عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 84 » سينما: فيلم المجهول

مهند النابلسي - الأردن

سينما: فيلم المجهول


فيلم "المجهول" (Unknown): مؤامرات وأبحاث وانتحال شخصيات وغسل دماغ وجاسوسية الحرب الباردة في قلب برلين

مهند النابلسيما أعجبني حقا في فيلم "المجهول" نبرة إيجابية (غير مسبوقة) في تناوله لسعي بعض الأثرياء العرب لتمويل مشاريع بحثية دولية ذات طابع إنساني.

فجأة نكتشف في آخر الشريط أن احتفالا عالميا سيعقد في أحد فنادق برلين الفخمة بمناسبة اطلاق مشروع بحثي عالمي يموله أمير سعودي بسخاء، ويهدف لإنتاج سلالة جديدة مبتكرة من الذرة التي تكافح مختلف الآفات والقابلة للتأقلم في معظم المناخات والأراضي الزراعية، ذلك بهدف القضاء على المجاعات العالمية.

ويعتبر هذا الفيلم من الأفلام النادرة التي تظهر الوجه المشرق للثراء العربي، وذلك عكس الصورة النمطية التي تظهر عادة الأثرياء العرب كمتخلفين واستعراضيين يعشقون النساء والبذخ المفرط ويهدرون الأموال بلا حساب على ملذاتهم.

يتناول الفيلم موضوع انتحال الشخصية بطريقة مبتكرة ومبهرة، مستعرضا مناخات حافلة بالتشويق والحركة ومطاردة السيارات والمفاجآت، على خلفية الزخم اليومي للحياة في مدينة برلين بأزقتها المزدحمة وساحاتها المغطاة بالثلوج ومحطات المترو والفنادق الفخمة.

عند وصول الدكتور مارتين هاريس (ليام نيسون) مع زوجته الجميلة اليزابيت (جانوري جوتس) للفندق الفخم لحضور مؤتمر عالمي في التكنولوجيا الحيوية، يفاجأ بأنه قد نسي شنطته وجواز سفره، فيعود من فوره عائدا للمطار. وأثناء الطريق تتعرض سيارة التاكسي التي تقودها جينا (المهاجرة البوسنية الحسناء) لحادث مريع يسقطها في النهر.

يتم إنقاذه بأعجوبة من موت محقق، ويفقد وعيه لأربعة أيام، وعند استرجاعه لوعيه في المستشفى، يكتشف لاحقا أن زوجته لا تتعرف عليه، بل إن شخصا آخر (ايدان كوين) قد انتحل ببراعة شخصيته كباحث في التكنولوجيا الحيوية. فهل أصبح مجنونا أم أن العالم قد انقلب رأسا على عقب؟ هكذا يجد نفسه داخل لغز عصي على الإدراك. وخوفا من الضياع والجنون يغامر لأقصى طاقاته للبحث عن هويته الحقيقية.

القصة شيقة ومترابطة ومتداخلة وحافلة بمفاجآت غير متوقعة، وتدور أساسا حول مؤامرة بارعة لاغتيال أمير سعودي اسمه شادا مع نخبة من علماء التكنولوجيا الحيوية المرموقين، وعلى رأسهم البرفسور شيسلر، وذلك لصالح الشركات الزراعية الاحتكارية العالمية وأجندات شريرة غامضة لا تريد أبدا التخلص من المجاعات العالمية بهدف جني الأرباح وتكديس الأموال.

يجسد ليام نيسون دور دكتور مارتين هاريس ببراعة ربما تفوق أداء هاريسون فورد في فيلم "الهارب" الشهير (الذي لعب فيه دور المطارد بتهمة قتل زوجته). وتبدو شخصيته هنا نموذجا للشخصية التائهة المضطهدة كما تظهر في أفلام المخرج الشهير رومان بولانسكي.

ملصق فيلم المجهولالفيلم يخطف الأنفاس ويبدو كخلطة سينمائية مثيرة ومتجانسة من عدة أفلام تحمل بصمات مخرجيين عظام مثل هيتشكوك (الذي يستعير منه شخصية ليز الشقراء الغامضة المطابقة لحد بعيد مع بطلة فيلم فيرتيغو الشهير). كذلك يستعير من اوريسون ويلز وجون فرانكهايمر أسلوب تناولهما للبحث عن الهوية والتعمق في أداء الشخصيات الثانوية التي بدت هنا أيضا تائهة تبحث عن هويتها ومبررات وجودها ومسالك النجاة. كما أن الفيلم يتضمن حبكة معقدة تشابه الحبكة في أفلام رائعة كدافينشي كود والاستهلال.

الشريط يبقيك كمتفرج طوال الوقت على نفس الدرجة من الإثارة وبدون تراجع، وينقلك بسلاسة من حدث لآخر، حيث يتفوق المخرج جاومي كوليت سارا، والمصور الفذ فلافيو لابيانو، في دمج الحركة والمطاردات مع النسيج المعماري لأزقة وشوارع وساحات ومحطات ونوادي برلين الصاخبة، مما أدى بالمحصلة لإخراج مشاهد ممتعة تعج بالطاقة والحيوية .

يستعير المخرج أجواء الحرب الباردة عند تناوله لشخصية المحقق (عميل الستازي السابق)، التي تقمصها ببراعة برونو جانز (الذي ابدع في تقمصه لشخصية هتلر في فيلم السقوط)، والذي ينتحر هنا أيضا بالسيانيد. كذلك يظهر ممثلون مشهورون في أدوار مؤثرة كفرنك لانغيلا (بطل فيلم فروست نيكسون)، وسبيستيان كوخ (بطل فيلم الأوسكار حياة الآخرين)، مما أعطى الفيلم بعدا دراميا غنيا وحوله لتحفة سينمائية. وأظهرت الممثلة ديانا كروجر (بطلة فيلم أوغاد شائنون) موهبة خاصة في تقمصها لشخصية سائقة التاكسي التي تعاني لكونها مهاجرة بوسنية غير شرعية، وأعطت للفيلم نكهة خاصة.

كذلك فالسيناريو هنا مترابط ويتميز بغنى وتنوع الشخصيات وتنوع الأدوار، وهو يمثل نموذجا لأفلام التشويق والحركة التي أرجو أن تستفيد منه السينما العربية. كما أن الفيلم الذي يستند لرواية من تأليف ديدير فان كاوبلارت يبدو استعراضا سينمائيا مبهرا لقضايا العولمة من حيث تناوله لمواضيع الساعة كالمجاعات والتكنولوجيا الحيوية والمهاجرين غير الشرعيين، وقصص جواسيس الحرب الباردة المتقاعدين، وأبحاث غسل الدماغ وانتحال الشخصيات، ومن ثم أساليب تجنيد وتدريب القتلة المأجورين، صاهرا كل هذه الأحداث في مدينة عالمية ساحرة اسمها برلين.

أما ما يميز هذا الشريط عن غيره من أفلام الأكشن والتشويق فكونه خلطة مثيرة متداخلة من التشويق والحركة تنصف الأثرياء العرب، عكس الصورة النمطية السائدة.

D 25 أيار (مايو) 2013     A مهند النابلسي     C 16 تعليقات

11 مشاركة منتدى

  • عرض شيق ممتع لفيلم لافت بأسلوب متمكن وكأن الكاتب هو الذي اخرج الشريط !


  • بالاضافة لمتعة السرد التي تغوص باختصار بأجواء هذا الفيلم المميز الذي تتصف بالبعد العالمي والطرح المتنوع لعدة مواضيع ومنها انصافها النادر للأثرياء العرب ، فقد لاحظت ان الكاتب قد عقد حوالي عشر مقارنات مع مخرجين مرموقين وأفلام اخرى ، وهذا يدل على سعة اطلاع والمام واسع بالنقد السينمائي . دمت مبدعا متخصصا بالثقافة السينمائية التي نحن بحاجة ماسة لها !


  • أعتقد أن براعة السرد وجمالية السرد تستدعيني الآن أن أعيد مشاهدته من هنا من خلال كلماتك فقد راقت لي كثيرا.. تستطيع القول أن كل تفاصيله كنت اتخيلها أمام عيني وكأنك تضعها امامي على شريط متحرك وتفاعلي جميل


  • تكمن فرادة التحليل السينمائي المتميز هنا بقدرة الكاتب على جذبك لمشاهدة الشريط او حتى اعادة مشاهدته بأعين جديدة ! بالأمس قرأت تحليلا بائسا لفيلم "غاتسبي العظيم" الذي يستند لرواية مشهورة حولت مرارا لعمل سينمائي ، وفقدت اهتمامي بالرغبة بمشاهدة الفيلم نظرا لأن الكاتب انغمس بوصف توثيقي ممل أفقد التحفة الفنية نكهتها وبعدها الفني السينمائي الاستعراضي اللافت .


  • وإن كانت مجرد القراءة عن الفيلم تخطف الأنفاس، فما بالك تتابع وقائع هذا العرض وأنت تسترخي على مقعد وثير؟


  • تعليقك رائع ويفش القلب ويصيب كبد الحقيقة المرة والمرعبة !والتحليل والتعليق الملائم هو الذي يضفي قيمة على العمل الفني او السينمائي او الأدبي ، فالتفاعل الايجابي وحتى المحايد او السلبي هو الذي بعطي الزخم والتحفيز لكافة الأعمال الابداعية...والناقد السينمائي يقوم بنفس دور "الراوي المحايد" في الأعمال الروائية الأدبية . دمت معلقا خلاقا !


  • أنا شخصيا أهتم اكثر بالتعليق على مضمون العمل والتحليل ، ولاحظت ان أيا من التعليقات (سوى تعليق ابراهيم يوسف) قد تطرق لمحور الفيلم وثيمته الرئيسية المرتبطة بالوجه المشرق للأثرياء العرب وهذا بالحق مؤسف !


  • عرض رائع ووافٍ للفيلم من جميع جوانب، وهي ميزة للأخ مهند النابلسي. ما يهمني في الفيلم هو الحلم في أن يتبنى ثري عربي مشروعاً بحثياً لتخفيف المعاناة عن الفقراء. هذا الحلم أظنه ممكن التحقق على المدى القريب، فبعض المبادرات تبشر بالخير، مثال ذلك: مؤسسة عبدالحميد شومان في عمان/الأردن وهي مؤسسة مجانية متميزة تقدم خدمات متنوعة للمجتمع المحلي الأردني في المجال الثقافي. وأيضاً مدينة زويل في الاسكندرية التي لولا دعم بعض الأثرياء لبقيت حلماً بعيد المنال.
    كل الشكر للأخ مهند اتحافنا بهذه العروض الجميلة للأفلام العالمية المميزة.


    • اقدر تماما تعليق الناقد المبدع موسى ابو رياش الذي أضاف قيمة للمقال بطرحه لمثالي "شومان وزويل" ، وهي أمثلة معبرة تنسجم مع الاستثمار الحضاري للثراء العربي بعيدا عن الممارسات الفاضحة والفاحشة للمال العربي في الغرب ، ولا شك من وجود العديد من الحالات الايجابية كما ظهر في الفيلم الذي كتب قصته كاتب اوروبي موضوعي نزيه واخرجه فنان مبدع ، والمطلوب تشجيع هذه الظاهرة بالكتابة عنها وعدم تجاهلها ومحاولة كسب الرأي العام الغربي والشرفاء : دام قلمك المبدع !

  • الأستاذ مهند النابلسي
    لأنك دائما تحثنا في معظم تعليقاتك على الصراحة والموضوعية والحياد، فأرجو أن يتسع صدرك لتعليقي هذه المرة، ربما يدفعني فضولي وشغفي بالمعرفة لتصفح مواقع تاريخية تتحدث عن عائلة "الأمير الشهابي" الذي شيّد قصره المنيف في "بيت الدين" والتي تقام عليه المهرجانات اليوم، أو أفتح خارطة لدولة الجزائر وأتتبع الطريق بين سكيكدة وسيدي بلعباس. 
    ولكن لا أجد في نفسي ميولا لمشاهدة الأفلام، ليس لأن تحليلك للفلم غير وافي أو مشوق، بالعكس فماتقوم به من مجهود يوفر عليّ شخصيا مشاهدة الأفلام، ويمنحني الخلاصة، إنما لأني أرى كل مايدور حولنا من أحداث متسارعه، وحروب، ودماء، ودمار، وانتحال شخصيات، وغسيل أدمغة، لهو أسوأ فلم يمكن مشاهدته!


    • أشواق مليباري

      في الحرب العالمية الثانية
      كان من الجنود الألمان من يتزوجون اليوم
      وفي الغد يتوجهون إلى الحرب

      الحياة مستمرة
      لا توقفها حتى الحرب
      وأنتِ يا عزيزتي
      لا زلتِ في بداية عمرك
      ف "لا تشغل البال بصوت الظنون
      واغنم من الحاضر أمن اليقين
      فقد تساوى في الثرى راحلُ غداً
      وماضٍ من ألوف السنين."

    • أستاذ إبراهيم يوسف

       وأنتَ وسط العاصفة، تبعث فينا الأمل عندما تقول هذا الكلام الجميل
      من أين لك هذه القوة؟؟
       كيف تستطيع أن تحب و تسامح وتبشر بغد أفضل؟؟ وأنتم على ما أنتم عليه من الحرب والكوارث والأحزان؟
      وهل خطر في بالك يوما والحرب الأهلية مشتعلة في دياركم، أن تغني مع فيروز: لبنان يا أخضر حلو؟
      هل أطلب منك أن تكتب لنا شيئاً.. وإذا طلبت منك هل ستفعل؟

    • تعليقك استاذ ابراهيم رائع ويحمل بطياته بعد فلسفي تلقائي ونصيحة حياتية لا يقدرها الشباب عادة ...مقالتي القادمة المتوقعة ستتعرض لتداعيات الحرب العالمية الاولى ولفلسفة الحياة وقيمهاولرغد ورفاهية العيش كما لتراجيديا الوجود البشري ، وستعطي المجال لفيلسوف وجودي مبدع عتيق مثلك لكي يعلق ويضيف قيمة استثنائية للنص الأصلي الذي اتوقع ان ينال ربمااعجابكم! ومرة اخرى اثني على البعد التفاعلي الجذاب لمنبر عود الند الفريد ...

  • تمامااوافقك الرأي بتنوع الأراء والأذواق والميول ...وخاصة مع تردي مستوى الثقافة السينمائية نسبيا في العالم العربي ولطغيان ثقافة المشافهة والسرد بأنواعه ، اضافة لضوابط المنع والحلال والحرام!..وهنا تحديدا تظهر ميزة عود الند كمنبر ثقافي تفاعلي جامع وحامل لرسالة تنويرية ...شكرا لصراحتك .