جابر سليمان - لبنان

مختارات: أزمة وكالة الغوث، الأونروا

ملف: أونروا - اللاجئون الفلسطينيون
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى، أونروا (UNRWA)، هيئة أسستها الأمم المتحدة في عام 1949، أي بعد شهور من حدوث نكبة فلسطين في عام 1948، ممثلة في قيام دولة إسرائيل على معظم أراضي فلسطين وتشريد أهالي العديد من المدن والقرى الفلسطينية الذين اضطروا للجوء إلى ما بقي من الأراضي فلسطينية في الأيدي العربية وإلى الدول العربية المجاورة.

قدمت الوكالة للاجئين الفلسطينيين مواد تموينية وخدمات صحية وتعليمية. وكل من سجلته الوكالة بصفة لاجئ له وفق القانون الدولي حق العودة إلى وطنه، وهذا منصوص عليه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في كانون الأول (ديسمبر) 1948.

بعد تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية في عام 2017، كثر الحديث عن "صفقة القرن"، أي حل نهائي للقضية الفلسطينية. وضمن تصور ترمب للحل الذي لم تكشف تفاصيله حتى الآن، قرر نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في أيار (مايو) 2018. وفي 31 آب (أغسطس) 2018، أعلنت الولايات المتحدة توقفها عن تقديم تمويل للوكالة.

الباحث الفلسطيني المختص بشؤون اللاجئين، جابر سليمان، أعد لمركز الزيتونة للدراسات (بيروت) ورقة عن الأزمة التي وضعت فيها الوكالة، واستعرض فيها ثلاثة سيناريوهات، الأول يفترض تمكن الوكالة من تجاوز الأزمة المالية من خلال الحصول على مصادر تمويل بديلة. أما السيناريو الثاني فيفترض فشل الوكالة في سد العجز، وتجفيف مصادر حصولها على تمويل، بحيث تصبح غير قادرة على القيام بدورها. أدناه السيناريو الثالث وتوصيات مقترحة من الباحث.

أزمة الأونروا الراهنة: السياق والأبعاد وسبل المواجهة

السيناريو الثالث

جابر سليمانيفترض هذا السيناريو نجاح الولايات المتحدة و"إسرائيل" في تغيير أو تحويل "تفويض" الأونروا المحدد بالقرار 302، عبر الحصول على موافقة من الجمعية العامة للأمم المتحدة على دمج هذا التفويض ضمن صلاحيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الأمر الذي يعني عمليا إلغاء القرار 302. وهذا ما يعيد النقاش في الجمعية العامة مجددا إلى المخاض السياسي الذي ولدت في إطاره الأونروا، والى المباحثات التمهيدية التي أدت إلى إقرار معاهدة 1951 الخاصة باللاجئين وتأسيس المفوضية، إذ رفضت الدول العربية المعنية، آنذاك، إدراج اللاجئين الفلسطينيين ضمن حماية المفوضية، وأصرت على خصوصية وضعهم وتمايزه، باعتبار أن حق العودة المكفول بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 يسمو فوق مزايا الحماية التي يمكن أن توفرها لهم الاتفاقية وأداتها التنفيذية، أي المفوضية [27].

إن ما يغري الولايات المتحدة و"إسرائيل" للمضي قدما في هذا السيناريو، في إطار رؤية إدارة ترامب الاستراتيجية للمنطقة المتطابقة مع الرؤية الإسرائيلية، هو وجود سابقة في هذا الصدد، حين تمكنتا سنة 1991 من إلغاء قرار الجمعية العامة 1975/3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية.

بيد أن هناك عقبات أساسية أمام تنفيذ هذا السيناريو وتتمثل في:

=أ= وعي اللاجئين أنفسهم لمخاطر مخططات تصفية قضيتهم وإصرارهم على مقاومتها، بناء على تجربتهم التاريخية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، التي تمكنوا من خلالها إفشال كل مخططات التصفية والتوطين.

=ب= إلغاء القرار رقم 3379 سنة 1991 حصل حينها في ظلّ الأجواء المتفائلة بإمكانية تقدم "عملية السلام" بعيد إطلاق مؤتمر مدريد وقبيل توقيع اتفاقات أوسلو. وتلك الأجواء مختلفة تماما عن الأجواء القاتمة الراهنة التي تشهد فشلا ذريعا لـ"عملية سلام أوسلو".

=ج= إدراك الولايات المتحدة و"إسرائيل" أنه ليس من السهل إلغاء القرار 1949/302، لأن الجمعية العامة التي أنشأت الأونروا هي وحدها المخولة بإلغائه. فضلا عن أن هذه الخطوة لا تتوافق مع رغبة غالبية الدول في الجمعية العامة، بما في ذلك بعض الدول الحليفة لأمريكا و"إسرائيل"، لأسبابها الخاصة.

خلاصة

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هو السيناريو الأكثر ترجيحا من بين السيناريوهات المذكورة؟ نعتقد أنه من الممكن تحقق السيناريو الأول للأسباب التي ذكرناها آنفا، خصوصا إذا ما تكاتفت الأطراف المؤيدة لبقاء الأونروا على دعم هذا الخيار سياسيا وماليا [28]، وإذا ما أحسنّا الاستفادة من التناقض بين الموقفين الأمريكي والأوروبي داخل الأطر الدولية التي تصنع سياسات الأونروا. غير أن السيناريو الثاني قد يحقق قدرا من النجاح في ضوء حالة الانقسام الفلسطيني والتشرذم العربي والإسلامي، ووجود بيئات تسمح للطرفين الإسرائيلي والأمريكي بالضغط في هذا الاتجاه. ولكنا نعتقد بصعوبة نجاح السيناريو الثالث الذي يظل مستبعدا في الظروف الحالية، حيث أن الجمعية العامة التي أنشأت الأونروا هي وحدها المخولة بإلغاء القرار 302. وهذا لا يتوافق مع رغبة غالبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لكن يعتمد ذلك بالطبع على حسن إدارتنا للأزمة وقدرتنا على الارتقاء بها إلى مستوى هذه المواجهة المصيرية التي يصبح فيها بقاء الأونروا خط الدفاع الأول عن حق العودة، وذلك من خلال بلورة خطة مواجهة شاملة رسمية وشعبية على مستوى الدول المضيفة مجتمعة، ومستوى كل دولة منها على حدة. خطة تتبنى آليات تحشيد ومناصرة ناجعة عربيا ودوليا وتستفيد من طاقات الشباب وقدرتهم على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لهذا الغرض.

الخلاصة والتوصيات/الاقتراحات

يعد وجود الأونروا في حد ذاته واستمرارها في تأدية دورها بحسب التفويض المنوط بها، تأكيدا على مسؤولية المجتمع الدولي السياسية والأخلاقية في إيجاد مشكلة اللاجئين والتزامه بضرورة حلّها وفقا لمبادئ القانون الدولي. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ ديباجة القرار رقم 302 التي تمّ بموجبها إنشاء الأونروا، تذكِّر بأحكام الفقرة رقم 11 من قرار الجمعية العامة رقم 194. وفي السياق عينه، أكّدت الفقرة رقم 5 من القرار 302 على ضرورة استمرار إغاثة اللاجئين الفلسطينيين، من دون "الإجحاف بأحكام الفقرة 11 من القرار 194".

يستلزم ذلك إقامة نوع من التوازن بين الأهمية السياسية لوجود الأونروا في حدّ ذاته وبين دورها الإنساني، بغضّ النظر عن نوعية خدماتها وكميتها، ما يستلزم في هذا الوقت بالذات التمييز بين النقد الموضوعي الهادف إلى تقويم أداء الأونروا ورفع مستوى خدماتها، وهو أمر واجب ومطلوب، وبين النقد الذي يصبّ في خانة الجهد الرامي إلى تحطيم المكانة المعنوية للأونروا وتصفية دورها.

فيما يلي بعض التوصيات على الصعيدين العام، والخاص (لبنان)

=1= ضرورة بلورة رؤية فلسطينية، وفلسطينية-لبنانية، وفلسطينية-عربية مشتركة بعيدة المدى تجاه سياسات الأونروا، تستجيب بفاعلية للأزمات المتوقّعة، ولا ترتكز على ردّات الفعل والحلول المؤقتة، بما يتيح المجال لتأسيس قواعد للعمل المشترك، الذي يسمح بالضغط على الهيئات الدولية المعنية، من أجل التوصل إلى حلول جذرية للعجز المزمن في موازنة الأونروا، وعبر الاستفادة من دروس أزمة الأونروا لسنة 2015.

=2= تعزيز التنسيق الفلسطيني-العربي و(اللبناني خصوصا) في الأطر العليا التي تصنع سياسة الأونروا (الجمعية العامة، واللجنة الاستشارية، ومؤتمرات المانحين)، وفي مؤتمرات المشرفين على شؤون اللاجئين/الجامعة العربية، لتعزيز الدعم الدولي المقدّم للأونروا بما يضمن استمرار وجودها، ناهيك عن تحمل مسؤوليتها في تلبية الحاجات الملحة للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملها كافة.

=3= تخصيص موازنة دائمة للأونروا، ضمن موازنة الأمم المتحدة، لا تعتمد على الهبات والتبرعات. وفي هذا السياق، ضرورة العمل من أجل تفعيل اقتر ا ح الأمين العام للأمم المتحدة في هذا الخصوص في آب/ أغسطس 2017، بجعل موازنة الأونروا مستدامة وكافية ويمكن التنبؤ بها. وهو اقتراح قد حذفه نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، الإسرائيلي داني دانون، من جدول أعمال الدورة 72. وفي هذا الصدد نشير إلى أن دولة الإكوادور ستتولى رئاسة الدورة القادمة للجمعية العامة 73 ابتداء من أيلول/سبتمبر 2018، كما ستكون دولة قطر نائبا للرئيس.

=4= دعوة الأونروا إلى اعتماد سياسة مالية مرنة تسمح بتدوير المساعدات والهبات التي تتلقاها من خارج الموازنة الاعتيادية، أي تلك المخصصة للبرامج الطارئة، من أجل تغطية العجز في برمج الخدمات الأساسية، وذلك عبر اعتماد آلية معينة تسمح بتحويل جزء من تلك المساعدات والهبات إلى الموازنة الاعتيادية، إذا ما اقتضت الحاجة.

=5= العمل على تعزيز مفهوم المشاركة المجتمعية الذي تتبنّاه العديد من المنظمات الدولية، بما فيها الأونروا، أي إشراك اللاجئين، من خلال منظمات المجتمع المدني واللجان الشعبية والأهلية بشكل فعّال في رسم سياساتها وتخطيط برمجها وتنفيذها، مع ضرورة استمرار الضغط على الأونروا من أجل ترشيد الإنفاق وتعزيز الشفافية في النظم المالية والإدارية للوكالة.

=6= ضرورة تكثيف الجهود الرسمية اللبنانية من أجل التوصل إلى توقيع اتفاقية شاملة بين لبنان والأونروا لتحل محل الرسائل المتبادلة في سنة 1954، بما يعيد تنظيم علاقة الدولة اللبنانية مع الأونروا، وفقا للأعرف الدولية، وأسوة بما هو معمول به مع الدول العربية المضيفة الأخرى.

= = =

الهوامش

[27] يندرج اللاجئون الفلسطينيون تحت ولاية الأونروا، وهذا ما يميزهم عن بقية لاجئي العالم الذين يقعون تحت ولاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. إن محاولات إدراج اللاجئين تحت حماية المفوضية ستؤدي إلى طمس خصوصية وضع اللجوء الفلسطيني، حيث أن الحلول الدائمة المعتمدة من قبل المفوضية لحل مشكلة اللاجئين عامة (الاندماج في بلد اللجوء، أي البلد الثاني أو التوطين في بلد ثالث) لا تراعي هذه الخصوصية، كما تهدد حقهم في العودة.

[28] أعلن المفوض العام للأونروا أمام اجتماع اللجنة الاستشارية للأونروا في عمّان في 2018/6/18-16، أن الأونروا نجحت في خفض عجز الموازنة للنصف الثاني من سنة 2018 من مبلغ 446 مليون دولار إلى 250 مليون دولار بفضل تبرعات حصلت عليها من بعض الدول الخليجية ودول أجنبية أخرى. وحاليا يسود التفاؤل أوساط الأونروا بإمكانية تجاوز الأزمة المالية إثر نجاح جهود المفوض العام للأونروا في أعقاب انعقاد مؤتمر نيويورك للدول المانحة في 2018/6/25، في خفض عجز الموازنة إلى 217 مليون دولار.

= = =

الغلاف الداخلي للدراسة

غلاف دراسة حول أونروا

الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2018.

عنوان موقع أونروا للمزيد من المعلومات عنها والخدمات التي تقدمها:

https://www.unrwa.org/ar


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 694890

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC