مهند فوده - مصر

مفقود 67

مهند فوده"اقسم أنك ستعود منتصرا"، قالتها وهي تودعه على الباب. كانت هذه المرة شديدة البأس في وداعها، ورغم هذا، لم يقف طويلا أمام قوتها غير المعتادة التي أدهشته وأصر أن يعانقها على غير عادته. في عز قوتها لم يجد حرجا من أن يواجهها بضعفه ولسان حاله يسألها في سره: "أين لكِ بكل هذا البأس؟ ليتك تعطيني بعضا منه".

ولكن عناقه الصامت، الذي طال رغما عنه، ثبط سريعا من بأسها المزعوم أمامه. ففلتت دمعة خوف سريعة من إحدى مقلتيها لتستقر على الشرائط اليمنى لكتف بذلته العسكرية زيتية اللون.

أنهى عناقه لها بلمسة حانية رابتا بكفه على بطنها الحامل لجنينهما يودعه، على أمل أن يشعر بها السابح في بحر الظلمات وتصله. ثم قبض بكفيه على ذراعي زوجته ناظرا لعينيها اللامعتين، وبكلمات حازمة قال لها:

"إن لم أعد، فكوني أنت له الأب والأم. علميه أني متُ فداء للوطن، لكي يبقى الوطن ويحيا هو. علميه أن الوطن يحب أبناءه. ليحيا في كنفه لا يدخر عطاء لرفعته وبقاءه".

رمى وصيته في حِجرها واستدار، و بخطوات سريعة، أخذ يبتعد عنها هاربا من وقع تأثير ما قاله على نفسه قبل نفسها، مرددا جملة: "اللهم إني استودعك أهلي فاحفظهم برحمتك، يا من لا تضيع عنده الودائع".

في صبيحة الخامس من يونيو، استيقظت على صراخ سكان حارتها يهللون فرحا وتكبيرا. من شرفتها أطلت برأسها تسألهم عما جرى، فاخبروها. فاطمأنت أن نبوءتها عن النصر قد تحققت، وأنها لم تحنث بقسم النصر أمام شريك عمرها.

كلما استمعت لنشرات الأخبار المتتالية التي تبثها محطات الإذاعة وهي تتلو بيانات الخسائر التي تكبدها العدو في صفوفه وكم الطائرات التي أسقطها جيشنا، مُنحت مزيدا من النشوة كادت أن تخلق لها جناحين تحلق بهما حيث يحارب بطلها.

تربت بحنو على جنينها الذي تزايدت في ذلك اليوم أكثر من المعتاد حركته في أحشائها، مبررة ذلك بأن عدوى الأثير لا بد وقد انتقلت إليه عِبرها، وقد بات يشعر هو الآخر بحلول بشائر النصر.

لم يمض سوى أربعة أيام، وماتت فرحة حارتها في مهدها. فقد خرست فجأة هتافات النصر. ولم تعد لهجة المتحدثين خلف ميكرفون الإذاعة بذات الحماس والزهو. شيء ما تبدل. شيء ما خفيَّ. يعلمونه جميعهم ولا تعلمه هي. صرخت تسأل أمها وأباها فلم يجيبوا.

من ذات الشرفة، اطلت تسأل ذات المارة، تنادي على مهللي الأمس، على هؤلاء الجالسين على المقهى. لا أحد يجيب. صمً هم، أم أنها صارت هي الخرساء؟ فقدت التواصل معهم، أم سلبتها الهزيمة الوصال مع جيران حارتها، مثلما خسر الوطن قطعة غالية منه؟

ثم بدأت الحقائق تتوالى عِبر ذات الأثير الخادع الكذاب، فلا طائرات عدو أٌسقطت، ولا تل أبيب كانت في مرمى النيران. تحطم زيف ما قيل للشعب طوال الأيام السابقة على صخرة "الانسحاب إلى الضفة الشرقية للقناة"، وترك العدو يصول ويجول في سيناء.

في مساء ذات الليلة وحتى صباح اليوم التالي، انتفض شارع حارتها الأصم الأبكم صائحا بجملة واحدة: "لا تتركنا يا جمال". وهي وحدها من شرفتها تصرخ متسائلة: "أين زوجي يا جمال؟".

ولكن هدير الشعب المتعاطف مع رئيسه كان أعلى صوتا من صراخ زوجة جندي ذهب للجبهة ولم يعد حتى الآن.
واستجاب الرئيس سريعا لنداء الملايين ولم يتنح عن منصبه. فعاودها الأمل أن بقاءه، كما قال، "من أجل تحمله المسؤولية كلها"، وبحسب ظنها، من أجل إصلاح تبعات النكسة ومحو آثار الهزيمة، فبعثت له على الفور تلغرافا على مكتبه الرئاسي كان نصه:

"كنا نُحبك يا جمال، حتى لم يعد زوجي. فِ بوعدكِ وأعده لي قبل أن تُعيد سيناء المحتلة. وأقسم لك برب ولدي الذي لم يولد بعد. أنه سيحارب معك ثانية ليستردها ".

ولكن برقيتها كسائر برقيات ورسائل أهالي المفقودين ضلت طريقها لمكتب الرئيس، ولم تصل أبدا.

بعد أشهر من اللهث على أعتاب مكاتب المسئولين، صُنف زوجها في خانة المفقودين، طالما لم يعد مع الأحياء المنسحبين ولا مع الشهداء الملتفين بأعلام الوطن المحمولين في الجنازات العسكرية.

لم تجد حرجا في أن تغبط علنا زوجات الشهداء حينما كن يرتدين الأسود حزنا على أزواجهن، وكانت تغبطهن أكثر حينما يفخرن بين الجميع أنهن زوجات شهداء، ويحترق قلبها حينما يُكرمن دونها في المناسبات، وحينما يحملن بإعزاز هن وأولادهن الأوسمة الممنوحة والنياشين، وهي حاملة على ذراعها رضيعا لا تعلم لوالده المفقود مصيرا، حتى وإن منحتها الدولة بعد سنوات ورقة تؤكد فقده، مُلصقا عليها طابع دمغة ومعتمدة بختم النسر وتوقيع اثنين من الموظفين.

ورحل الرئيس وجاء رئيس. ثم عادت واستمعت لذات الناس في حارتها يهللون ويكبّرون بعد ست سنوات من المرة الأولى. ولكنها أبت أن تصدقهم هذه المرة. فلم تطل من شرفتها لتسألهم. ولم تُدر ذات المذياع الكاذب لتتبين منه ماهية الأمر. فقد فقدت الثقة فيهم جميعا مع فقدها لزوجها "مفقود 67".

ومرت أيام وجاءتها الحقيقة تطُرق بابها، تخبرها أن العدو قد هُزم بالفعل وأن جنودنا الأبطال أعادوا رفع العلم على ارض سيناء.

عاودها الأمل من جديد، أن يعود زوجها تزامنا مع عودة سيناء. فلربما أبى أن تحنث بقسم النصر، وأراد أن يرجع لها حاملا في يده رايته.

وبمجرد أن تمكنت منها ظنونها تلك، شدت خلفها باب البيت، وجرت تحمل في يد حقيبة تحوي مستندات ثبوتية وأوراق، وفي اليد الأخرى تُجر طفلها ذا الست سنوات، تسأل عن مفقود 67 بين مفقودي وجرحى وشهداء 73. ولكن لا مسئول أجاب عن سؤالها القديم، ولا مشفى أو مشرحة في تلك العاصمة كانت تُشفي أي غليل.

ومرت اربع سنوات وقرر الرئيس في خطابه للشعب الذهاب لآخر العالم بحثا عن السلام. وقبيل زيارته للقدس بعثت له برقية: "سيدي الرئيس، إن كنت اخترت مع العدو سلاما مقابل استرداد الأرض، فاستحلفك بالذي منحك النصر، ألا تنسى قضايا الشهداء والمفقودين". وكتبت في خانة المرسل: "زوجة مفقود 67 ".

بعد عام آخر، وعبر مشاهد تلفزيونية صامتة، شاهدته وهو يصافحهم. يدخن غليونه و يتحدث إليهم. يناقشهم. ثم يبتسم في وجوههم، ويوقع على بنود ما تسمى اتفاقية السلام. اعتراها أمل جديد أن يخص ذاك الحديث الحاد أو ذاك الباسم مصير زوجها، وأنه بلا شك ستشمل الاتفاقية بندا يحل قضية زوجها وزملائه مفقودي 67.

وعاد الرئيس للوطن. وأفرد التلفاز مساحات كبيرة يحلل للمشاهدين تفاصيل الزيارة وبنود الاتفاقية التي خلت جميعها من أي إشارة لمصير مفقودي 67. وقد تبين لها زيف الأمل الذي بثه لها تلفاز 79 والذي لم يختلف كثيرا وإن كان مرئيا عن مذياع 67.

واغتيل الرئيس في أكتوبر عام 81، وجدد لها الأمل مع تنصيب رئيس جديد فبعثت له رسالة تبارك له رئاسة مصر، وتذكره بقضية مفقودي 67.

بعد ستة اشهر من بداية حكمه، رفع الرئيس الجديد علم مصر على سيناء معلنا تحريرها. وعاد للعاصمة تزفه وسائل الإعلام جميعها وكأنه بتحريرها قد قضى على ما ترتب من نكسة 67 وانتهت للأبد قضيتها. أما بالنسبة لشريط طابا الحدودي فأحيل لمحكمة دولية.

أخذت تدقق في سطور ما نُشر وبين ما قيل بحثا عن أي إشارة ولو من بعيد عن قضية مفقودي 67 فلم تجد أي أثر. حينها انقطع لديها ما تبقى من خيط الأمل الرفيع الذي نسجته طوال اربع عشر سنة مضت. وصارت على يقين أن قضية المفقودين ماتت لدى مسئولي هذا البلد. ولم تمكث في الحياة "زوجة مفقود 67" طويلا بعدها. فقد فارقت الحياة وحيدة في أوائل عام 87. وتكفل جيران حارتها الطيبون بمهام الجنازة ومراسم الدفن.

جنود مصريون أسرىفي سبتمبر عام 95، أعلنت بعثة استكشافية اكتشاف مقبرتين جماعيتين تضم رفات جثامين المئات ممن كانت تصنفهم السلطات بـ"مفقودي 67" في منطقة الوادي قرب مدينة العريش الساحلية. ونشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم 20 سبتمبر عن المقبرتين: "أن عمليات الحفر في الموقع أسفرت عن اكتشاف بقايا عظام بشرية وجماجم تحلل معظمها بفعل العوامل الطبيعية".

وأشار تحقيق آخر لجريدة الجمهورية في منتصف أكتوبر من نفس العام نقلا عن شهود عيان بالمنطقة: "أن جنودا إسرائيليون كانوا يأمرون الأسرى بالوقوف صفوفا ووجوههم متجهه للبحر ثم يطلقون عليهم الرصاص ويتركونهم قتلى ويغادرون المكان، ولم يتمكن الأهالي من دفنهم سوى بعد مضي عشرة أيام ".

وعن شهود عيان آخرين يقطنون قرب المقبرة الأخرى سرد التحقيق قولهم: "إن جنود الاحتلال كانوا يأمرون الأسرى بحفر قبورهم بأيديهم والانبطاح على الأرض ثم تسير الدبابات فوقهم".

بعد مرور عدة أسابيع وبعدما خمد الجدال الكبير الذي أشعله اكتشاف المقبرتين في أوساط الرأي العام المصري، نقلت كبريات الصحف العالمية عن السلطات المصرية قرارها باستخراج رفات مقبرتي سيناء الجماعية ودفنها في مقابر جماعية بالقاهرة لصعوبة التوصل لهويتهم وتسليمهم لذويهم.

مرت عينه على الخبر السابق على عجل، وهو يقلب في صفحات جريدة "جلوب اند ميل" الكندية التي تصدر من تورونتو حيث قرر الهجرة نهائيا منذ عشر سنوات وبلا أي نية للعودة لوطنه الأم ثانية.

رشف الرشفة الأخيرة من فنجان الشاي الصباحي. وودع بالإنجليزية طفله الصغير وزوجته الكندية ذاهبا لمحل عمله. ووصل "ابن مفقود 67" إلى عمله قبل ميعاد بدئه بربع ساعة كما اعتاد منذ أن وطئت قدمه الأرض الكندية.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC