عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 12: ربيع 2019 » داهمنا الوقت يا بسام

جابر سليمان - لبنان

داهمنا الوقت يا بسام

رحيل الكاتب بسام الهلسة


بسام الهلسة

انتقل إلى رحمته تعالى الكاتب والشاعر الفلسطيني، بسام حسين سلامة الهلسة، يوم الثلاثاء، 25/12/2018، وشيع جثمانه في الأردن في اليوم التالي.

ويوم السبت، 2 شباط (فبراير) 2019، أقيم في مقر نقابة الصحفيين الأردنيين حفل تأبين للفقيد.

الباحث الفلسطيني، جابر سليمان، من أصدقاء الكاتب الراحل، وقد شارك في تأبين صديقه بالنص التالي.

.

داهمنا الوقت يا بسّام: عذرا إن كنا قد خذلناك

(1)

بسام أم أبو جرّاح؟ بماذا تحب أن أناديك أيها الصديق المغيّب وراء غلالة الموت؟ "أبو جراح" هو الاسم الذي كنت تُحب أن تُنادى به دائما. وهذا ما كنت أناديك به، محيّيا، عبر الهاتف في كل مرة يفيض بي الشوق من بيروت للتحدث إليك في عمان.

في السنوات الأخيرة من حياتك القلقة المشدودة كوتر، لم تتوقف عن الإبداع والعطاء، لأنك كنت تخشى دائما أن يداهمك الموت في أي لحظة ومن غير ميعاد. من نَكد الدنيا على المرء أن يتعايش مع الموت. وهذا ما فعلته بصبر واقتدار.

كنت والموت في علاقة فريدة وعجيبة، تعانده حينا، تستمهله حينا آخر، وتتلو عليه، في كل حين، مزاميرك المترعة بالحب وأشواق الحياة.

ولكن أنّى للموت أن يطرب لأناشيد الحياة؟! جاء في ليلة الميلاد بالذات، ليلقي بردائه الثقيل على حياة فتى شجاع صارعه، بروح وثابة، حتى الرمق الأخير، قبل أن تخونه دقات قلبه. فكيف للموت والميلاد أن يلتقيا في لحظة واحدة؟ يا للمفارقة!

(2)

منذ عشرة أعوام (حزيران 2010)، وفي إحدى مقالاتك بعنوان "أرجو المعذرة: داهمني الوقت" كتبت تقول: "الصراع على الوقت والاستحواذ عليه كان وما يزال إحدى مجالات الصراع البشري". ومن يومها وأنت تصارع الوقت ولم تسكت عن الكلام "غير المباح". وهذا ما تشهد به كتاباتك الأدبية ومقالاتك الفكرية والسياسية المتنوعة والعديدة، التي تعكس شمولية وعمق وغنى تكوينك الثقافي.

كنت حرّا جريئا في قول ما يتردد الكثيرون في قوله خوفا من سلطان، أو طمعا في موقع أو جاه أو نفوذ. الفروسية بعض من طبعك المتمرد، الذي لم يكن يركن يوما إلى المألوف. ولا عجب في أنك كنت شغوفا بأبي الطيب المتنبي، الذي ربما أودت به فروسيته وثباته على موقفه. وهذا، ربما، سرّ إعجابك أيضا بفروسية عنترة بن شدّاد الذي اعتبرته مثلا في "الكفاح لنيل الحرية والاعتراف".

(3)

جابر سليمان

بدأت علاقتنا في النصف الأول من عام 1983، إثر خروج المقاومة من بيروت، وبداية الانقسام الفلسطيني في حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبعد عودتك إلى الشام التي كنت تعشقها، وبقيت على عشقها حتى أيامك الأخيرة.

توطدت علاقتنا من خلال عملنا المشترك في جهاز الإعلام الموحد. ومن يومها رأيت فيك الفتى الواعد اللماح الشغوف بالمعرفة واجتياز الحواجز الذهنية التي تعطل التفكير النقدي واجتراح الأفكار غير النمطية.

كنت على الدوام تؤمن بقوة الأفكار وقدرتها على التغيير، إذا ما توفر لها "الحامل الاجتماعي"، القادر على تحويلها إلى طاقة حركية وفعل ملموس في أوساط الناس العاديين، مادة التغيير وأداته، وليس في أوساط النخب فحسب.

وهنا أقول بكل صدق وحسرة إن أفكارنا الجميلة وأحلامنا المغدورة في التغيير والخروج من أزمة منظمة التحرير الفلسطينية، والعمل الوطني الفلسطيني، في تلك المرحلة كان ينقصها هذا الحامل الكفيل بتحويلها إلى قوة نضالية محركة تنشئ تغييرا في المعادلة الوطنية، كما كانت تفتقد إلى الشرط الموضوعي الذي تحتاجه، لا محالة، أرادة التغيير.

أجهضت الفكرة بفعل عوامل موضوعية وذاتية، ليس وقت تفصيلها في هذا المقام، وبغض النظر عن وزن كل منها ودوره في إجهاضها. لكن "فكرة التغيير" لم تفقد مصداقيتها وضرورتها التاريخية في ذلك الوقت، ولا الآن، بدليل ما تشهده الحركة الوطنية الفلسطينية، اليوم، من انهيار وتحلل وتفكك معنوي وأخلاقي في مواجهة المشروع الصهيوني، المأزوم، ولكن المتقدم، بفعل ضعف وتفكك، أو لنقل بمزيد من الصدق، هزيمة تلك الحركة بتعبيراتها وتجلياتها المأساوية الراهنة.

وما أحوجنا اليوم إلى "الفكرة الوطنية الجامعة" القادرة على إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني على أسس راسخة تتمثل وتستوعب تراث التجربة السابقة، بإنجازاتها ونجاحاتها وإخفاقاتها وانكساراتها.

جمعتنا الفكرة أيها الصديق بسام. ورغم خيبة الأمل التي منينا بها في المرحلة إياها وافتراقنا بين الأردن ولبنان، واصلنا، مع غيرنا من "القابضين على الجمر" العمل من أجل تحقيقها، كل على طريقته وبوسائله الخاصة.

لكن والحق يقال، أنك أبدعت في مرحلة الافتراق وعلى كل الصعد الفكرية والأدبية والثقافية، بعد أن أنضجتك التجربة، وأضيف بأسى، رغم الوجع والألم الإنسانيين غير العاديين الذين تعرضت لهما في سنيّ حياتك الأخيرة، جرّاء الوحدة والفراق القاسي عن فلذتي كبدك، وبسبب انعدام الحس الإنساني.

(4)

كنت أتابعك عن بعد من خلال أحاديثنا المتواترة عبر الهاتف ولقاءاتنا المباشرة في المرات القليلة التي أتيح لي فيها زيارة عمان. أشهد بأنه رغم ما تعرضت له من أذى قسوة، لم يكسرك وجع القلب ولا تعب الروح، ولم يثنيانك عن مواصلة البذل والعطاء. أولست القائل: "لم أبك في حياتي [بعد البكاء على رحيل عبد الناصر] سوى ثلاث مرات: مرة في موقف غيظ وقهر، ومرتين إثر وفاة عزيزين رحلا فجأة إلى الأبد"، مضيفا: "كم مرة أوشكت أو هممت، أو هكذا ظننت، ولكنك لم تستطع وظلت دموعك مكابرة، لا تريم".

وحتى لا أضفي عليك أيها الصديق النبيل صفات أسطورية "فوق إنسانية"، بمعنى أكبر من قدرة الإنسان، أي إنسان، على التجلد والصبر ومعاندة الأقدار، أقول بحسرة: وجدتك في زيارتي الأخيرة لعمان أواخر العام الماضي متعبا وحزينا ويائسا من إمكانية العثور على طوق للنجاة من معضلة "القلب"، الذي قرر بعد طول عناء أن يستريح.

عيناك كانتا محاطتين بهالة من الحزن الشفاف والنبيل والبكاء المكتوم الذي يختزن تجربة حياتك كلها بحلوها ومرّها: "ترغب في البكاء، لكنك لا تجد صدرا تبكي عليه". يومها وجدتك تتوق إلى البكاء من دون أن يفارق عينيك ألق الحياة وجوهرها النابض في الخلايا والعروق.

(5)

إنه زمن المراثي يا رفيق، كنت دائما وفيا لرموز الفكر والثقافة والأدب والوطنية الفلسطينية العابرة للهوية، ممن رحلوا، وإن ظلوا نجوما ساطعة في سماء فلسطين العربية، مثل: غسان كنفاني، يوسف الخطيب، محمود درويش، غالب الهلسة، أمل دنقل، ماجد أبو شرار، محمود درويش، بهجت أبو غربية، عبد الوهاب المسيري، وغيرهم، فكتبت في ذكراهم، وعمّا يستحقونه منا من وفاء.

وقد استوقفني، بشكل خاص، ما كتبت في الذكرى السنوية الثلاثين لاغتيال ماجد أبو شرار، المثقف والمناضل الجميل، العزيز بشكل خاص على قلبينا معا: "وجدتني أبكي في جنازتك. كم كانت بيروت ضيقة وقتها! ولعلني لُمتك على ما فعلت: لمَ صدقت نداء روما؟ ولكن: هل يلام الغيم في ترحاله؟"

في رحيلك أيها الصديق العزيز ربما علينا أن نلوم أنفسنا، ففي غمرة الانشغال بهموم الحياة الصغيرة، ربما لم نلتفت، بما فيه الكفاية، لبكائك الصامت، ولشكوى روحك المتعبة، جرّاء ما تعرضت له من ظلم وقسوة.

نفتقدك، ولكن عزاؤنا أنك تركت فينا من عذب الكلام وحلو الحديث ما ينعش ذاكرتنا دوما، بأن هناك فتى شفافا رقيق الروح كإشراقة الصباح، عاش بيننا بنُبل، ولم يخذلنا يوما.

داهمنا الوقت يا بسام؛

وعذرا إن كنا قد خذلناك.

= =

جابر سليمان

صيدا، 16/1/2019

= = =

الفيديو أدناه جزء من محاضرة للفقيد بسام الهلسة أقيمت في رابطة الكتاب الأردنيين عام 2012 تحت عنوان: محمد علي باشا: الإقليم والقيادة، وقد تحدث فيها عن التجربة النهضوية الأولى في الدول العربية في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

1 مشاركة منتدى

كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق