أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 53: 2010/11 » الشاعر الجزائري جان عمروش: يوغرطا الخالد

كريمة الإبراهيمي - الجزائر

الشاعر الجزائري جان عمروش: يوغرطا الخالد


(*) يوغرطا (Jugurtha): بطل أمازيغي. حفيد ماسينيسا، مؤسس المملكة النوميدية التي كانت تضم الجزائر وجزءا من تونس والمغرب.

.

تُعتبر الجزائر من البلدان التي رسمت تاريخ كفاحها بالسلاح والقلم، فخلُدت ثورتها بما قدمته من شهداء، وخلُد أدبها بما كتبه أبناؤها من أعمال ظلت شاهدة على رسالتهم الفكرية والحضارية.

والمتمعن في تاريخ الجزائر يدرك عمق ثقافة هذا البلد وما قدمه في سبيل الحرية. وعبر مراحل كثيرة مر بها تاريخها، كان الشعر وكانت الرواية جنبا إلى جنب. وكان الهدف واحدا: مناهضة الاستعمار الفرنسي الذي حاول وبكل ما يملك من قوة سلاح وثقافة أن يمحو أصالة وعروبة هذا الوطن ويجتث أصوله.

لقد جاءت كتابات الروائيين الجزائريين باللغة الفرنسية لتشرح وضعية الجزائريين تحت نير الاستعمار، وتعرف ببؤس هذا الشعب الذي اغتصبت فرنسا أرضه، فكانت هذه الروايات وخاصة في الأربعينات لمحمد ديب وغيره من الأعمال التي كان رفضها للاستعمار بصور عديدة، وظل هذا الرفض في كل الأعمال التي جاءت بعد هذه المرحلة، وصولا إلى مرحلة اتفاق كل الأحزاب الوطنية على المطالبة بحقوق الشعب الجزائري وباستقلاله.

جان عمروش

وفي هذه المرحلة المتقدمة من التصميم على استقلال الجزائر، كان جان عمروش ألمع اسم ظهر في سماء الشعر. هذا الشاعر المنفي داخل وطنه، والذي ظل ممزقا بين وطنين: الجزائر، وطنه الأصلي، وفرنسا، الوطن الذي انتمى إليه بالتبني، ليظل باحثا عن ذاته بين وطنين حاول الانتماء إليهما، وطن يمثل أصوله ووجوده الأمازيغي وظل غريبا عنه، ووطن حاول الاندماج فيه وظل غريبا عنه أيضا.

يُعتبر جان عمروش من أكبر شعراء الجزائر الذين كتبوا باللغة الفرنسية. كان موهوبا في التعبير بهذه اللغة، كما كان مناضلا بقلمه في سبيل قضية بلده، وكانت أخته مارغريت، طاوس عمروش، كاتبة أيضا، وهي التي يؤرخ بها للرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية، وصاحبة رواية الزنبقة السوداء.

ولد جان موهوب عمروش في 7 7 فيفري (شباط/فبراير) 1906 بمنطقة الصومام التاريخية التي احتضنت مؤتمر الصومام عام 1956 لجعل الثورة تعم كل مناطق الوطن. كانت أسرته كاثوليكية، وأغلب الظن أن والديه من بقايا ما يسمون بالآباء البيض، وهم فرقة كونها الكاردينال لافيجري (Lavigerie) منذ ستينيات القرن لأجل تنصير إفريقيا وتعليمها المسيحية واللغة الفرنسية.

عمل جان عمروش مدرسا ونشر الكثير من القصائد بالمجلات التونسية حيث كان يقيم. في عام 1943 عاد الشاعر إلى الجزائر واشتغل بالإذاعة الفرنسية آنذاك. قدم العديد من البرامج وترأس مجلة الإذاعة عام 1958 وأقيل من منصبه عام 1959 لمواقفه السياسية التي تعادي فرنسا.

JPEG - 7.7 كيلوبايت
غلاف: جان عمروش

ما يُذكر عن الشاعر جان عمروش أنه توسط بين فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والجنرال ديغول، رئيس الجمهورية الفرنسية. يقول عنه الباحث الفرنسي جان ديجو: "قد التزم جان عمروش روحا وجسدا طيلة حرب الجزائر لشرح الجزائر لفرنسا، وفرنسا للجزائر"، حيث أشار إلى هذا الحدث الذي آلمه كثيرا عام بجنيف 1961 إثر مفاوضات ايفيان بقوله: "لا أحد من المتفاوضين يعتبرني منه، أو يتشرف بي، فلا إشارة من ديغول ولا حتى وصل استلام من باب الأدب. أما الآخرون فالموت أفضل إليهم من أدنى إشارة إلى كتاباتي" (1).

إنه الالتزام الذي اختاره كل الكتاب الجزائريين لأجل أن يوصلوا أفكارهم الرافضة للمستعمر ولأجل أن يعرفوا العالم بكل ما يجري في الجزائر بعد الصورة المعتمة التي قدمها الاستعمار عنها، ولأجل أن يعرفوا بما يعانيه هذا الشعب الذي تحمل كل القهر والجوع والموت فقط من أجل حريته وكرامته.

جان عمروش المثقف

كتب الشاعر باللغة الفرنسية، وهي اللغة التي أعلن أنه إذا كان الإنسان في وضع المستَعمَر فإنه يكون مرغما على الكتابة بلغة المستعمِر. يقول جان عمروش: "عندما تكون في وضعية المثقف المستعمَر، تكون مرغما على استعمال هذه اللغة المستعارة لك"(2).

هو الاستعمار إذن الذي فرض لغته على المثقف الجزائري ليجعل منه تابعا له. وهكذا وجد هذا المثقف نفسه مرغما على الكتابة بغير لغته ليجسد أفكاره ويعبر عن مشاعره. والمستعمر إذا سمح لهذا المثقف بأن يستعمل لغته، فإنه لن يسمح له بأن يستعملها ضده بل أن يوظفها فقط في مدحه، وكل خروج عن هذه المهمة هو خروج عن فكر المستعمر وإرادته.

وفي حديثه عن اللغة الفرنسية يقول جان عمروش: "ويجب أن تستعملها في ميدان واحد فقط وهو أن تمدح إلى ما لا نهاية المستعمِر، وحالما تريد استعمالها في المواجهة والنقد، فتعتبر بأنك انتهكت الحرمات، وتعتبر هذه الفعلة لؤما، لأنهم يجعلونك دائما تسمع بأنه إذا كانوا قد سمحوا لك بتعلم الفرنسية ليس هذا معناه أن تحول هذه اللغة ضد المستعمِر. كم من مرة قيل لي: أنت الرضيع الذي يضرب مرضعته" (3). هكذا كانت نظرة الشاعر جان عمروش للغة الفرنسية التي يضطر المستعمَر لتعلمها والكتابة بها.

غلاف، جان عمروش

وبرغم ارتباط الشاعر بهذه اللغة إلا أنه لم يوظفها إلا في الدفاع عن إنسانية الشعب الجزائري وثورته من أجل حريته. هي اللغة التي كتب بها لا ليرضي فرنسا ولكن ليشرح لها أن الجزائر لن تكون فرنسية. وقد طال هذا الصراع الذي عاشه الشاعر وجسده في مقاله الشهير "يوغرطا الخالد" (L’eternel Jugurtha)، وهنا يقول جان عمروش: "فرنسا هي فكر روحي، والجزائر هي روح فكري"(4).

إنه الشاعر الذي تختزل روحه آلام شعبه فيقف ممزقا بين ما يريد التعبير عنه، وما يريد الاستعمار أن يفرضه عليه خاصة وهو الذي كان يعمل في إذاعة فرنسية، ويجري تحقيقات صحفية والتي أقيل منها عام 1959 بعد غضب المستعمر عليه اثر مواقفه الشجاعة في الحديث عن الثورة الجزائرية وإصراره على وقف التعذيب وإيجاد حل للقضية الجزائرية.

ويوغرطا بطل من أبطال الجزائر، وهو ذاك البطل الأمازيغي الذي ساهم في بناء مجد بلده. إنه حفيد ماسينيسا، مؤسس المملكة النوميدية العظيمة التي كانت تضم الجزائر وجزءا من تونس وجزءا من المغرب. ولد يوغرطا بمدينة سيرتا التي كانت عاصمة نوميديا، وتعرف اليوم بقسنطينة.

لقد تألم جان عمروش بما يكفي لأن يكون شاعرا بامتياز، وكانت نتيجة هذا الألم والتمزق حياة حافلة بالآلام تصلح لأن تكون قصة. وقد جسد هذا أيضا في قصته التي جاءت تحت اسم تاريخ حياتي (Histoire de ma vie)، التي نشرتها والدته عام 1968 والتي صدرت عن دار ماسبيرو (Maspero).

توفي جان عمروش 16 أفريل (نيسان/أبريل) عام 1962 بباريس بعد إصابته بسرطان الدم ليظل خالدا بشعره وبمواقفه التي ناهضت الاستعمار الفرنسي. توفي ليظل كما قال عنه جان ديجو: "لقد حاول أن يكون الجسر، أن يكون وسيلة اتصال، وقد بقي جان عمروش، إلى أن مات وقد مزقه الصراع، يوغرطا الخالد" (5). إنه بحق يوغرطا الخالد بما قدمه.

من أجمل قصائد الشاعر واحدة بعنوان "معركة الجزائر" (Le combat Algérien) يقول فيها:

Le combat Algérien معركة الجزائر
A l’homme le plus pauvre إلى ذاك الإنسان الفقير جدا
A celui qui va demi-nu sous le soleil إلى ذاك الذي سيعيش نصف وجوده تحت الشمس
dans le vent وفي الريح
La pluie ou la neige في المطر
A celui qui depuis sa naissance n’a إلى ذاك الذي منذ ولادته
jamais eu le ventre plein لم يشبع يوما
... ...
Nous ne voulons plus errer en exil نحن لن نقبل أبدا أن ننتهي في المنفى
Dans le présent sans mémoires et في ماض بلا ذكريات
sans avenir وبلا مستقبل
Ici et maintenant هنا، والآن
Nous voulons نريد أن نكون
Libres a’ jamais sous le soleil أحرارا، وإلى الأبد، تحت الشمس
dans le vent في المطر
La pluie ou la neige أو تحت الثلج
Notre patrie: L’Algérie. وأرضنا هي: الجزائر

= = =

الهوامش

1 = Jane Dejeux. La littérature Algérienne contporenne. p. 61.

2 = Arnauld, Jacqueline. La littérature maghrébine de la langue française.Tome 1. p. 81.

3 = المرجع نفسه، ص 81.

JPEG - 14.8 كيلوبايت
غلاف: جان عمروش

4 = ديجو، جان، المرجع السابق، ص 61.

5 = المرجع نفسه، ص 61.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010     A كريمة الإبراهيمي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  جوع ونصوص أخرى

2.  موعد مع حفيدة جنكيز خان

3.  كلمة العدد 08: عن محتويات العدد

4.  ملتقي يحتفي بعبد الرحمن الحاج صالح

5.  سَـــكـيـنـتـي


القائمة البريدية