إيمان يونس - مصر

هو: نصوص قصيرة

إيمان يونسفنان

هو ذلك النوع المتفرد من المبدعين عينه تلتقط الجوهر ولا يخدعه المظهر، انتهج في لوحاته منهج قناعته وما يشعره في أعماقه تجاه من حوله من بشر، فالبعض ظهر قبح جوهرهم منعكسا على وجوههم والبعض الآخر رسم وجوههم مضيئة جميلة رغم ما يعكسه مظهرهم.

دائما يحدث صخبا واسعا حول التقنية التي يستخدمها؛ لا يختلف أحد على موهبته وجرأته في الطرح واختلفوا حول المسمى: ما بين تجريدي وسوريالي، ولم يكتف في تجريد النفس البشرية بل أخذته الجرأة في تجريد الجسد لامرأة كان أو رجل من ورقة التوت التي تستره.

وتمادى في تعرية المجتمع وما يمر به من أحداث ولأنه أصاب كبد الحقيقة التي أغضبت المسئولين سلطوا عليه من جردوه من ملابسه وإنسانيته وألقوا به بالقرب من مستشفيي المجانين، ليذهب إليها طواعية ليستر روحه العارية خلف جدرانها.

كاتب

أجمعت لجنة التحكيم على أحقية روايته بالفوز بالمركز الأول، اتفق رأيهم على سلاسة أسلوبه وجزالة لغته مع توفر عنصري التشويق والإثارة من البداية وحتى النهاية، أقروا إن التفاصيل التي سردها عززت أسهم فوزه وإن أرعبتهم لبعض الوقت وأثارت في نفوسهم الشك.

تأكدوا وفقا لإقراره المرفق مع الرواية إنها أولى أعماله الإبداعية وغير منقولة أو مقتبسة من أي كتاب، وكل واحد من المحكمين تطلع لمصافحة الكاتب الفائز ورسم له صورة في خياله.

من تقدم لاستلام الجائزة كان ابن عمه وأعتذر لعدم تمكن الفائز من الحضور، شعروا بخيبة أمل واستفسروا عن الظرف الطارئ الذى حال بينه وبين حضور يوم فارق في حياته ووضعه في مصاف كبار الأدباء بالإضافة للجائزة المالية التي تقدر بمئات الآلاف من الدولارات.

شكر لهم ابن عمه مشاعرهم الطيبة وأخبرهم أنه محام وابن عمه الكاتب الموهوب يقضى عقوبة سجن مدى الحياة عن جريمة قتل ارتكبها. وبموجب توكيله قدم له في هذه المسابقة، ولذا يحق له استلام الجائزة نيابة عنه.

علامات الدهشة والتعجب رُسمت على وجهوهم وأسرعوا لإنهاء المقابلة وسؤال واحد يراودهم: هل يعاقب عن الجريمة التي سرد تفاصيلها بروايته أم جريمة أخرى؟

طبيب

اختار موقع عيادته بحي شعبي عن قناعة منه أنهم الأحق بالعلاج ولو بأجر رمزي، ذاع أسمه بين الأحياء لحسن استقباله لمرضاه ولشفاء العديد منهم باتباع وصفاته الطبية التي كثيرا ما تكون مواد طبيعية متوفرة بكل بيت. وقلما يرهق ميزانيتهم بشراء دواء إلا للضرورة القصوى، ولا يطلب منهم صور أشعة وتحاليل إلا في أضيق نطاق.

على بعد مئات الأمتار منه عيادة زميل له قلما يذهب إليه أي مريض رغم الشهادات التي يزين بها جدران عيادته. لم يجد المرضى الراحة عنده ولا ذهب الداء في علاجه فانصرفوا عنه مما دعاه للبحث عن سر اكتظاظ عيادة زميله وخلو عيادته، وما أن عَرِفَ اسمه ومواصفاته حتى ذهب يفتش في ذاكرته ومنها في سجلات الكلية وملفاتها.

وفي غضون أيام تم القبض على زميله وتم تشميع عيادته بالشمع الأحمر، ووجهت له تهمة انتحال صفة طبيب ومزاولة مهنة لا يملك مؤهلاتها. ابتسم الطبيب ابتسامة النصر ولكن عيادته ما زالت خاوية.

زوج

كان مثالا للزوج المتفاني المحب لزوجته وأسرته، رغم اتساع أعماله وتعدد فروع شركاته كان حريصا على تواجده دائما في مواعيد الإفطار والغذاء والعشاء، أطلقوا عليه زوجا بيتيا لأنه كان يكره السهر بعيدا عن صحبة أولاده وأمهم.

سارت الحياة بدقة ونظام قلّما يتغيران حتى وافته المنية فجأة وبدون مقدمات مرض ولا تعب، غادر بيته محمولا على الأعناق والدموع والحزن يعتصر أولاده وزوجته التي شعرت بزلزال هز جدران حياتها.

قررت الزوجة أن تكمل مسيرته وذهبت لشركته وعقدت اجتماعا عاجلا مع مدراء الفروع. وقبل أن تبدأ، دخلت عليهم شابة صغيرة ترتدى ملابس سوداء تشف أكثر ما تستر وتحمل رضيعا بيدها، وبمنتهى الثقة قالت من حقي حضور الاجتماع لأنى وابنى لنا نصيب شرعي في كل ما تركه المرحوم.

ذُهلت الزوجة وخرت قواها وسقطت مغشيا عليها وعندما أفاقت ظلت تهذى بكلمات كيف؟ متى؟ أين؟ ولماذا؟ والإجابات دفنت معه وحده.

مطرب

صوت عربي بالغ الحساسية والدفء، شق طريقه نحو عالم الغناء بأحياء بعض الحفلات الخاصة، والغناء في الفنادق، ولم يمانع من الغناء في بعض الملاهي الليلية حتى سطع نجمه في سماء الفن وأصدر أول ألبوماته الغنائية التي طافت به عبر القارات وأصبح مشاركا في جميع المهرجانات، وأمسى ضيفا محببا على الفضائيات المتخصصة وغيرها.

وفجأة شعر أن كل ما قدمه من فن وغناء حرام فأعلن توبته إلى الله وأنه بريء من كل سنواته التي أمضاها في أحضان الموسيقى والغناء، لم يصدق عشاقه ما أُشيع عن اعتزاله، فطل عليهم عبر أحدى الفضائيات مطلقا لحيته مشوش الشعر، مرتديا جلبابا وحاملا في يده سلاحا آليا ولم يجد من الألفاظ إلا ما تشمئز منه النفس ويؤلم الأذن وغلفهما بلغة الدم. ذو السلاح الناعم الذى غزا قلوب الملايين بصوته الحنون بات مطلوبا للعدالة لتورطه في جرائم قتل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3201034

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC