بالخلافة.

ب‌= المبالغة والمغالطة الشديدة التي أوردها الأصفهاني في أنّ الوليد عندما سمع صياح بنات هشام يبكين أباهن غضب لذلك وقال أبياتاً يتوعد فيها لبنات عمهّ وهي أبيات غاية في الفسق (الأبيات يأنف الحياء من ذكرها. لمعرفة ذلك انظر الأغاني، ص 14-15).

ج‌= قصته مع أشعب المضحك وهذه قصة غريبة فيها مبالغة واضحة فمهما يكن من شخصية الوليد، فإنّ الأمر لا يصل به إلى هذا الحد من الانحراف وهذا لا يمكن أن يكون من خليفة، حتى إن أسلمنا أنّه فاسق، فهذا أمر لا يقدم عليه من يمتلك أدنى مستوى من الخلق، ولا أظن الوليد فقد هذا الحد، خاصة أنّي سأورد فيما بعد الجانب الآخر لشخصية الوليد لأبرهن على تناقض واضح يقع فيه من يسرد الخبر (لمعرفة القصة انظر الأغاني، ص 36).

د= المصادفة المحبوكة التي أوردها صاحب الأغاني في فتح الوليد للمصحف ذات مرة فوافق ورقة فيها " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد" فقال: سجعاً سجعاً علقوه، ثم أخد القوس والنبل فرما حتى مزقه: (الأغاني، ص 37).

ولا شك أنّ هذه مصادفة مشكوك فيها إذ شاءت الأقدار أن يقرأ الوليد أول ما يقرأ هذه الآية، وهذا مؤشر على أن كتابة التاريخ لا تخلو من خلق قصص من خيال المؤرخ لأغراض دينية أو سياسية، ثم إنّ السؤال المطروح هو من يجرؤ على رمي القران الكريم بالسهام حتى إن كان فاسقاً ؟! ومن يقدم على مثل هذا الفعل لا يحمل أدنى مستوى من العقل، ولا أظن الوليد بن يزيد كذلك.

هـ= رفض الوليد للشعر الجيد المروي من الجاهلية والإسلام وحبه لسماع الشعر الفاحش، فأي خليفة هذا الذي يسمع لهذه الأشعار ليستلقي بعدها من شدة الضحك؟! (الأغاني، ص 42-43).

و= قصته مع الحاجب الذي أجبره الوليد على الشرب "قال: اجلس، فاشرب فامتنع، فما فارقناه حتى صببنا في حلقه بالقمع وقام وهو سكران". (الأغاني، ص 45).

وفيما يبدو أنّ كثرة الأخبار التي وردت عن الوليد وعن شربه المسرف جعل من يكتبون عنه يروون قصصا غاية في العجب.

من خلال ما سبق نجد أنّ الأصفهاني يروي كل ما يسمع عن الوليد دون تحقيق منه خاصة إذا كان خبراً يسيء لشخصيته، وأنّه يرجح دائماً فسقه وإلحاده، فقد ورد في الأغاني أنّ الوليد له أشعار كثيرة تدل على خبثه وكفره ويذكر الأصفهاني "أنّ من الناس من ينفي ذلك عنه وينكر ويقول إنّه نُحِلَه وألصق إليه. والأغلب الأشهر غير ذلك" (الأغاني، ص 6)، فهو كما مر من قصص أوردها لم يكن يبدي رأياً أو موقفاً له من الخبر، بل يكتفي بسرد الخبر دون النظر إلى صحته أو بطلانه.

=3= مجونه وفسقه كما ورد في أمالي المرتضى

نجد المرتضى متمسكا بمذهبه حاقداً على الوليد بن يزيد، فالقارئ لترجمة الوليد في أمالي المرتضى تتجلى له هذه الحقيقة مباشرة، فهو لم يبدأ باسمه، أو نسبه بل بدأ بفسقه وإلحاده. يقول المرتضى في بداية حديثه عن الوليد: "أمّا الوليد فكان مشهوراً بالإلحاد، متظاهراً بالعناد، غير محتشم في إطراح الدين أحداَ، ولا مراقب فيه بشراَ" (أمالي المرتضى، ص 128-129). بل إنّ المرتضى أثبت فسق الوليد مستنداَ إلى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما سُمي ولد لأخي أم سلمه زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- بالوليد "سميتموه بأسماء فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجلٌ يقال له الوليد لهو شرٌ على هذه الأمة من فرعون على قومه". وينقل الأوزاعي في تفسير الحديث فقال: إن استخلف الوليد بن يزيد وإلا فهو الوليد بن عبد الملك. (أمالي المرتضى، ص 129) ولم أجد محقق الكتاب قد ردَّ هذا الحديث إلى مصدره. وفيما يبدو أنّ هذا حديث منسوب وضعيف، فمها يكن من أمر الوليد من شر وفسق فإنّه لن يكون أكثر شراً على الأمة من فرعون على قومه الذي ذكره الله عز وجل في كتابه وذكر طغيانه.

هذا وقد عمد المرتضى إلى نسج القصص والمبالغات عن الوليد كما في الرواية التي أوردها وهي أنّ الوليد عزم على أن يبني فوق البيت الحرام قبة يشرب عليها الخمور، ولكنه قتل قبل ذلك، ومن المبالغات التي وردت أنّ المرتضى يثبت فسق الوليد وكفره بإيراده أشعاراً يدعو فيها الوليد إلى ترك دين الله:

اسقياني وابن حرب واسترانا بئزار

واتركا من طلب الجنة يسعى في خسار

سأسوس الناس حتى يركبوا دين الحمار (أمالي المرتضى، ص 129)

ومما يؤكد ضعف نسبة هذه الأشعار للوليد أنّها قيلت على لسان ثور بن يزيد عندما ولي يزيد بن الوليد الحكم وطلب من القوم أن يسمعوه شيئا عن فسق الوليد، فقام ثور بن يزيد وأورد هذه الأشعار، ومثل هذه المواقف لا تعدُّ مرجعاً تاريخياً لأنّها تدل على نفاق واضح للسلطان الجديد وتقرب له لعلم القائل بمدى حقد الخليفة الجديد على الوليد.

وكما هو واضح أنّه على الرغم من قلة الصفحات التي ترجم فيها المرتضى للوليد (128-131) إلا أنّه عمد فيها إلى ذكر كل ما يسيء للوليد فنجده من جملة ما أخبر عنه أنّه فضّل أن يكون من لهب الجحيم عندما رأى نصرانية وتغزل فيها، يقول الوليد:

عود الصليب، فويح نفسي من رأى منــــكم صليبا مثله معبوداً

فسألت ربي أن أكون مكانــــــــه وأكون في لهب الجحيم وقوداً

(أمالي المرتضى، ص 131)

الجانب الثاني: الوليد بن يزيد في صورته الأخرى:

كما مر نجد أنّ معظم من كتبوا عن الوليد بن يزيد كرسوا جهدهم في البحث عن أخبار فسقه وخبثه وإلحاده، ولم يعنوا أنفسهم في البحث عن جوانبه المشرقة، ومن خلال بحثي في كتاب العقد الفريد، وكتاب أمالي المرتضى، فإنّني لم أقف على خبر واحد يذكر فيه للوليد موقف يحمد عليه، أمّا صاحب الأغاني نجده كان يورد بعض المواقف التي فيها تعاطف مع الوليد لا لشيء ولكن لأنّ الأصفهاني كما ذكرت جمع معظم ما قيل عن الوليد (وصلت ترجمة الوليد في الأغاني إلى ست وخمسين صفحة) وفيما يلي إيراد لبعض الأخبار التي أوردها الأصفهاني التي تبين وتكشف للقارئ مدى التناقض الذي وقع فيه صاحب الكتاب، وربما تكون هذه الأخبار مؤشراً لدراسة جوانب مضيئة في شخصية الوليد التي قد تكون هي المُشكِّل الحقيقي لشخصيته وما عداه مبالغات من المؤرخين دونت لأغراض مذهبية وسياسية على الأغلب:

(أ) ذكاء ودهاء: من ذلك عندما قال له هشام: كيف أنت يا وليد؟ قال: صالح، قال: ما فعلت برابطك؟ قال: مُعملةٌ، قال: فما فعل ندماؤك؟ قال: صالحون ولعنهم الله إن كانوا شراً ممن حضرك (الأغاني، ص 7)، وكذلك عندما أراد هشام تولية ابنه مسلمة على الحكم بدلاً من الوليد واتهامه له بأنه ليس على دين الله فأجابه بأبيات غاية في الذكاء والدهاء يذم فيها ابنه الذي يدّعي هشام أنّه كان تقيّا يقول:

يا أيها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر.

(يقصد بأبي شاكر ابن عمه مسلمة)

نشربها صرفا وممزوجة بالسخن أحيانا وبالفاتر (الأغاني، ص 6)

ومن الأخبار التي تدل على فطنة الوليد تنبؤه بموت هشام بن عبد الملك (أنظر الأغاني، ص 13-14). |*| من هنا يتبين لنا أنّ الوليد لم يكن أحمق كما وصفه الكتاب، بل كان يمتاز بدهاء وفطنة عاليتين، وهذا ما جعل هشام يعاديه ويذكره أمام الآخرين بالفسق المبالغ فيه.

(ب) عفو وسخاء: يورد الأصفهاني بعض الأخبار التي تدل على عفو الوليد. من ذلك إطلاقه سراح جارية عندما دعا صاحبه وقال له: اذهب فابتعها بما بلغت، ولا تراجعني في ثمنها ففعل (الأغاني، ص 19)، ويخبر الأصفهاني عنه أنّه وفد سعد بن مره بن جبير عليه ذات مرة، وكان شاعرا، فقال له: من أنت، قال: أنا رجل من أهل الحجاز شاعر، قال: تريد ماذا قال: تسمع مني أربعة أبيات، قال: هات، فأعطاه بعد أن سمع له أربعة ألاف دينار. (الأغاني، ص 19-20).

(ج) زهد وإيمان: أورد الأصفهاني عن الوليد أخباراً تبين مدى زهده وتدل على مفارقات واضحة، إذ كيف يمكن لشخص مبالغ في لهوه وشربه أن يخطب بالناس خطبة كاملة منظومة بأبيات شعرية فيها من المعاني الرفيعة والسامية الشيء الكثير، فقد وقف الوليد ذات مرة بالناس في يوم جمعة وأقسم أن بخطبهم شعراً فصعد المنبر وقال:

الحمد لله ولي الحمد أحمده في سرنا والجهر

أشهد في الدينا وما سواها أن لا إله غيره إلها

أشهد أن الدين دين أحمد فليس من خالفه بمهتدي

(لمعرفة القصيدة كاملة انظر الأغاني، ص 43)

ومن ذلك قوله: يا بني أمية، إياكم والغناء فإنّه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، ويثور على الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين، فجنبوه النساء فإنّ الغناء رقية الزنا، وإنّي لأقول ذلك فيه على أنّه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلي من الماء البارد إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يقال (الأغاني، ص 52)، ولا أدري ما الخلط الذي يقع به المؤرخون، فكيف لشخص بهذه العاطفة الدينية وهذه المعرفة بالحق والباطل أن يكون زنديقا محترفا يقال عنه ما يقال، مما يجعلنا نعيد النظر غيرة مرة في كل ما قيل عنه.

ومن جانب آخر أرى أنّ هذا الخبر فيه زيادة واضحة إذ كيف يمكن لشخص يدعو الناس بالابتعاد عن الغناء وينهاهم عنه يثبته على نفسه ويخالف ما دعا إليه، لذا فقد تكون عبارة" وإني لأقول ... الخ " عبارة مزيدة على الأصل.

(د) شهادة متأخرة: يورد الأصفهاني خبراً عن الوليد أنّه ذُكر ذات ليلة عند المهدي فقال: كان ظريفا فقال له شبيب بن شيبه: يا أمير المؤمنين إن رأيت ألا تجري ذكره على سمعك فافعل فإنّه كان زنديقا، فقال: اسكت، فما كان الله ليضع خلافته عند من يكفر به. وفي رواية أخرى أنّه ذكر عند المهدي فقال المهدي: أحسبه كان زنديقاً فقام ابن علاثه الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، الله عز وجل أعظم من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة من لا يؤمن بالله (الأغاني، ص 60).

خاتمة

وبعد: فهذه شخصية الوليد بن يزيد كما وردت في كل من العقد الفريد، والأغاني، وأمالي المرتضى، ولا أقول: إنّ الوليد بريء من كل هذه التهم، فما عرف عنه أنّه كان محباً للهو وللشراب. ولكن ما ينبغي الوقوف عنده والتذكير به هو كثرة المبالغات وغرابة ما روي عنه وعن إلحاده وزندقته مما لا يصدقه عقل ولا يقبله منطق أحياناً. الأمر الذي دعاني أن أقدم هذه الأخبار بشيء من النظر غير موافق لكل ما جاء عنه، وغير رادِّ جميع أخباره إلى التكذيب، بل محاولاً أن أكون موفقاً في النظر إلى شخصية الوليد بما ينصفه دون الميل إلى عاطفة الدفاع عنه، بل حاولت إخضاع هذه القصص والمبالغات إلى المنطق الذي يوافق الدراسة والبحث العلمي ويمكن أن نجمل أهم ما توصل إليه العرض بما يلي:

=1= ثبوت اللهو والحياة المترفة للوليد حاله حال أبناء عصره المترفين لاسيما أنّه ابن أسرة حاكمة، كما أنّ لظروف بيئته وعصره دوراً كبيراً في هذه الحياة المترفة.

=2= تركيز كل من صاحب العقد، وصاحب الأغاني، وصاحب أمالي المرتضى على شخصية الوليد اللاهية الماجنة دون الوقوف عند الجوانب المشرقة في حياته، أو محاولة التقصي عنها – باستثناء ما ورد عن الأصفهاني – إذ من المستحيل أن تكون حياته كلها حياة لهو وترف.

=3= وضوح النزعة المذهبية في كتابات المؤرخين خاصة عند المرتضى فقد علت عنده هذه النزعة فقد عدّ خلافته خلافة ملعونة وكانت أخباره أكثر حدية من غيره كما هو الحال عند ابن عبد ربه، فعلى الرغم من إدانته للوليد إلا أنّ أخباره جاءت بأسلوب أخف وقعاً من أسلوب المرتضى الساخط على الوليد.

=4= أورد المؤرخون أخباراً غاية في المبالغة التي ينبغي إخضاعها للعقل والمنطق قبل التصديق لكل ما جاء فيها، والتي ينبغي أن يناقش كل ما جاء فيها للوصول إلى الحقيقة التاريخية البعيدة عن التعصب المذهبي أو السياسي.

=5= ضرورة وقوف الباحثين والدارسين عند الجوانب المضيئة في شخصية الوليد والعمل على رد هذه الأخبار إلى أصولها باعتمادهم المنهج التاريخي للوصول إلى الصورة الحقيقية للوليد دون الاعتماد على آراء قالها أحدهم وجاء مِن بعده وكررها.

= = =

1= اعتمدت الطبعة التي حققها بركات يوسف هبود، ج 4. وقد جاءت ترجمة الوليد في اثنتي عشرة صفحة (ص 426-437).

2= اعتمدت طبعة دار أحياء التراث العربي بيروت، ج 7، وقد جاءت ترجمة الوليد في ست وخمسين صفحة (ص 6-61)

3= اعتمدت الطبعة التي حققها محمد أبو الفضل إبراهيم دار أحياء كتب العربية، القسم الأول (ص 128-131).

= = =

JPEG - 13 كيلوبايت
غلاف: الأغاني
JPEG - 16 كيلوبايت
غلاف: العقد الفريد
JPEG - 21.9 كيلوبايت
غلاف: أمالي المرتضى
D 1 تموز (يوليو) 2010     A مراد البياري     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الثقافة: هوة بين المشرق والمغرب؟

2.  غربة فكر

3.  مطلوب قصة رومانسية

4.  قراءة في قصيدة لفراس حج محمد

5.  دعوة لتقديم أوراق بحث


القائمة البريدية