مليكة فريحي - الجزائر

النحو الحاسوبي لدى تشومسكي

يقتضي الحديث عن حوسبة اللغة العربية الانتصار على أهم عرقلة يمكن أن تواجه هذا العمل، وهي قضية التمكن من العمليات التقنية التي يقوم بها الحاسوب بما في ذلك من التخزين والسرعة والتدقيق والعمل على تطويعه في سبيل خدمة اللغة العربية "بما يتوافق مع شخصيتها ومحارفها ورسومها، من جهة ولمواءمة قواعد اللغة العربية وخصائصها للحاسوب من جهة أخرى بادئة ببرمجة الحرف والنص العربي"[1].

مرت حوسبة اللغة العربية بعدة مراحل وشكلت اهتمام العديد من الشركات التي خاضت عدة محاولات، فالتجربة الأولى تمت بالكويت من خلال مشروع الأستاذ عبد الرحمن الشارخ وشركته " العالمية" التي صنعت حاسوب عائلي "صخر" يعمل بنظام ام اس اكس الياباني والذي تمت كتابته بالعربية مما جعل حواسيب من صنف "صخر" تشتغل في محيط عربي أصيل.‏

أما التجربة الثانية فهي التي انطلقت ضمن شركة "أليس" التي بعثها بشير حلمي الجزائري المنشأ بكندا والتي حاولت تصميم نظام عربي (دوس) موائم لنظام ام اس دوس المطوّر من طرف بين البرمجيات الأمريكية مايكروسوفت قبل أن تتفق الشركتان على إدماج النسخة العربية ضمن قائمة النسخ المتوفرة بعديد اللغات في نظام التشغيل ام اس دوس.

أما التجربة الثالثة فهي التي حاول من خلالها بعض الخبراء العرب توفير نظام اليونيكس بالعربية تماشياً مع ما لاحظوه من أهمية متزايدة لهذا النظام، ولسعة استغلاله سواء على الحواسيب الصغرية أو المتوسطة أو الكبرى"[2]، وما يهمنا في هذا المقام هو كيفية حوسبة النحو بتقنيات الحاسوب.

القضية النحوية:

يهتم المعجم النحوي بتقديم القضايا النحوية والإملائية بما في ذلك التركيب السياقي والمستوى اللغوي، وأيضا على المستوى النحوي كالتعدي واللزوم والمطابقة والأفعال الناسخة، لهذا عمل الخبراء في المعلوماتية إلى العمل على ربط صور النحو وربطها بالنحو التوليدي وذلك " في صورة قواعد رياضية يمكن من خلالها توليد العدد اللانهائي من التعابير اللغوية المسموح بها في اللغة تماما كما تولد معادلات المتواليات العددية والهندسية العدد اللانهائي من سلاسل هذه المتواليات"[3]، ونقصد بالنحو التوليدي " اسم يدل على نظرية لغوية في التحليل اللغوي نادى بها العالم المعاصر تشومسكي والتي أصبحت تدعى فيما بعد القوانين التحويلية التوليدية، وقد عرف تشومسكي قواعد اللغة بأنها جهاز أو وسيلة لتوليد جميع الجمل النحوية الصحيحة في لغة معينة، ومما يلفت النظر في هذا التعريف أنه موجه بشكل رئيسي إلى الجمل باعتبارها أنها الوحدة اللغوية الأساسية، كما يرى أن مهمة القواعد النحوية أن تكون قادرة على توليد أو خلق الجمل الصحيحة فقط"[4].

رفض تشومسكي[5] المنهج الوصفي باعتباره طريقة ميكانيكية هدفه وصف اللغة لا غير ذلك لكن على العكس بالنسبة للقواعد التحويلية النحوية التي تعمل على خلق جملة من الجمل التي تكون صحيحة نحويا من خلال جانبين يكمل أحداهما الآخر

"الجانب الأول: وهو الأداء اللغوي الفعلي، وهو يمثل ما ينطقه الإنسان فعلا أي البنية السطحية للكلام الإنساني.

الجانب الثاني وهو الكفاءة التحتية وهي البنية العميقة للكلام"[6].

وتتوزع العملية بين الأداء اللغوي والكفاءة، ولهذا يجب حوسبة المعجم العربي حسب ما يقتضيه واقع المتعلم وذلك " بالتركيز على الموضوعات النحوية الوظيفية التي تخدم المتعلم في حياته وتلبي حاجاته وتسهل له عملية التفاعل الاجتماعي بحيث يقرا بصورة سليمة، ويكتب بأسلوب سليم ويستمع فيفهم بصورة صحيحة"[7] فعملية حوسبة اللغة لابد أن يتحد فيها كل من الدلالين والنحويين والفزيائيين والرياضيين وعلماء الحاسوب في جو تفاعلي منتج.

ونجد أن هذا لم تغفل عنه أقلام القدماء فحديث سيبويه في باب الاستقامة كان يهدف من خلاله على أن يجعل اللغة طيعة تخضع لقوانين وقد سهلت حاليا مهمة حوسبة اللغة بحيث أعطى مثالا فقال:

عن المستقيم الحسن فقولك: أتيتك امس، سآتيك غدا.

أما المحال تنقض أول كلامك بآخره فتقول أتيتك غدا، وسآتيك أمس.

أما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل وشربت ماء البحر ونحوه.

وأما المستقيم القبيح فان تضع اللفظ في غير موضعه، وهو قولك: قد زيدا رأيت وكي زيد يأتيك، وأشباه هذا .

وأما المحال فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس[8].

ويعني أن المستقيم الحسن هو الذي يكون سليم في القياس والاستعمال، والقبيح خارج عن القياس، وأما المحال يكون سليم القياس والاستعمال وغير سليم من حيث المعنى.

وهذا ما يستدعي التفريق بين السلامة النحوية وسلامة التركيب، وهذا هو إذن الثراء اللغوي الذي تكتسيه اللغة، لكن حوسبة اللغة تقتضي الدراسة المنطقية لها وهذا لان متطلبات الحاسوب تقتضي تحديد أشكال الوحدات اللغوية بواسطة رموز رياضية لكي يمكن تمريرها الى الحاسوب.

ومن بين الذين خاضوا هذه المعركة اللغوية وحققوا قضية التماسك والترابط والوضوح والمنهجي والموضوعية في القضية اللغوية صاحب نظرية النحو التوليدي تشومسكي، وذلك من خلال الاهتمام "بالجهاز الداخلي للمتكلمين عوض الاهتمام بسلوكهم"[9].

بنى تشومسكي نظريته على مجموعة من المفاهيم:

أسس النحو التوليدي لدى تشومسكي

=1= الملكة والتأدية : والتي يقصد بها أن الإنسان خصه الله تعالى من بين المخلوقات بأوليات أو الاستعداد المكتسب الذي يساعده على الكلام، وهذه القدرة مشتركة لدى جميع البشر.

=2= مفهوم السلامة النحوية: وهي مجموعة من التفسيرات تصاغ صيغة رياضية " وبهذه المجموعة يحاول الإنسان أن يفسر الواقع الذي يعيشه وخصوصا الأفعال والسلوك مثلها مثل الآلات الإلكترونية المعقدة، فإذا أدت الأغراض وأفادت فنقول: أنها بنيت على نموذج، وهذا ينطبق على اللسان فإذا الباحث ينطلق لإقامة المثل من مستوى التراكيب لا من مستوى الأصوات وهو أول من نادى في الغرب بترك الأصوات والبداية في دراسة التراكيب وهو الأصل"[10]،و لهذا قاد تشومسكي ثورة في علم اللغة فقد كان كتابه الأول 1957 ثورة في الدراسة العلمية للغة، " والنحو التوليدي الذي جاء به عبارة عن نظرية لسانية وضعها تشومسكي ومعه علماء اللسانيات في المعهد التكنولوجي بماساشوسيت (الولايات المتحدة الأمريكية) فيما بين 1960 و 1965 بانتقاد النموذج التوزيعي والنموذج البنيوي "[11].

وما يمكن ملاحظته أن الظاهرة التركيبية تبقى منعزلة ولها ما يميزها عن وظائف الأصوات والدلالات وعلم الصيغ، وهذه الأمور صاغها على شكل قواعد.

=أ= القواعد البنائية: ويقصد تشومسكي بالقواعد البنائية "تشكل أساس قواعد قائمة على التحليل الثنائي للعناصر اللغوية على حد زعم اللساني الأمريكي ولتر كوك. إن ما فعله تشومسكي هو انه أعاد صياغة هذه في طريقة يعبر عنها بقواعد إعادة البناء" [12]، فالقواعد هي مجموعة غير متناهية من الجمل السليمة من حيث النحو والتركيب.

وهذا يتم وفق العناصر التالية:

عنصر أولي يسمى البديهة: ونرمز له بالرمز (ج) أو الجملة.

عناصر مساعدة مثل: اسم، فعل، أداة تعريف.

عناصر نهائية مثل: خرج، ال، طفل، تلميذ.

قواعد إعادة الكتابة: أو قواعد تعويضية مثل:

ج - - - - - -> فعل + اسم

اسم - - - - - -> ال + طفل

فعل - - - - - -> خرج[13]

=1= التحليل الثنائي البنيوي:

رسم بياني

تبدأ عملية التحليل من =ج= التي تنقسم إلى عنصرين: المركب الفعلي ( الفعل مع فاعله) ويرمز إليه (م ف)، المركب الاسمي ( المفعول به) ويرمز إليه ب (م س).

ثم يقطع ( م ف) إلى فعل (ف) وفاعل (م) ثم يقطع ( ف) إلى فعل (فع) وإلى وزمن (ز). ثم المركب الاسمي (م س) إلى (ا) وأداة تعريف (تعر).

إذن النتيجة النهائية للتحليل الثنائي هي وضعية رياضية مرتبة ومنسقة لتشكل في الأخير الجملة فتح الطالب الباب.

=2= قواعد إعادة البناء: وهي مجموعة القواعد التي تتفرع منها الجملة "كرمز أولي" " حاول تشومسكي أن يفسر المستويات التحليلية للجملة بادئا بالمستوى التحليلي الذي يقسم (ج) إلى المعادلة التالية:

ج - - - - - > م ف + م ا [14]، وهي قواعد مفرعة وقواعد معجمية.

قطفت البنت الورود لجميلة - - - - - > ( ج)

رسم بياني

من خلال هذا الرسم تبين "أن القواعد المفرعة هي تفريع المستويات اللغوية السفلى من المستويات اللغوية العليا، أما القواعد المعجمية فهي تزويد المستويات اللغوية بالمفردات، بعدما ينتهي المحلل من تطبيق القواعد المفرعة يشرع في تطبيق القواعد المعجمية لتوليد السلاسل اللغوية"[15]، إن الهدف هو عرض التطور التوليدي للجملة حسب القواعد المبين أعلاه مثلا القاعدة رقم 3 فإن النتيجة الطبيعية للسلسلة اللغوية م ا هي أن تتغير إلى(تع + ا)أي:

تعريف + اسم

يقوم التحليل البنيوي لدى تشومسكي على مقومات في صياغة العمليات التفريعية

- صياغة العمليات التفريعية لدى تشومسكي

1= ج - - - - - > م س + م ف

2= م س - - - - - > اداة + س

3= م ف - - - - - > فعل + م س

وجد تشومسكي أيضا أن التفريعات على شكل شجرة تعمل على تبسيط العملية، وهذا ما سماه بالتركيب المشجر الذي يهدف إلى رسم التركيب المستتر للجملة، وهو مبين كالتالي[16]:

رسم بياني

يرى تشومسكي أن التحويل البنيوي هو الانتقال البنية إلى بنية أخرى، الأولى هي المقدرة أي العميقة، أما الثانية فهي سطحية يبرزها ظاهر اللفظ ويتم هذا الانتقال عبر قواعد تحويلية.

وهي مبينة كالتالي:

=1= قواعد تحويلية عامة تعمل في مدخلين اثنين كالقواعد التحويلية العامة للعطف والقواعد التحويلية للدمج.

=2= قواعد تحويلية خاصة تعمل في مدخل واحد، وتنقسم هذه القواعد التحويلية الخاصة بدورها إلى قسمين:

=أ= قواعد تحويلية جوازية تشمل قواعد المبني للمجهول والنفي والاستفهام والأمر.

=ب= قواعد تحويلية وجوبية: وتشمل قواعد الزمان والملحقات والحدود الفاصلة[17].

إذن الذي قام به تشومسكي هو عملية إعطاء الصياغة الرياضية لقواعد النحو عن طريق القواعد التحويلية التي صاغها في معادلات رياضية، وهذا ما يساعد على حوسبة النحو، لأن الحوسبة التي تعمل على إرساء المعادلات تسهل كثيرا حوسبة اللغة من خلال النماذج الرياضية.

= = = = =

الهوامش

[1] مازن الوعر، اللسانيات والحاسوب واللغة العربية، رؤى ثقافية، دمشق،العدد 4، 2003، ص 23.

[2] .عبد الله أبو هيف، مستقبل اللغة العربية: حوسبة المعجم العربي ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجاً،

http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_content&view  

[3] نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة 265، الكويت ، 2001، ص267.

[4] التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، دار الوعي للنشر والتوزيع، 2008، ص 52.

[5] التحق بجامعة بنسلفانيا حيث تابع دروسه في مجالات الألسنية والرياضيات والفلسفة وحيث تتّبع دروس أستاذه الألسني زليغ هاريز (ألسني أمريكي يدرّس الألسنية في جامعة بنسلفانيا منذ سنة 1942)، حاز على الدكتوراه من هذه الجامعة بالرغم من أنه قائم، في الواقع بمعظم أبحاثه الأساسية عقب انتسابه إلى عضوية society of fellows » جمعية الرفاق« في جامعة هارفرد في الفترة ما بين 1951-1955، عيّن سنة 1955 أستاذا في معهد ماسشيوست التكنولوجي (M.I.T.)

[6] التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، ص 54.

[7] محمد أحمد السيد من مواضيع تيسير تعليم النحو وحلول مقترحة، مجلة اللغة العربية الجزائر ع9، 2003، ص 70.

[8] التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، ص 94.

[9] عبد القادر الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية نماذج تركيبية ودلالية، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2000،ص 56.

[10] التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، ص 60.

[11] محمد الصغير بناني، المدارس اللسانية في التراث العربي في الدراسات الحديثة، الجزائر ، دار الحكمة،2001، ص76.

[12] التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، ص 64.

[13] مصطفى حركات، اللسانيات العامة وقضايا العربية، دار الأفاق، دون طبعة، ص83.

[14] التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، ص 66.

[15] التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، ص67

[16] ع/مفرد/جمع،كس: كتلة اسمية، أداة: أداة تعريف أو تنكير، ز: علامة الزمان، كف: كتلة فعلية. تواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، ص 69.

[17] مازن الوعر، النظريات النحوية والدلالية في اللسانيات التحويلية والتوليدية، مجلة اللسانيات، العدد6، 1982،ص 43.

.

قائمة المصادر والمراجع

التواتي بن تواتي، المدارس اللسانية في العصر الحديث ومناهجها في البحث، دار الوعي للنشر والتوزيع، 2008.

عبد القادر الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية نماذج تركيبية ودلالية، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2000.

محمد الصغير بناني، المدارس اللسانية في التراث العربي في الدراسات الحديثة، الجزائر ، دار الحكمة،2001.

مصطفى حركات، اللسانيات العامة وقضايا العربية، دار الأفاق، دون طبعة.

نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة 265، الكويت ، 2001.

الدوريات

مازن الوعر، اللسانيات والحاسوب واللغة العربية، رؤى ثقافية، دمشق،العدد 4، 2003.

مازن الوعر، النظريات النحوية والدلالية في اللسانيات التحويلية والتوليدية، مجلة اللسانيات، العدد6، 1982.

محمد أحمد السيد من مواضيع تيسير تعليم النحو وحلول مقترحة، مجلة اللغة العربية الجزائر ع9، 2001

مواقع الانترنيت

.عبد الله أبو هيف، مستقبل اللغة العربية: حوسبة المعجم العربي ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجاً،

http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_content&view

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3300479

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC