فنار عبد الغني - لبنان

لِمن المخترة؟


فنار عبد الغنيلم أكن أرغب بالكتابة عن هذا الموضوع الذي يعيدني إلى سنوات الطفولة العجاف حيث جرت أحداث هذه القصة، لكنني تشجعت عندما كنت أشرح في الصف لطلابي عن أثر الطفولة وذكرياتها في تكوين اللاوعي وأثره على شخصية الفرد.

لم أكن حقا أرغب في كتابة هذه الأحداث لكيلا أغوص في تحليل شخصيات الناس واستخراج عقدهم النفسية. لكن حدثت أمور عديدة جعلت هذه القصة تعود إلى وعيي من جديد، منها موت المعلم أبو شادي بطل قصتي، ومنها شرح درس الوعي الذي أكد لي أن الأحداث المؤلمة التي تنطبع في ذاكرتنا ونحن أطفال تكون أعلى من مستوى وعينا، لذلك من الصعب أن نتخلص منها. وأنا وجدت في الكتابة فرصة لتحرر من وطأة هذه الذكريات. وبتشجيع من أختي التي عاشت معي تلك الذكريات وشاركتني إياها وبطلب خاص منها، قررت أن أكتب وأطلق العنان لآلام الطفولة المعتقلة.

تعود أحداث قصة «المخترة» إلى زمن الطفولة كما ذكرت سابقا: أيام الصف الخامس الابتدائي، حين كان يعلمنا مادتيّ الحساب والرسم المعلم أبو شادي الذي وُلد في فلسطين قبل النكبة بعشر سنوات. وهو من بلدتنا السميرية. بدأ بتدريسي وأنا في الصف الرابع ابتدائي ولم يكن مربي صفي. وأنا كنت أنال الدرجة الأولى في الصف لمدة أربع سنوات متتالية أي منذ الصف الأول حتى الفصل الأول من الصف الخامس ابتدائي.

أمّا سر حصولي العجيب على المرتبة الثانية فلم أكتشفه للأسف إلا بعد مضي وقت طويل، وبالتحديد عند مزاولتي لمهنة التدريس، حيث عرفت أن مسألة تربية الصف تعود لاختيار المعلم نفسه. بمعنى آخر، المعلم أبو شادي هو من أختار أن يكون مربيا لصفي أنا بشكل خاص.

كان المعلم أبو شادي معلما قاسيا يحمل عصا طويلة وسميكة يضرب بها التلاميذ الصغار ضربا مبرحا وبلا رحمة. أذكر أنه عندما بدأنا بحفظ جدول الضرب، كان يتعمد أن ينظر بقسوة في أعين الأطفال ويرفع صوته لإرباكهم وتخويفهم.

أذكر أنه كان يسمّع لرفيقتي نهى جدول الأربعة وأخذت باستظهار الجدول، وأوقفها عندما قالت: 4×4=16، فقاطعها، وقال أعيدي، فقالت: 16. قال: أعيدي. أجابت: 16. قال خطأ، فأخذت تقسم بالله أن الجواب 16. لكنه ظل يرعبها حتى تراجعت وقالت: 15، فما كان منه إلا أن بدأ بضربها ضربا مبرحا على يديها الصغيرتين.

هذه الحادثة حملتني على البحث يوميا عن العصي التي يستخدمها المعلمون لضرب التلاميذ، ووضعها في حقيبتي دون أن يراني أحد، ثم التخلص منها بعد تكسيرها إلى قطع. هذا العمل أفخر به كلما ذكرته، أنا التي خلصت الأطفال من الضرب في المدرسة.

أمّا الموضوع الآخر الذي أذكره، فقد حدث في حصة الرسم في الفصل الدراسي الأول من السنة الخامسة الابتدائية، حيث جاء المعلم أبو شادي إلى الصف وقال لنا: «الآن سوف أحتسب علاماتكم لنعرف الناجح من الراسب. والراسب سوف ينال نصيبه من الضرب، وطبعا الأول في الصف فؤاد وسوف نصفق له».

فؤاد؟ من فؤاد؟ نسيت أن أخبركم عنه. هو تلميذ في صفنا، لكنه أكبرنا سنا، ينتمي لأسرة بسيطة وظروفها صعبة كظروف معظم تلامذة الصف. وكان المعلم يعامل فؤاد معاملة حسنة، وكنت أعتقد أنه يشفق عليه بسبب ظروفه الصعبة، أو لأنه يتمنى أن يكون له ابن صحيح البنية كفؤاد، إذ كان لدى المعلم ابن وحيد من ذوي الاحتياجات الخاصة.

لقد صُعقت عندما نطق المعلم بتلك الكلمات القاسية. كيف سيتفوق عليّ فؤاد وأنا احتفظ بدفتر صغير أكتب عليه علاماتي في كل المواد وعلامات رولى وسميرة ونهى وفؤاد الذي بدا وحسب مجموع علاماته عندي أنه سوف ينال الدرجة الثالثة أو الرابعة؟

انتهى المعلم من احتساب العلامات في الصف، وألقى القلم من يده ووقف غاضبا وقال:» فنار هي الأولى». ورغم أنه لم يطلب من التلاميذ أن يصفقوا لي، فقد صفقوا بشكل عفوي. كنت أشعر بكرهه لي دون معرفة السبب. وكان دائما يردد على مسامعي أنه ابن المختار، والمخترة لهم. وأنا لم أفهم أبدا معنى كلامه.

لكن ما حصل بعد ذلك أن المعلم لم يعد يحتسب العلامات في الصف، وأن فؤاد الذي لم يكن يدرس كما ندرس نال في الفصل الثاني والفصل الثالث الدرجة الأولى.

في حصة الرسم كلفنا المعلم برسم حيوان يعيش في الغابة، فاستدعيت من ذاكرتي صورة الدّب المنقوش على فنجان الشاي، وقد رسمته على الورقة في الصف. وعندما انتهيت من رسم الدّب قمت من مقعدي لأعرضه عليه، فقام بتوبيخي وإهانتي أمام تلاميذ الصف. وقد أتهمني بأنني كاذبة وأنني لست من رسم ذاك الدّب. وصرخ في وجهي قائلا:» اعترفي من رسمه؟ مثل هذا الرسم لا يرسمه إلا شخص محترف؟» أجبته سوف يأتي أبي غدا إلى المدرسة ليقول لك من الذي رسم الدّب. وما أذكره جيداّ أنه بعد هذا الموقف، لم أمسك قلما وأرسم بحرفة.

لم تنته قصتي مع المعلم أبي شادي، لأنني عندما انتقلت إلى المرحلة الإعدادية، واستعدت بالطبع درجتي الأولى من جديد، لم يترك فرصة رآني فيها أمام أي أحد إلا وذكر هاتين القصتين: «المخترة إلنا»، و» فؤاد سبق فنار» وخاصة في غرفة المعلمين وعند شقيقته التي كانت جارتنا.

لا أخفي على أحد أنني بقيت أفكر في حل لغز كيف سبقني فؤاد في الدرجة رغم كل المعطيات. كانت كل علاماتي أعلى من علامته باستثناء مادتيّ الحساب والرسم. ولم أكتشف السر إلا بعد أن أصبحت معلمة، ورأيت بأم عيني كيف يمكن لمربي الصف أن يضيف علامات للطلاب الذين يرغبون بجعلهم الأوائل على الصفوف أو حتى على المدرسة. وبعد ذلك بدأت حيرة من نوع آخر تبتلعني، إذ لم أصدق حتى الآن كيف يمكن لمربٍ أن يتجاوز مبادئ التربية؟

توفي أبو شادي في أميركا منذ سنة تقريبا. لم يستطع قلبي مسامحته. وقد كتب على حسابه في أحد مواقع التواصل الاجتماعي عن قصة المخترة، وهي أن والده كان آخر مختار لبلدة السميرية، وأنه عرض ختم المخترة الذي اصطحبه معه إلى أمريكا، وأنه تعرض لانتقادات، واتهم بالكذب وتضليل الناس.

وكتب أحد أفراد عائلتي قصة المخترة التي فهمتها أخيرا، والتي لم يستطع أبو شادي تكذيبها. والقصة هي كما يلي:

في أوائل سنة 1948، طلب سكان السميرية، بلدتي، تغيير المختار، الذي كان والد أبي شادي بعد وشايته بشبان البلدة المقاومين وتسليمهم للعسكر الإنجليز. وجرت الانتخابات وفاز أحد أجدادي بالمخترة. ولكن النكبة حدثت وتهجّر أهل البلدة وتاهوا في الشتات.

وللأسف فإن الكثير منهم مسّ الشتات روحه وعقله. وبدل أن يعمل على بناء جيل يتسلح بالأمل ويساعده على رسم ما رآه يوما من جبل ونهر وشجر وورد، وما سمعه من قصص عن الوطن في الذاكرة، وينمي فيه حب الأرض ويدفعه للعلم والعمل، فضل أن يعيش من أجل ذاته، يجتر أوهام الماضي، ولا يذكر إلا تلك القصة التي لا وجود لها إلا في عقله وعقول أمثاله.

D 27 شباط (فبراير) 2022     A فنار عبد الغني     C 0 تعليقات

بحث



5 مختارات عشوائية

1.  غزة: يوم كسر القيد

2.  صباح ظبية التلال الساكنة

3.  أعمدة الأدب العربي

4.  زيتون ورضى

5.  كلمة العدد 02: قالوا عن العدد الأول

send_material

تحميل الأعداد الفصلية

بي دي اف

download center