هبة الأغا - فلسطين

وجهٌ محاصر داخل الحرب


هبة الأغاأكتب إليكم بعد ستة أشهر من الحرب، الحرب لا تتوقف، الحرب مفتوحة، لا تزال أصابعي مجروحة، عانيت من موت الكتابة كثيراً، تساقط كل شعري وشِعري، الجدران لاتزال متصدعة، الثقوب في الرأس وفي الحيطان، الماء أكثر ملوحة، لا تزال الجرافات تتمشى في الشوارع مثل نحلة مزعجة، تلملم ملايين الأشياء التي جرفتها الحرب.

الحرب بعثرتنا، وشوهتنا، وأحرقت كل المحبات القديمة، لم يعد بإمكان امرأة أن تحب مثلما كانت تفعل قبل.

الحرب تأكل الوجوه، تأكلها بصوت عال مثل خسة خشنة، الحرب شوهت الوجوه، وزرعت داخل القلوب بذور الخوف من جديد، فنمت شجرة الخوف الكبيرة، شجرة ذات أغصان باردة، حفيف أوراقها كصوت ارتطام الصاروخ بالأسفلت، الشجرة لا تثمر، إنها فقط تبقى باردة ومخيفة طيلة الوقت.

لم يتغير شيء بعد ستة أشهر، لم يتبدل الروتين، لم نجهز الملاجئ، ولم نرتب مونة الحرب القادمة، فقط صرنا نخاف، نخاف من الموت ومن الكتابة، وصرنا لا نفارق "الكورنيش"، مدهشٌ أن تلتقي كل الوجوه على البحر، يهاجر الناس صيفاً إلى البحر هجرة مؤقتة، يلعبون الورق ويشربون القهوة، ويعدون حبيباتهم ببيوت لن تسقط على رؤوسهم، فيصمتون جميعاً، ويدفعون حساب كيلو من التنهيد، فقد أُطلقوا النار على الوعود والشوارع وعلى البحر والبيوت وعلى الأسواق وحكايات الأطفال.

المرور من شارع ملئ بالموت ليس سهلاً، كنتُ أدرب حواسي طيلة الوقت على النسيان، لكنها كانت تتفتح في كل مرة أدلف فيها مختبئة، أطأطئ رأسي كي لا يراني أقارب الشهداء الذين قتلوا بلا معنى، كي لا تراني سوزي وهي تمر كل يوم تسأل عن عشها بين الحطام، عن لحم إخوتها المتفرق في الشوارع، وعن علب المناكير، وعن فرشاة أسنانها، وعن بلوزتها الصوفية، ولفحتها الحمراء، وعن حصالتها، وتبحث في دفاتر الألوان عن فستان الأميرة. لماذا يصرون على قتل البيوت التي يحمل أطفالها دفاترَ وأقلاماً، ويذهبون إلى المدرسة؟

ما الذي يعنيه يا سادتي أن يكون المرء مسجلاً على قائمة الأحياء؟

ونحن منذ سنين لم نزهر ولم نكبر، ولم نثمر، ولم نقرأ، ولم نعشق، ولم نركض كالفتية الصغار، ولم نبنِ بيوتاً مثلما نحب، ولم نربِ أطفالاً بالطريقة التي نحب، أشياؤنا الصغيرة هي أشياؤنا الكبيرة، نحن لم نخرج عن العادي، نحن مثلما نحن، نصحو وننام خائفين، تكسرنا الحرب، القصائد العالقة في الحلق، الحسرة، الكلام الفارغ، ضجيج العسكر، يكسرنا الخوف الكامن في الحاجز، وعربدة الجيران، وبائع الفحم الذي يلطخ جدارنا كل يوم.

الكتابة إذن، أنا أكتب لكم من خلف الزمن المخصص للكتابة والوحي المخصص للكتابة، والموضوع المخصص للكتابة، والأصابع المخصصة للكتابة، أنا أكتب لكم من داخل الصوت المزوي، لكنّي أجمع من الشجر الشعر، ومن الجدران الذكريات، ومن البحر الغزل، وأجمع من وجوه الصغار الحكايات، وأجمع من وحي البلاد الكلام.

D 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021     A هبة محمد الأغا     C 0 تعليقات