عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 70 » بداية تقتل الأمل

وهيبة قوية - تونس

بداية تقتل الأمل


خرجت من البيت مثل طفلة صغيرة تستقبل المدرسة أوّل مرة، كعهدها بنفسها منذ سنوات خَلَتْ. كانت ترى عملها أجمل ما أنجزته في حياتها إيمانا منها بنبل رسالة التّعليم وحبّا لعملها في ذاته، ولأنّ العمل وحده يوفّر لها مساحة من الوقت تشعر فيها بأنّها هي، هي ذاتها وليست أخرى، وبأنّها امتلكت شيئا لنفسها تنفع به غيرها بكلّ الحبّ الّذي في قلبها لطلاّب العلم.

في الطّريق كانت تبتسم لنفسها وتُحدّثها بأنّها ما زالت تستطيع أن تستشعر حبّ التّلاميذ لها وحبّ أصدقائها وزملائها وأن تبذل مزيد الجهد لا للعمل فحسب بل للإبداع. فعملها أقرب عمل إلى الإبداع لأنّها يمكن أن تُشكّل تفكير هؤلاء الطلاّب ونفوسهم وأن تغرس القيم النّبيلة فيهم رغم أنّ أكثر التّلاميذ قد صاروا يأتون المدرسة غالبا لأجل أنّهم فقط تلاميذ لا طلبة للعلم. فَتراهم يُساقون إلى الدّرس بكلّ المُغريات ولكنّهم لا يُغريهم غير اللّعب وترك الدّرس لمن أراده.

مرّت في الطّريق بكثير من النّاس. هم أكثر من العادة اليوم. ألقت السّلام على الجميع تقريبا. لم تكن تعرفهم ولكنّها تُحبّ أن تُلقي السّلام على كلّ من يمرّ بها أو تمرّ بهم. هو التّفاؤل، وهو الإيمان بأنّ الحياة وسط النّاس من جميع الأصناف تعطي الرّغبة أكثر في الحياة والاستمتاع بجمالها.

قادتها الأحلام بعيدا، وتصوّرت أنّها لا بدّ ستجد متعة جديدة هذه السّنة لتُنجز مشاريع عطّلها المرض في السّنوات الماضية. وتناست آلامها ومرضها، ونسيت غصّة تقبع مثل الحجارة في حنجرتها.
كانت كلّما تقدّمت خطوة فرحت أكثر، مع أنّ الطّريق على حالها، تغطّيها الأتربة الّتي يتلاعب بها الرّيح أو تمرّ فوقها السّيّارات فتذروها على وجوه العابرين. فيسخط من يسخط، وتبتسم هي. وتقول في نفسها: "كلّ شيء سيتغيّر، لا شيء يبقى على حاله ما دمنا نروم الحياة الأفضل."

كان عندها أمل أنّ كلّ شيء سيكون بخير، وأنّها ستكون بخير، وأنّها ستتجاوز كلّ مرارة.

وجدت جمعا من زملائها قد سبقوها، وامتلأت القاعة بضحكهم وحكاياتهم. واستقبلوها بفرح. ها هي تعود بينهم هذه السّنة. ولا بدّ أن تكون البداية جيّدة. ستجد كلّ ما يشجّعها على العمل والعطاء، فقد زالت كثير العراقيل من أمامها وارتاحت من كثير من المتاعب.

لم يبقَ أمامها إلاّ امتحان واحد وترى أنّها سائرة للنّجاح فيه. ستنجح وستفتّت الحجارة الّتي تستوطن صدرها وتتنفّس عميقا، وترى نفسها في مرآة ذاتها هي؛ هي لا امرأة أخرى يحطّمها الوقت والحزن.

ولكن، سريعا ما انقشع الغمام من أمام شمس الحلم لتحترق بالحلم ولا يمطرها الغمام مطرا يغسل حزنها ويجرف الحجارة عن حلقها وعن صدرها. بل يزيد من اختناقها.

فما أن وجدت نفسها وسط جمع الأصدقاء والزّملاء حتّى أغرقها الدّمع، ولا يزال يغرقها، كما كان يُغرقها دائما. وكم كرهت أسئلتهم وتطفّلهم على حياتها، وكم كرهت نفسها واحتقرتها. وكم بدت لا حظّ لها من حبّ النّاس ولا من حبّ نفسها، لا يوجد أكثر من هذه المرارة. تسرّبت إلى دمها وفجّرت دمعها وغشِيَت قلبها بمشاعر غريبة، لم تعد تقرأ على صفحة قلبها ونفسها غير الحزن والمرارة والوجع. فقد أعادتها الأسئلة المتطفّلة إلى ما كانت عليه.
بل صار قلبها يتشظّى ويغتسل بدمعه علّه يجلو شيئا من نور "ركنه النيّر" ولكنّها وجدته يفّر من العيش من جديد وسط النّاس.

خرجت وكلّها أمل بأنّها ستعود لتعرف نفسها بالآخر، وعادت إلى البيت تحمل مرارة مضاعفة وكرها أكبر لنفسها واحتقارا لها، وخلاصةً مُختَصَرةً: إنّها لا تستطيع العيش وسط النّاس، ولا تملك القدرة على احتمال وجودها مع الآخرين، وجودها بينهم يخنقها ويقطع أنفاسها.

خرجت طفلة وعادت عجوزا لا تملك من أمل الحياة غير فُـتاتِ كِسرة خبز يابسة في أدراج نفسها الحزينة تقتات بها في زمن القحط.

بقيت تحدّث نفسها: "لكلّ مشكلة حلّ أكيد، وفي كلّ حكاية جانبها المشرق." ولكنّها ماذا ستفعل بأكداس الخراب الّذي تكدّست أمامها وكيف تفتح من خلالها ثقبا لنور؟ كيف؟ أمامها وقت قد يطول لتستعيد حلمها وتستعيد حبّها لنفسها.

امتزج باليأس الأملُ ثانية وهي تقول لنفسها: "سأجمع شظاياك قلبي ففيك بقيّة من حلم جميل وفيك تتفجّر ينابيع حياة أحتاجها."

D 25 آذار (مارس) 2012     A وهيبة قويّة     C 6 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • استاذة وهيبة قوية-تحية طيبة
    اتساءل اولا ان كانت بطلة هته القصة هي نفسها امراة الانتظارات في قصصك السابقة؟
    حيث اجدها هذه المرة وقد استبد بها الياس ونال منها على غير العادة، فاستوطنت في صدرها غصة كالحجارة منعتها من التنفس عميقا،وغطت قلبها ونفسها صفحة كتب عليها الحزن والمرارة و الوجع. فامتزج الامل المعهود بياس مرير فجر دمعها وغشي قلبها بمشاعر غريبة.
    شكرا وهيبة، شكرا على احزانك الفياضة التي تدعم احزاني.


    • زهرة الجزائر العزيزة
      عوّدتِني قراءة نصوصي وهذا لَعَمري مكسب لي أعتزّبه وبك صديقة وقارئة. وأمّا سيّدة الانتظار فهي مختلفة كثيرا عن هذه الشخصيّة، فهي شخصيّة تخلق من اليأس الامل وتتبع طيفها وتنثر الرّبيع من حول فضاء الانتظار وترى السّعادة رغم قتامة ما يعتريها. وأمّا هذه الشّخصيّة فرغم أنّها لم تفقد الأمل إلاّ أنّها غارقة في الحزن والألم. تبحث عن الأمل في ظلمة اليأس... قد تفلح. هي شخصيّة مختلفة سيكون لها تأمّلاتها في الحياة كلّ مرّة في موضوع مختلف.
      وأمّا الحزن فأنا أراه تعبيرا صادقا عمّا في النّفس ويفتح من حين لآخر أبواب التّفكير الإنسانيّ العميق، وأقصد الحزن الّذي لا يوقفنا عند حدوده بل ذلك الّذي ينقل صدقنا.
      شكرا زهرة

  • الأخت / وهيبة
    انها بداية النهاية , انا ارى انها محقة فى هجرها لهولاء البشر , ولكن الآحسن انها لم تهجر نفسها رجعت لذاتها واستفتت قلبها ربما تجد فيه ذرة امل لم تعصف بها عواصف البشر
    احييك على هذا العمل ارائع ودمت مبدعة
    سعد المصراتى مؤمن //كاتب وقاص من ليبسا


    • مرحبا الأخ سعد، ومرحبا بالشّقيقة ليبيا
      الإنسان يعرف نفسه بذاته فيَعيها بما أوتي من قوى نفسه مطلقا ويعرفها بالآخر في اتّصاله به وتواصله معه، حينها تكتمل له صورته فيعرف من "يكون" وهذا هو أرقى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في رحلة بحثه عن ذاته. وشخصيّة القصّة تحاول أن تبحث عن ذاتها وتعصف بها الأفكار ولن تستقرّ سريعا لأنّه ليس من السّهل الوصول إلى توازن الذّات. وهي قد وجدت بعض توازنها بعودتها إلى استقراء ذاتها هي تستمدّ من اليأس شيئا من الأمل تواجه به بقيّة مسيرتها.
      أسعدني مرورك ورأيك

  • كل شيء كان على مايرام، ويسير في مسارِهِ الصحيح، حتى بدأتْ أسئلة المتطفلين، ربما هي ضريبة يدفعها أصحاب القلوب الطيبة، فقد قيل:
    إن أكبر خطأ يصدر منك؛ أن تكون كالكتاب المفتوح !! يطّلع عليه كل من يقترب، فمنهم من يستهين بالسطور، ومنهم من يسيئ الفهم، ومنهم من لا يفهم بتاتـاً!

    مادامَتْ تحمل في قلبها طفلة، فهي لن تكره نفسها ولن تكره أحد، وهذه الغيوم ماهي إلاّ بشائر خيرٍ، ستروي قلبها وتفجّر ينابيع الحياة من جديد. 


  • ألأخت وهيبة قويّة: دائمة التميّز والتفوّق بنصوصك لكنّك هذه المرة عزفت على وتر أظن انه يمتص أنغامه من شرايين حياتنا اليوميّة فحين يتحوّل خصيمنا الألّد الى (الأنا) و( الآخر) يصبح الزفير شهيقا والنور عتمة وهكذا دواليك ويصير التعايش مع الحياة أقرب الى ضرب من المستحيل فمن منّا لم تكن غلطته بل ربّما جريمته الكبرى انّه أحبّ الحياة ومن فيها ورغب التعايش معهم بنفس المشاعر فردوه خائبا؟!!! ناهيك اذا كان هو/ هي كبطلة قصّتك انسانة طموحة تروم الافضل, تسمعين بالمثل القائل: ماشافو شي على الورد ينعاب قالوا له يا أحمر الخدّين!!! اذا كان ترويض الآخر مستحيلا في الغالب فلابد من ترويض النفس على تقبّل الآخر بشرّه قبل خيره, ربّما مايقال ان في النهاية لايصحّ الاّ الصحيح أصبح نادرا في أيّامنا هذه وفلسفة لاطعم لها ولا لون ورائحة لكن حين يصبح العيش فرضا لنحاول اقتناص أفضل مافيه فشلنا أم نجحنا شرف المحاولة يكفينا..