عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

هدى الدهان - العراق

مارد المصباح


عرفته رجلاً لا يقول لامرأة "لا"، خجلاً أو حباً أو لمعرفته على قدرته على فعل ما تأمره به، ثم لم يعد يقول نعم. أصبح صامتاً ولكن، بقدرته السحرية على معرفة ما تريد حتى قبل أن تطلبه منه، وأحياناً يمتاز بذكاء استباقي لما ستكون عليه ردة فعلها فيباغتها بقبلة وهي أحوج ما تكون إلى دليل لوجوده قربها: قبلة بصمت السمكة أو يفاجئها باحتضان حار حين يحسها ضائعة، وبحاجة لمرفأ يحميها من الآخرين أو من أفكارها هي على الأقل.

في البداية كان يكتب لها أحلى الكلمات "شبيكِ لبيكِ" ومرنّماً "أنا بين يديكِ"، فتخبره أنها تريده كله ملكها لها وحدها، يلبي لها ما تريد، وقد كان كذلك؛ فأسمته ماردها الطيب وناداها مصباحه الجميل الذي لن يتركه أبداً. ولكنها دون تلميح أو تصريح أو تفسير باتت تحبسه في المصباح طويلا.

كانت لا تذكره إلا كلما احتاجت له؛ وعدا عن هذا، فهو موجود هناك ينتظرها. يوما من الأيام النادرة حين تململ المارد الطيب فيه ولامها أنه لا يريد أن يكون موجوداً في حياتها فقط عند الطلب، وأنه يريد أن يكون حاضراً بكل تفاصيل حياتها، رفضت لأنه سيكون حاضراً بطريقته.

أخبرته بذكاء أنه كالكنز المخبأ في صندوق خشبي صغير نطمئن إلى وجوده ذخراً لنا، وبين الحين والآخر نطل عليه، نتحسسه، نتذوق بداعة صنعه، ولكننا نعيده إلى حيث نكون مطمئنين لوجوده في أيام العوز إليه من غدرات الزمان.

والحقيقة أنها كانت تتمنى أن يحتاج إليها فيتمرد يوماً، ويأتي من تلقاء نفسه دون أن تبادر هي وتسأله شيئا بصفته ماردها الطيب فيهب ملبياً.

فكرت بالرحيل فقد ملت دور السائل دوماً. حين رأى حقائبها مُعَدّة، ومنضدتها قد أُفرغت من أوراقها وأقلامها، عرف أنها لن تعود. كعادته احترم قرارها. مطيع ولا يطلب تفسيراً لكل ذاك العناد بالرحيل عن حضرته.

أعدّ لها قهوتها كما تحبها، وأشعل لها بخورها برائحة زهر البرتقال. أخبرها أنها ستكون ليلة من ألف ليلة وليلة لن تنساها، أخبرته أنها حتى لا تريد أن تتذكر.

النمِرة في داخلها رفضت استسلامه وعدم التشبث بها. لا يفهم اغلب الرجال لماذا تتركهم المرأة في حين إنهم يلبون لها كل ما تطلب، وبطريقة شرقية ثائرة يقررون أنها يجب ألا تُطاع كي لا تتمرد.

اقتربت منه. قالت له سأخبرك سراً:

كنت أحب رائحة النبيذ في فمك، وقميصك المتعب، وأنا أفاجئك بزيارتي أكثر من رائحة العطر الفرنسي الذي أشمه حتى قبل دخولي غرفتك، حين اطلب رأيك كنت أتمنى ألا تهديني إياه مغلفاً بورق الهدايا اللامع وبشريط احمر، وبطاقة ورد مكتوب عليها "افعلي ما ترينه مناسباً" و" أنت أدرى بصحة قرارك". ماذا لو أهديتني رأيك كما هو مهما كان بربرياً؟

اسقني الحقيقة من فمك بقبلة طويلة واحدة بدل أن تنمق لي الكلام بدبلوماسية الخبير، وعبارات احتارُ في ترجمتها ما بين عربيتي ولغتك الإنكليزية. ألم تفكر يوماً أن تتعرى من كل الحواجز وتتمدد أمامي كما أنت لأغوص فيك؟ هل تعرف كم أحب السباحة في البحيرات الصغيرة حيث الطحالب تجد طريقها إلى أصابع قدمي وحيث الحصى يتفنن في إحداث أثره على جسدي حين أتمدد عليه؟ هل تعرف كم أكره رائحة مياه أحواض السباحة المعقمة التي تدعوني لنسبح فيها معاً؟ رائحتها كروحك وجسدك، لا أجد فيها أخطائي الإنسانية ولا خطاياي الأنثوية.

غادَرته تلك الليلة. تركت المارد وحيداً. كان درباً طويلاً بدونه ربما لأول مرة. رائحة الهواء الليلي المنعش الذي يناثر شعره اجعلها تفتقد تلك الكف التي طالما أحبتها وهي تزيح عن عينيها خصلاتها كلما جربت نسمة أن تمازحهما معا.

لا يهم. ستمضي في قرارها إلى النهاية.

جلست على دكّة وسط الشارع، أعادت ظهرها للوراء فكادت أن تسقط، دوماً حين كانت تلقي بنفسها للوراء تجد صدره يتلقفها مسنداً إياها إليه ويده تمسك بخصرها لتريحها في جلستها أكثر ولا يهم على أي ضلع في صدره تتكئ.

ظنت أن شراء كرسي وثير سيفي بالغرض. حين أحست بالنعاس تذكرت تلك الكتف التي طالما تساءلت كيف فُصِّلَّت لتطابق امتداد خدها عليها، دوماً كان هناك، تتململ على كتفه، صدغها يداعب رقبته ولا يتحرك، خصلاتها تغازل شاربيه ولا يتذمر.

دوماً كان هناك، شجرة تتكئ عليها، تستظل بظلها من لهيب الآخرين، وتشبع جوعها من ثمرها الريان ولكنها لن تجيبها إذا ما شكت إليها أو تذمرت أو حتى ثرثرت معها في ليلة وحدة.

دوماً كان يناديها مصباحي. المصباح بدون مارده أجوف وفارغ، مجرد تحفة فنية في عشرات المتاجر لا كنزاً ثميناً.

تريده وحشاً برياً، تريد عينين شرستين تبحثان عنها رغم الأسوار لا عيني أستاذ جامعي تنتقل ما بين النظارة والكتاب.

تريد يدين تتحملان خربشاتها الطفولية لا يدا تربت على يديها كأنها مريض في مستشفى يؤملونه بقرب الشفاء.

عادت إلى وحدتها وإلى فنجان قهوتها الواحد تعدّهُ عربياً على الجمر، تُرى بعد أن تركت أثيره هل سيبقى ماردها؟

يوماً ما سألته كيف يتفق رجل راقٍ مثله مع امرأة عنيدة برية مثلها؟ فلم يجب. اعتاد هو وضع الأسئلة، فعاودت السؤال مراوغة "من أين طلعت لك أنا؟"

أجابها مبتسماً: "هو القدر".

حين انتصف الليل، كانت هناك امرأة أحست بالغربة فاختارت أن تحلق إلى سماء ماردها. صنعت لنفسها جناحين من ورق الهدايا بدل ورق التوت الذي كانت ترتديه. كانت تبحث عن رجل أثيري على هيئة مارد لتضمه إليها وتخفيه في روحها وجسدها، ماردها مكانه المصباح.

وكان هناك مارد اختار حباً بها أن ينزل إلى أرضها حيث اختارت أن تعيش بين رائحة تراب بلله المطر. بحث عنها بين الأشجار وطيور الحب.

أشرقت الشمس فلفحتها بلهيبها في الأعالي وأوجعت قطرات الندى على خديها، ولكنها ظلّت تبحث عنه بانتظار أن تختبئ في فيء صدره.

أشرقت الشمس وظل هو يجوب الأرض يسأل ورودها الحمراء التي أهداها إياها يوماَ أين هي الآن ليعود إلى وطنه فيها.


صورة مارد ومصباح وامرأة

D 25 آب (أغسطس) 2012     A هدى الدهان     C 16 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • نص شيق يحوي جرأة ابداعية ونفسا رومانسيا نادرا بالاضافة لدروس وسيكلوجيا العلاقات البشرية ببعدها الخفي والمعلن ! تشعر وأنت تقرأه وكانك تشاهد فيلما رومانسيا آخاذا لمخرج مخضرم "دونجواني " فنان! من أقدر على سبر اسرار التفكير النسائي من كاتبة وناقدة تضفي دوما قيما جديدة على النصوص وتكشف اسرارها !


  • أتفق مع الأخ مهند النابلسي في رأيه وتعليقه العميق.
    المرأة الحقيقية لا تريد مارد مصباح يقول لها شبيك لبيك.. بل تريد من يتمرد عليها ويريها علامات رجولته، ولا تحب الرجل الخنوع الذليل وإن كان يتعبد في محرابها.
    بقدر ما تكون كلمة "نعم" جميلة ومحبوبة وتوافق هوى النفس... لكن كلمة "لا" أحياناً تكون أجمل وأفضل بل وتكون هي المطلوبة وهي التي نود سماعها!
    نص رائع جميل متقن ولا عجب!!!


    • الاخ موسى ابو رياش .لااتفق معك .الرجل قوي و صلب ويده سمراء خشنة ..من قال لك انها تفضل الاصبع الامر افعلي كذا بدل اليد التي تربت عليها ؟ من اخبرك انها تحبه حين يتحدث في المنابر الثقافية اكثر من وجوده معها يغني لها وحدها؟ الرجل ليبق رجلا في موقف صعب او ان كان في حضرة رجل ند له ..اما ان كان معها ...فكل امراة تريده يقول ...شبيك لبيك ..

    • تعقيب سريع للطرافة فقط ، فقد لفتت انتباهي مقولة غامضة لعالم الفيزياء الكونية ( العبقري )المقعد والمشلول "ستيفن هوكنغ" عندما وصف المراة بأنها من اكثر الكائنات غموضا في الكون ! وبانه لا احد يستطيع كشف طريقة تفكيرها وسبر اغوار نفسيتها!

  • هدى الدهان

    "وُلِدْتما معاً، وتظلان معاً.
    حتى في سكونِ تذكاراتِ الله.
    ومعاً حين تُبَدِّدُكما أجنحةُ الموتِ البيضاء.
    ليملأَ كلُّ واحدٍ منكم كأسَ رفيقِه؛
    ولكن.. لا تشربوا من كأسٍ واحدة"

    ( جبران خليل جبران)


  • الاستاذة هدى
    النص عميق ويحتوي اكثر من فكره في كل زاوية منه. لا يوجد الكثير لقوله بعد التعليقات المكتوبة. أبدعت وكل التقدير لكِ


  • هل يعني أن المرأة، ليست بحاجة إلى مارد المصباح ليحميها ويلبي كل مطالبها، بل لمن يناقشها، يجادلها، وأحيانا من يأمرها وينهاها، ثم يدافع عن حبه لها؟
    وماذا عن الرجل؟
    هل يبحث عن المرأة المتمردة الرافضة لكل شيء، والمدافعة عن حبها له، بدلا من الخادمة المطيعة المسالمة؟


    • بالعكس ..في هذا الزمن الصعب لابد من مارد يطيع ويلبي كل الحاجات حتى يخفف عبء الحياة ..ولكن هذه الطاعة وحدها لاتكفي ..لابد معها قليل من الحب ..والكثير الكثير من المبادرة...لابد ان يكون الرجل في كل شيء ..هو من يقدم الزهرة حين تحتاجها وتهفو نفسها اليها ،وليس بالضرورة ان تطلبها بلسانها ...فيهب مسرعاً الى ارقى المحال و يشتريها لها من اندر الانواع فقط لانها طلبتها .آنذاك تفقد الكثير من روعتها ...هذه الزهرة تختلف عن زهرة برية صغيرة موضوع في اناء زجاجي رخيص ..ولكنها اول ماتراه العين حين تفيق صباحا..المفاجأة والمبادرة هي قمة الحب بنظري.

    • أنت محقة تماما بتحليلك النادر لسيكلوجية الحب والعشق ، وللأسف فأنا لا اعمم ان قلت أن النساء العربيات كما الرجال تماما بحاجة لدروس وتوعية في التربية العاطفية ، والموضوع يبدو من وجهة نظري المتواضعة مرتبط لحد بعيد بالجنس والعشق الجسدي ، ويفتقد لدرجة كبيرة للرومانس والعاطفة والحنو والحنين والتفاعل ...والأمثلة كثيرة ويمكن رصدها وخاصة عندما ترتبط هدايا المحبين بالقيمة المادية وتفقد تلقائيتهاوكهرباء وكيمياء الحواس وحرارة اللقاء ...في الفيلم الأمريكي الرائع الحديث "ارث بورن" وبعد ان ينجو بطلا الفيلم بمعجزة من مطاردات مرعبة وخاطفة للانفاس ، نراهما وقد تمكنا اخيرا من النجاة وركبا قاربا تايلنديا متواضعا، وفي أجواء ومناظر بحرية ساحرة ومع اغنية رومانسية خلابة صادحة، وتحيط بها الكاميرا من كل الزوايا والسعادة تشع من عينيهماوبلا حدبث وقبل وعناق وتصنع ، نراهما يجلسان حول طاولة متواضعة وامامهما ابريق شاي قديم متهالك ....هكذا ينقل لنامخرج الفيلم مع مصوره الفذ وبطليه "الرجل والمراة" شعورا كاسحا بالسعادة والحب قل ان نشاهده في الواقع او السينما !ودمت كاتبة متفاعلة رائعة !

  • المبدعة هدى
    بعد كل الذي قيل ، لا أملك في الحقيقة الشيء الكثير لأضيفه،
    فقط أكتفي بالقول أني سافرت مع كل لحظةٍ ،مع كل حرفٍ،ولازلت أشارك المرأة البرية، المارد الطيب رحلة بحثهما..

    ِأبدعتِ أستاذة.