عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 68 » العلبة الحمراء

عبد الجليل لعميري - المغرب

العلبة الحمراء


عبد الجليل لعريبيتسلم الوالد –الموقر– "الكولية" التي وصلت باسمه من مصلحة الطرود، بعد ان ادلى بحججه الدامغة في احقيته بذلك. كانت عبارة عن علبة كرطون مستطيلة جميلة المظهر، يطغى عليها اللون الابيض، الموشوم بالأزرق والاصفر. كانت متوسطة الحجم، وخفيفة. كتب عليها بحروف طباعية بارزة: "طرد متوسط"، مع اسم ثلاثي للمرسل من الكويت، وكذا المستقبل بالمغرب. خفة الطرد اثارت استغراب الاب، وجعلته يتساءل:

"لماذا كل هذا التعب والسفر الطويل من اجل هذا الشيء الصغير؟"

واستحضر صوت زوجته (الأم) تتوعده: "ما تفتح الكولية. فيها شيء حاجة خاصة". وهم أن يفتحها ليقتل اصوات شكه واسئلته المغرضة. لكن صوت الزوجة ارتفع حادا في وجهه : "ما تفتحش الكولية. ما تفتحش الكولية". فعاد الى المحطة الطرقية، وشد الرحال نحو البلدة، والكولية بين يديه لا يفرط فيها ابدا.

* * *

انفتحت الكولية وخرجت منها امرأة جميلة، بل فاتنة، بشعر اسود منطلق، وجسد بض، وقامة هيفاء، عارية (والعياذ بالله) وتحمل في يديها ثعبانا يتجاوز طوله المتر. الوانه زاهية: اصفر ممزوج بالأحمر، وموشوم بالأسود، ومتخلل بالأبيض. انيق، يدغدغ جسدها، ويتلوى عليه، منسابا بنعومة فائقة تجعل جسد المراة يهتز ويشع منه نور ابيض يشكل هالة قمرية رائعة.
اصيب الاب برهبة، ونشف حلقه، واحس انه يصرخ بقوة. مما يصرخ؟ أمن الخوف ام من الدهشة والصدمة؟

* * *

"سبحان الله اسيدي"، قال له جاره في الحافلة، حين وجده يصرخ، والكولية تكاد تسقط من بين يديه. افاق الاب على صوت جاره، واستغفر الله، وتجنب ان يحكي له عن حلمه :"انه غريب عني"، غمغم.

بعد ساعة كانت الحافلة تقذف بركابها في دروب البلدة. اسرع الاب الى البيت والكولية بين يديه، مرتاح لنجاحه في المهمة. ولكن انزعاجه ملموس من المنامة الغريبة، ومن غموض سر هذه الكولية.

* * *

استقبلت الأم الكولية بحفاوة، دون ان تعير ادنى اهتمام للاب وحالته. انزوت في غرفة بعيدا عن انظاره، ولحقت بها ابنتها، وشرعتا في فك رموز "العلبة السوداء" رغم ان لونها تتقاسمه الوان عديدة، ووصلتا الى قلبها : صورة للعريس (ابنها) وعروسه، مكتوب على ظهرها : "تحية لأمي وابي واخواتي واخوتي. هذا حقكم من العرس. حتى موعد مقبل..."، ومنديل ابيض، ناعم الملمس، يلف سروالا مغربيا ابيض مطرزا بنقوش خضراء: سروال الدخلة، وعليه اثار نقط دم جافة.

شمته المرأة، واطلقت زغرودة، فنبهتها ابنتها الى الاب الرابض في مكان غير بعيد، فتخلت الام عن رغبتها في الزغرودة، وانتهت المهمة الخطرة.

وفي تلك الليلة كان الاب ما يزال يفاوض الام عن سر الكولية، وهي تناور لابعاده عن السر الاحمر المهاجر عبر الطائرة من الخليج الى المحيط. وحين حكى لها عن منامته، تضاحكت وقالت له :

"انا تلك المرأة، وهذا هو..."

واستعملت غوايتها السحرية للتطويح به بعيدا عن الموضوع.

D 25 كانون الثاني (يناير) 2012     A عبد الجليل لعميري     C 9 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • من المؤسف جدا للإنسانية أن يستمر البعض من العائلات بالقيام بمثل هده التصرفات و نحن في القرن الواحد و العشرين، من المؤسف أنه بعد ما حققته المراة لنفسها و للإنسانية لا نتحدث عنها إلا بما هو شرف للرجل، و أي شرف هذا؟


  • قصة جميلة بأسلوبها المسترسل تدفع بالقاريء في شوق إلى انتظار ما سيؤول إليه الأمر مع الكولية لتترجم أخيرا عادة يتمسك بها العديد الناس في مجتمعنا ،فهناك من يحبدها وهناك من يقدح فيها .
    تحياتي ليراع ينز ألقا و كاتب ينضح أدبا.


  • ** العلبة الحمراء **

    لقد عودنا القاص الحمري المغربي د. عبدالجليل لعميري، بمفاجئاته الإبداعية الرائعة، التي لطالما عكست لنا قوة هذا المشاغب المشاكس الفكرية، وقدرته النقدية الكبيرة على استثارة الواقع الإجتماعي، وخلخلة عاداته وتقاليده الموروثة... ولعل قصة "العلبة الحمراء" هذه المرة حافلة هي الأخرى بأشياء كثيرة تدفع ذاتية القارئ نحو ممارسة التأويل والنقد، لإستنباط المجهول من المعلوم، والخفي من الظاهر، ومن تم جعل الواقع المعيش ينسجم مع تقلبات زمانيته وتغيراته المستمرة.

    قصة مثلها مثل القصص لعميرية السابقة، تقف ليس فقط عند تفكيك بعض المفاهيم المتداولة في االأدب وإنما تعرض أيضا لعملية النقد ذاتها وتوجه سؤالا غير مباشرلبعض العادات التي ألفناها في قرائتنا للنصوص الأدبية وانتقادنا لها، خاصة منها تلك التي يغيب فيها عنصر الإثارة والتشويق وكذا التماسك المنطقي.. فأن تكتب القصة معناه أن تسافر بعقلك وتفكيرك باتجاه المسكوت عنه والمسلم به، لترديه غريبا بعدما كان مألوفا ومصادرا.

    هذه هي ميزة لعميري : "الإغتراب وسط المألوف، ونقل الوقائع والطقوس الإجتماعية من بعدها الإطلاقي الثابت، من بداهتها المتداولة، نحو بداهة واضحة ومتميزة وأكثر عقلانية.. فالخروج عن المألوف يعني أساسا الخروج عما هو معتاد ومكرور، عما لا ينفك عن الوجود عن العادة، إلى غير ما نحن عليه. إنه الخروج عن الحضور والتطابق والهوية نحو ما هو مخالف، نحو الغريب الذي لا هوية تحده وتحدده.

    لكن كيف نخرج عن المألوف؟ كيف نصبح على هامش الألفة؟ وكيف نخلق عالما ينبض بالحياة والحيوية؟ لعل القصة مع عبدالجليل لعميري قد أجابتنا بسكونها وصمتها الروحي الفلسفي عن هذا السؤال مرات عديدة، مجيبة القارئ "إذا ما أردت أن تتجدد، فما عليك إلا أن تتذوق لغتي وحكايتي، و تغترب في دروب أحداثي، كما تغترب الشمس في عالم الفضاء".

    إن الحديث عن المسكوت عنه (دم العروس بعد ليلة الدخلة وما يرافقه من زغاريد وطقوس مشينة) هو حديث عن سلوكات موروثة لا أساس لها من الصحة أو اليقين، بدليل تأثيرها السلبي نفسيا وأخلاقيا وإجتماعيا على حياة الإنسان (الأنثى خاصة).

    أين هو دور االعقل؟ وأين هو دور االعلم في العصر الحديث؟ هل سيظل العقل العربي قابعا في حجره وتزمته إلى الأبد، أم أنه سيتغير في زمان لا ندري متى سيأتي؟ شكرا لك أستاذي االكريم على قصتك الرائعة... حقا كانت ممتعة ومثيرة للدهشة والسؤال... دامت لك محبة الكتابة ودمت للقصة عالما ينبض بالحياة والجدة.


  • قصة جميلة جدا وطريقة سرد جد رائعة لتصل بنا في النهاية لمغزى القصة
    ومع كامل الاسف مازلت هذه السلوكات الغبية تحكم مجتمعنا ومازلنا نؤمن ان النقط الحمراء هي مقياس شرف الفتاة


  • الشرف أن تكون نقيا زاهدا في ممتلكات غيرك ،صادقا ، تقي بمعنى مخافة الله ، لا تفعل بالخفاء ما تخشاه بالعلن ، نظيفا طاهرا ، نظيف اليد واللسان ، وليس كما يفهمه معظم العامة والدهماء من حيث ارتباطه الحصري بجسد وسمعة المرأة فقط !


  • الشرف أن تكون نقيا زاهدا في ممتلكات غيرك ،صادقا ، تقي بمعنى مخافة الله ، لا تفعل بالخفاء ما تخشاه بالعلن ، نظيفا طاهرا ، نظيف اليد واللسان ، وليس كما يفهمه معظم العامة والدهماء من حيث ارتباطه الحصري بجسد وسمعة المرأة فقط !