جابر سليمان - فلسطين

ماجد أبو شرار: 36 عاما على الغياب

كلما أمعنت في الغياب أمعن فينا حضورك: خواطر من وحي الذكرى السنوية السادسة والثلاثين لغياب ماجد أبو شرار

هذه المقالة هي حصيلة ما قدمنه في اللقاء الذي أجرته معي قناة " فلسطين اليوم" في الذكرى (36) لإستشهاد ماجد أبو شرار، وبثت بتاريخ (12/10/2017)، وما قدمته في اللقاءالشبابي الذي نظمته مؤسسة ماجد أبو شرار الإعلامية في مركز معروف سعد الثقافي/صيدا (15/10/2017).

حلت في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 الذكرى السنوية السادسة والثلاثين لاغتيال المناضل الفلسطيني، ماجد أبو شرار، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ومسؤول الإعلام الموحد في منظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف)، الذي استشهد فجر يوم الجمعة 1981/10/9 في روما أثناء مشاركته في المؤتمر العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وضمن نشاطات إحياء ذكراه هذا العام، أقيمت ندوات، وصدرت بيانات، وخصصت برامج تلفزيونية للحديث عن الشهيد ومناقبه، ودوره المهم في الثورة الفلسطينية. الكاتب، جابر سليمان، عايش مرحلة الشهيد وعرفه عن قرب. وقد تحدث عنه في ندوة أقيمت في صيدا (2017/10/15) ، وفي برنامج تلفزيوني شارك فيه الباحث جهاد صالح بثته قناة فلسطين اليوم.

جابر سليمانالثورات الوطنية والثقافة

كل الثورات الكبرى في التاريخ (الثورة الفرنسية، ثورة أكتوبر الروسية، الثورة الصينية) كانت تمتلك مشاريع ثقافية كبرى عبر عنها مفكروها ومثقفوها وأدباؤها وقادتها الثوريون. والثورة الفلسطينية، كحركة التحرر وطني، بما لها من وزن أخلاقي كبير وبعد إنساني رحب، بدأت في مرحلة صعودها في استقطاب العديد من المفكرين والأدباء والمثقفين الفلسطينيين والعرب والعالميين، الذين أسهموا في رسم المعالم الأساسية لمشروعها الثقافي ذو الأبعاد الإنسانية.

ولكن الحركات الوطنية التي تتراجع عن أهدافها الإستراتيجية تتعرض للتفكك المعنوي والأخلاقي، كما يتعرض مشروعها الثقافي للانتكاس. وهذا ما حصل لحركة التحرر الوطني الفلسطينية، بسبب مسلسل التراجعات عن أهدافها الإستراتيجية، منذ توقيع اتفاقات أوسلو، على أقل تقدير، حيث تحولت من حركة تحرر وطني تناضل من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني إلى حركة استقلال وطني تسعى جاهدة لإقامة دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين، رغم الطريق المسدود الذي يواجهه خيار حل الدولتين على أرض الواقع.

لم يكتمل المشروع الثقافي لحركة التحرر الوطني الفلسطينية، حتى بتنا في حاجة إلى إعادة "تعريف" فلسطين نفسها. ولكن الإرث الثقافي الذي راكمته هذه الحركة في مراحل صعودها سيبقى زادا ثوريا تتغذى منه الأجيال اللاحقة وتبني عليه من أجل إعادة تجديد وإنتاج المشروع الوطني الفلسطيني ومواصلته، جيلا بعد جيل، حتى تحقيق غايته الكبرى.

وغني عن القول أن ماجد أبو شرار، إلى جانب جيش كبير من المفكرين والمثقفين والأدباء والشعراء الحالمين كانوا في قلب المشروع الثقافي لحركة التحرر الوطني الفلسطينية. وهنا تكمن أهمية إحياء ذكرى شهداء الفكر الثوري والكلمة المقاتلة أمثال ماجد، وغيره من المناضلين الفلسطينيين العرب والأمميين، ممن أغنوا النضال الفلسطيني بتضحياتهم وعطاءاتهم، والذين يضيق المحال هنا لذكرهم، حيث أننا نتحدث هنا عن ماجد أبو شرار نموذجا.

ومن وحي الذكرى السادسة والثلاثين لاستشهاد ماجد أبو شرار، نتحدث هنا عن واجبنا الأخلاقي تجاه قوافل شهداء الحركة الوطنية الفلسطينية، أكانوا فلسطينيين أم عربا، أم مناضلين أمميين، ممن قدموا أرواحهم على مذبح القضية من أجل فلسطين، ونتساءل: هل قمنا ونقوم بواجبنا في تخليد ذكراهم؟ هل حافظنا ونحافظ على مكانتهم في ذاكرة الأجيال اللاحقة؟ وهل يحتلون المنزلة التي يستحقون في سردياتنا اليومية وفي إنتاجنا الأدبي وأبداعنا الفني، كما في الكتب المدرسية والبرامج التثقيفية والتربوية لمؤسساتنا الأهلية؟ فما أحوجنا اليوم إلى عودتهم واستعادة ذكراهم.

ماجد أبو شرارماجد السياسي والمثقف

جاء ماجد إلى السياسة والعمل الوطني من باب الثقافة الواسع بعد عمله لسنوات في مجال التدريس وفي ميدان الصحافة اليومية في الأردن والسعودية، بما في ذلك تجربته في مجال القصة القصيرة، فكان القائد السياسي المثقف والقائد الوطني الديموقراطي واسع الأفق المنفتح على الحوار ومختلف الاتجاهات والأفكار التي تتميز بها مرحلة التحرر الوطني.

وفي هذا السياق يقول الروائي الأردني المناضل غالب هلسة: "عندما أسترجع صورة الكثيرين من السياسيين العرب يتأكد لي أن هناك عداء أبديا بينهم وبين الثقافة، وأن جهل غالبيتهم يتم إخفاؤه من خلال عمليات تجميل يقوم بها علماء الدعاية والإعلام. لذلك كان بروز قائد سياسي مثقف كماجد يستدعي حسما سريعا من جانب أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية. وهذا ما حدث بالفعل".

ويضيف غالب: إن أهمية ماجد أبو شرار، كظاهرة، ترتكز على بروزه في القلب المسلح للثورة العربية، وأعني الثورة الفلسطينية؛ وكونه المركز المهم الذي تلتقي حوله وعبره القوى الديموقراطية الفلسطينية واللبنانية والعربية؛ وكونه ظاهرة انفتاح سياسي لا يحدها ضيق أفق قبلي أو تقوقع.

نعم، برز دور ماجد كإعلامي متميز وقائد وطني ديموقراطي في مرحلة صعود حركة التحرر الوطني الفلسطيني على الصعيد العالمي، عقب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، وتبوؤها مكانة قيادية وسط حركات التحرر العالمية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التي تناضل من اجل التخلص من بقايا الاستعمار والديكتاتورية والهيمنة الإمبريالية. وفي هذا السياق تميز ماجد بانفتاحه الديموقراطي وبقدراته الفذة على الحوار والتلاقي مع الآخرين على اختلاف آراءهم واتجاهاتهم، ما جعله بالفعل مركز استقطاب للقوى الديموقراطية الفلسطينية واللبنانية والعربية، وجسر تواصل مع قوى اليسار العالمي.

ويؤكد العديد من زملائه ورفاقه هذه السمات التي تحلى بها ماجد حقا. قال الصحفي اللبناني الكبير جوزيف سماحة: "أن تعرف ماجد أبو شرار يعني أن تحبه، فالرجل يمتلك قدرة خاصة على التواصل، وهو منفتح للنقاش إلى الحدّ الذي يسمح للبعض بانتقاده بتهمة أن ذلك هو انحراف مهني، إعلامي لا يجوز لمن يتبوأ المراكز القيادية الحساسة أن يقع فيه. وهو من الذين ينفردون بمواقف وسياسات تجعله قادرا على أن يخاطب، في آن واحد، "القومي" و"الوطني" و"التقدمي" في كل واحد منا، مقيما جسرا من التفاهم بين قوى أصبحت الجسور التي تربطها ببعضها مهددة".

وخير من عبّر عن دور ماجد في تمتين عرى التحالف وتعزيز اللحمة بين النضال الوطني الفلسطيني واللبناني هو محسن إبراهيم، أمين عام منظمة العمل الشيوعي في لبنان، الذي خاطب ماجد بعد استشهاده بالقول: "إنني أعتبرك لبنانيا في الثورة الفلسطينية، مثلما أعتبر نفسي فلسطينيا في الحركة الوطنية اللبنانية، بعدما أصبحت الفلسطينية واللبنانية ليس مجرد جنسيتين، بل هويتين تختزلان اليوم الهوية القومية العربية كلها".

وفي السياق ذاته يؤكد الكاتب اللبناني كريم مروة المعنى السابق عينه في رثاء ماجد، فيقول: "نشعر نحن الوطنيون اللبنانيون في هذه اللحظات التي يغيب فيها ماجد، أننا نفتقد واحدا منا، واحدا من حركتنا الوطنية، جنديا وقائدا، تجسدت في مواقفه وحدة الكفاح الوطني اللبناني الفلسطيني".

أما الصحفي الفلسطيني المعروف، بلال الحسن، فيشير إلى دور ماجد المثقف العضوي المشتبك بالمعنى الغرامشي (*)، الذي يزاوج بين الفكر والممارسة، فيقول: "ماجد دفع ضريبة النضال العلني، فللقضية فدائيوها في الأودية والمغاور، ولكن لها هذا النوع الخاص من الفدائيين الذين يذهبون إلى ساحة الخصم نفسها، ليخوضوا معركة الإقناع والمنطق. وهي مبارزة لها ثمنها الفادح".

ماجد السياسي: محطات فارقة

البرنامج المرحلي: أحدث تبني البرنامج المرحلي الذي تبناه المجلس الوطني الفلسطيني في عام 1974 انقساما حادا في الساحة الوطنية الفلسطينية بين قابل ورافض. وكان ماجد من بين المتبنين لهذا البرنامج، لأنه كان يؤمن بمرحلة النضال، ولكن من دون التخلي عن الأهداف الاستراتيجية للنضال الوطني الفلسطيني. وقد قال حينها إن البرنامج المرحلي يحتاج إلى ثلاثين عاما من النضال من أجل تحقيقه، وأن التسوية ليست "مطبوخة"، وليست جاهزة، من دون أن يغفل التركيز على الحل الاستراتيجي التاريخي العادل والشامل.

وعلى أية حال، أكد بعض رموز التيار الديموقراطي في حركة فتح بأن ماجد قد أجرى مراجعة نقدية لموقفه السابق المتبني للبرنامج المرحلي، قبيل خوض معركة المؤتمر الرابع لحركة فتح (1980)، في سياق محاولته رص صفوف هذا التيار وقيادته في تلك المعركة. ومن المعروف أن ماجد قد نجح في تلك المعركة، حيث أنتخب عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح، كما وصل عدد من رموز التيار إلى عضوية المجلس الثوري للحركة.

مبادرة الأمير فهد: في نيسان 1981 دعا وزير الخارجية الأمريكي ألكسندر هيج إلى قيام شرق أوسط جديد وحلّ الصراع العربي الصهيوني، من أجل مجابهة ما أسماه بالتدخلات والتهديدات السوفياتية في المنطقة. وجاء الردّ فورا من الرياض، حيث أعلن الأمير فهد ولي العهد آنذاك مبادرته المكونة من ثماني نقاط، أخطرها النقطة السابعة المتعلقة بحق كل دول المنطقة في العيش بسلام، أي الاعتراف بوجود دولة إسرائيل.

رفضت المبادرة من قبل م ت ف على لسان فاروق القدومي، بينما حذر رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة، ياسر عرفات، يومها من أن رفض المبادرة سيرفع الغطاء العربي عن الثورة الفلسطينية، داعيا إلى التعامل التكتيكي معها. وقد رفضتها غالبية كوادر فتح. وكان ماجد أبو شرار رأس الحربة في التصدي للمبادرة بنقاطها الثمانية، وخاصة النقطة السابعة. ولكن ما لبثت أن سحبت السعودية المبادرة في قمة فاس (تشرين الثاني 1981)، لتعود إلى طرحها وفرضها في القمة العربية المنعقدة في بيروت (2002) بشكلها الجديد القديم، تحت اسم " مبادرة السلام العربية".

ماجد والكتابة

يمكن تصنيف تجربة ماجد مع الكتابة، الفكرية/السياسية والإبداعية منها إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل تفرغه للعمل النضالي والتنظيمي في صفوف حركة فتح عام 1967، حيث مارس ماجد الكتابة الصحفية والأدبية في صحيفة "الأيام" السعودية عندما كان يعمل مدرسا هناك، وفي مجلة "الأفق الجديد" المقدسية، التي نشر فيها معظم القصص القصيرة التي نشرت في مجموعة " الخبز المرّ لاحقا.

مجموعة الخبز المّر الصادرة عام 1980 تضم 12 قصة كتبت في فترة 1954-1964. وقد نشرت هذه القصص أو معظمها في مجلة "الأفق الجديد" المقدسية. وهذه القصص لم تكن سوى بدايات لم تتح لها ظروف حياة القاص ماجد أن تبلغ مداها. ولكن إذا ما وضعت في سياقها التاريخي وفي سياق حياة قائد سياسي، فهي تكتسب دلالات عميقة تتعدى إمكاناتها الفنية والجمالية المضمرة.

المرحلة الثانية، الأردن: منذ العام 1968 أصبح ماجد مسؤولا عن إعلام حركة فتح، وجريدة فتح، واشتهر بزاويته الساخرة في الجريدة تحت عنوان "جدا .. جدا"، التي كانت من دون توقيع. كما كتب فيها العديد من الريبورتاجات الآسرة عن عمليات الفدائيين في الأغوار وفي عمق الضفة الغربية.

المرحلة الثالثة، بيروت: بعد الخروج من الأردن، انتقل كادر جريدة فتح إلى بيروت ليصدر مجلة " الثورة الفلسطينية"، الناطقة باسم م ت ف التي كان يشرف عليها ماجد سياسيا. وتولى ماجد مسؤولية " الإعلام الموحد" منذ العام 1973، كما تحمل مسؤولية جهاز التفويض السياسي في قوات العاصفة. وقد ازدادت مسؤولياته التنظيمية في مرحلة بيروت، حيث كان أمين سر المجلس الثوري للحركة (1971-1980)، قبل أن يصبح عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح منذ المؤتمر الرابع للحركة (1980)، وعضو القيادة العليا للأراضي المحتلة. هذا إلى جانب مهامه عضوا في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين منذ العام 1972.

كل هذه المهام في تلك المرحلة الصاخبة بالتحولات حالت دون تفرغه للكتابة الأدبية وحتى الكتابة الفكرية والسياسية، مع أنه أنجز عددا من المقالات السياسية، أو كتب مقدمات لبعض المنشورات السياسية والتعبوية. وعلى سبيل المثال لا الحصر تقديمه لكراس "نضال الفلسطينيين: طرقه، حلفاؤه وأعداؤه" (صدر بدون أسم مؤلف، أو تاريخ). وقد علمت من صديق ماجد، الباحث الفلسطيني جهاد صالح المقيم حاليا في رام الله أنه جمع في كراس واحد أربع مقالات سياسية لماجد.

في تلك الفترة أيضا انشغل ماجد بتأسيس مدرسة الكادر، كما انشغل بالتثقيف السياسي للقوات وبالتواصل مع الإعلام العربي والغربي وبتنظيم فعاليات التضامن مع الثورة الفلسطينية (ندوات، مؤتمرات، زيارات وفود إلى الخارج، لقاءات رسمية مع قيادات حركات التحرر العالمي ومسؤولي الدول التي أقامت علاقات مع م ت ف). في تلك المرحلة تكلم ماجد أكثر ممّا كتب: خطابات، مقابلات صحفية، حوارات، مناظرات، إلى آخره.

ولكن لم يفارقه هاجس التوق إلى الكتابة الإبداعية حتى أخر أيام حياته. هذا ما تؤكده سماء، ابنة ماجد، فتذكر في المقدمة التي كتبتها للطبعة الجديدة من مجموعة "الخبز المرّ":

"لمّا أتقاعد بدي أرجع على فقاقيس أبني بيت وأقعد أكتب"، جملة كررها ماجد أمامنا ونحن أطفال أكثر من مرة. كنت أسأله في كل مرة عن فقاقيس فيبدأ بالتغزل بهذه القرية النائمة على تلة عالية في الخليل نستطيع منها رؤية البحر. "ولكن الخليل ما فيها بحر؟" كنت أتسائل، فيصر على أننا نستطيع رؤية بحر غزة من هناك. لم أفهم في حينها كيف بإمكاننا رؤية بحر غزة من الخليل ولكني كنت ألتزم الصمت على مضض في كل مرة ليعيش ماجد حلمه.

لدى زيارتي الأولى إلى فلسطين، تقول سماء، قصدت أن أزور فقاقيس لأكتشف هذه القرية التي كان يريد ماجد أن يتقاعد فيها ليكتب".

وتتابع سماء: "وقفت هناك مسحورة لدقائق، ربما كانت المرة الأولى التي أفهم فيها سبب تعلقه بالقرية التلة، رأيت بأم عيني ما كان ماجد يحاول أن يشرحه لنا طوال تلك السنوات عن فقاقيس وتلتها التي أراد بناء بيت عليها. فقاقيس هي فلسطين التي غادرنا ماجد باكرا من أجلها".

كان ماجد يتوق للعودة إلى الكتابة. وفي هذا الصدد، يذكر الروائي يحيى يخلف في مقدمته للطبعة الأولى من مجموعة " الخبز المرّ" أن ماجد كان يقول دائما: "أتمنى أن يتاح لي الوقت الكافي للعودة إلى كتابة القصة.. لكتابة التجربة النضالية، التي اختزنتها طوال هذه السنوات الطويلة".

وفي هذا السياق ينوه القاص رشاد أبو شاور ببراعة ماجد في الحديث وميله للسخرية وقدرته على (الحكي) والقص الشفوي.

هل يعود الشهداء؟

رُبّ قائل إن الشهداء لا يغيبون عن دنيانا أصلا حتى نتساءل عن إمكان عودتهم. هذا لأنهم يسكنون شغاف القلوب ومُقل العيون، ولإنهم ملح الأرض وأديمها الخصب، والذين لولاهم لما إخضرّت الحقول، ولما إزدهت الوديان بشقائق النعمان والزنابق، ولما تكللت هاماتها بندى الصباح، ولما هبّت نسائم البحر في ليالي الصيف القائظة، ولما ازدانت السماء بالنجوم الزاهرة. وهكذا فهم بيننا أينما التفتنا وتطلعنا.

ولكن رُبّ من يقول بأن هذه ليست سوى صورة شعرية متخيلة للشهادة والشهداء الذين يرحلون ولا يعودون، سوى في ذكرى غيابهم، إذا ما وجدوا من يستعيدها. وقد لا يجدون من يحيي ذكرى غيابهم سوى قلة من أهلهم ومحبيهم من رفاق مسيرتهم النضالية، حتى لا يطويهم النسيان ويغيبون عن الذاكرة الجماعية المتوارثة عبر الأجيال.

رحل ماجد على عجل. وفي هذا يقول الشاعر معين بسيسو:

أهذا أوان الرحيل؟

وكل الخيول الجميلة ترحل مسرعة،

في الطريق الطويل

هو الموت لا يعرف المستحيل.

سلام عليك

سلام العصافير حبلى بتين الخليل.

كما غاب فجأة ودون استئذان، كأنما في الأمر دعابة. وفي هذا يقول الشاعر أحمد دحبور:

لعلّ دالية ستحلم أنها حلمت بكابوس

ثقيل

ولعلها إحدى الدعابات الفظيعة

مثلما لو قلت أن الشمس لن تصل الخليل.

في الذكرى السادسة والثلاثين لغيابك يا ماجد نقول بحسرة: كلما أمعنت في الغياب أمعن فينا حضورك.

= = =

(*) نسبة إلى المفكر اليساري الإيطالي، أنطونيو غرامشي.

عود الند يافطة العدد الفصلي 8

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 431559

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC