مختارات: محاسن الحواتي - اليمن

ريحانة الخريف


تترك الأغنام بداية الطريق المؤدي إلى الوادي وتعود إلى منزل الشيخ نوري البصير لتستمع إلى درس في اللغة العربية والتجويد. تجلس في آخر صف والخوف يتملكها. تتابع قليلاً حركات فم الشيخ نوري البصير في الشدة والفتحة والضمة وتتذكر أغنامها التي تركتها ترعى لوحدها. وتردد مع الصغار بعض الآيات والعبارات. وبحاسته السادسة يتساءل الشيخ نوري البصير هل جاءت ريحانة الخريف؟ يقصد رمانة. فتقول نعم جئت يا شيخ لأسمع الدرس وأفهم، فيتلو عليها بعض الأحوال في فنون التجويد. تتذكر رمانة الأغنام، فتترك دفترها مع محمود، ذاك الطفل الرجل الذي تثق فيه كثيراً وتعتمد عليه في شرح دروس الشيخ نوري التي فاتتها.

تحملها قدماها صوب الوادي، وهناك الأغنام ترتع بين الأشجار وترعى. تحدثهم رمانة "لو كنت أعرف أنكم وصلتم إلى المكان بالسلامة ما كنت تركت الدرس وجئت."

وتحدث نفسها: "الدرس اليوم جميل والحمد الله . محمود سيشرح لي ما فاتني."

وتدور ليال ودروس الشيخ البصير تتواصل. ورمانة تجيد قراءة ما يكتب، وتجيد كتابة ما يقرأ. تتفوق على كل الصبيان في معلامة الشيخ نوري البصير. ومن غيظ الصبيان يتناقلون خبرا في القرية يروي أن رمانة تدرس دون علم أبيها و أمها، وأن الشيخ نوري البصير يدللها بريحانة الخريف، وأنه يشجعها على ترك الرعي و التفرغ للدروس. والألسن تلوك خبر الطفلة -بنت الثالثة عشرة- ويطال محمود رفيق الدرس ابن العاشرة. والقرية لا تهدأ. ورمانة تبكي والخوف يطاردها، والأب الموجوع بفجيعته من هول الأخبار في مجتمع صغير يجيد صناعة الإشاعة ينهال على الأم فيضربها ويطردها إلى بيت شقيقها. والطفلة حبست في البيت. وتولى الأب رعاية الأغنام. والقرية لم تهدأ. ونهار القرية مذبوح بالثرثرة. وليل القرية يتمسح بالهمس الموبوء. رمانة لم تعد طفلة. تكتب. تقرأ. يعني قد تكتب جوابا لصبي أو لرجل ما. يعني قد تقرأ قصص الحب وروايات العشق. عيب. فضيحة. والشيخ العميان ما كان عليه سوى تعليم الصبيان. ويناديها ريحانة الخريف هذا الخرف العميان. عيب و فضيحة. ماذا يعرف عن الريحان هذا العميان؟ الله أعلم ماذا يدرس الصبيان. ليست تلاوة ولا قرآن. القرية تروي وتنسج قصصاً لفتيات تعلمن القراءة والكتابة ولم يطعن الوالدين. وفتيات غدر بهن الشيخ في نهاية الدرس في بلاد ما وراء الجبل. وفتيات هربن مع رجال غرباء. وفتيات يلعبن مع الصبيان وفتيات و فتيات. القرية تحكي، ووالد رمانة يتمنى أن يفقد أذنيه وقدرته على رؤية وجوه نساء القرية. هل يقتلهن جميعاً أم يقتل رمانة؟

ليس إلى هذا الحد فرمانة ابنته البكر، يحبها وتحبه، ترعى الغنم وتساعدهم في كل الأعمال. ماذا لو كتبت أو قرأت؟ لا شيء يشجعه على الغفران. قد ينسى لكن القرية لا تفتر. ليس هناك حكايات أخرى ترويها الفتيات والنسوة. أدمنّ حكاية رمانة والشيخ العميان، فالفاقة طاحون قاتل، والأمراض تتكاثر في القرية، والموت يطال الأطفال.

جاءت بعثة طبية لتدريب نساء في أعمال الإسعاف الأولي. لم تجد البعثة فتاة تجيد الكتابة والقراءة سوى رمانة —ريحانة الخريف— التي أصبحت فيما بعد تسمى "الدكتورة رمانة." وبادرت ريحانة الخريف إلى معلامة الشيخ نوري البصير وفتحت فصولا لمحو الأمية للفتيات، وأياما للنساء. القرية عرفت رائحة الريحان، وألفت عبق الريحان في الخريف عند هطول الأمطار، وأزقة القرية أصبحت أكثر مرحا بعبق الريحان.

- - - - -

قصة منشورة ضمن مجموعة قصصية صادرة عن مؤسسة العفيف الثقافية ونادي القصة – المقه (اليمن) عام 2000. عنوان المجموعة: أفق جديد لعالم أجد: نماذج من أدب التسعينيات القصصي.

JPEG - 22.5 كيلوبايت
غلاف: قصص من اليمن
D 1 حزيران (يونيو) 2006     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات