د. لطيفة حليم - كندا

سرابيل تحفظ مدينة جبلة

النص أدناه مقتطف من رواية للكاتبة قيد النشر

لطيفة حليملا يوجد الغبار على كتاب تبحث عنه وهو قريب منها. لا تقرأ عنوانه. لعل فيه شغبا جميلا. تتركه جانبا وتبحث عن بعض القطع السردية. تشغل فيها نيران. تجد أن بنيتها لا تستقيم، إلا مع تكرار لفظ نيران. تعيد حدث نيران عند كل مناسبة طارئة، مع إضافات لم تذكر في مرة ذكره السالفة.

تتخذ من حدث نيران أشكالا دائرية، تتجه إلى المستقبل وتدور إلى الماضي، ثم تتجه إلى المستقبل مرة أخرى. هذا يستلزم منها، أن تعيد الحدث وتقسمه تقسيما مقصودا، بكل أجزائه، ويستحسن اختيار أمكنة ذكرت من بداية مسح الغبار إلى نهايته. تمسح الغبار. تقول له: "هل يمكن للعسكري أن يحول البندقية إلى قبلة؟"

انبرى لها مجيبا. وعلى خده إرهاق، خد بشرته وأحالها إلى شحوب: "هذا كلام الشعراء. البندقية نار والقبلة ماء".

تدفعه دفع الآبية التي لا تريد استنقاذ نفسها به. تخفي نيران بشغاف قلبها. تقترب من صدره، تقفل أزرار قميصه حتى لا ينبث النقع إلى صدره. تجد زرا سادسا ضائعا. يفتح كتاب "الأمشاج المعرفية والتأويلية". الجزء الثالث. تتعجب لا علم لها بهذا الكتاب. لم يسبق له أن أطلعها عليه.

تسأله عن الجزء الأول والثاني. يفتح صفحة 140: "الكون والعدم. معنى التناقض هنا كمعناه بين الحرارة والبرودة، بين الحياة والموت. الكائن حياة وهو الحرور الذي يقاس، اللا كائن هو البرودة التي لا تقاس لأنها غير كائنة. موت".

تمسح الغبار عن ديوان شعر. تفتحه وهي تقول له: "لقد مرت أكثر من مئة سنة على كتابة هذه القصيدة، لشاعر سوري أقام بأمريكا، ولد بمدينة حمص".

لا يجيبها. يمسك بالديوان بسرعة. يقرأ قصيدة بصوت متهدج، وكأنه يمتطي صهوة فرس امرئ القيس وبيده رمح عنترة:

كفّنوهُ وادفنوهُ أسكنوهُ

هوة اللحد العميق

واذهبوا لا تندُبوه

فهو شعبٌ ميتٌ ليس يُفيق

ذلّلوه قتَّلوهُ حمَّلوهُ

فوق ما كان يُطيق

***

أجيج ثرثرة نيران برأسها، يؤججها الهرج والمرج الواقع خلف باب حديقة بيتها. تسمع حفيف مارج من نار. تقول له بنغم حزين: "قتلوا أهل جبلة المدنيين في متاجرهم".

لا يسمعها. تعيد ترديد القصيدة التي قرأها وهي تتساءل في صمت رهيب: "لماذا خزنت ذاكرتي قصيدة شعرية دون غيرها، وقطعة سردية دون أخرى؟"

تهمس بصوت خافت. خائفة من كبير العسكر: "العالم هكذا. لا شيء فيه يتغير. يتعفن".

لم ير مثلها الانفجار الذي اعتادت على رؤيته على الشاشة، في دمشق وحلب وحمص. ترى هذه المرة الانفجار بجبلة. لمه الانفجار هز قبر السلطان إبراهيم. سمعته يقول: "هزي إليك بوردة لـتريدو".

الوردة بيد طفلة تذبل وهي في طريقها لبوتين. تحرك البحث عن نص سردي سبق أن نشره روائي أميركي من أصل سوري، ولد بمدينة حلب. "وردة لبوتين".

أصيبت بهزة فزع جميل. صوت إبراهيم، هزي إليك بـ "وردة لـ...".

الغرض من الهز هو أن تعقد العزم على السرقة. السرقة أحيانا نافعة، في مثل علي، الشاعر السوري سرق من الأصمعي. ويوسفاسرائل، الروائي المصري، سرق من تشاليز. وهي تسرق من حسين.

سارق نافع خير من أمين ضار. "وردة لبوتين...". تبدأ السرقة عن طريق ترويض الروح على شطحات صوفية لجلال الدين الرومي، وهي في داخل سلهام أمازيغي فضفاض. تدور وتمسك بطفلة بيدها وردة يانعة، لا تريدها أن تذبل.

تدور على شطحات قوية متواصلة دون توقف، مع جلال في مدينة بلخ، وتسمع قذائف قاتلة مع خالدة، آتية من مدينة جبلة. الوردة تسقط بيد طفلة من كثرة الدوران. الوردة لا تذبل، الطفلة لا تسقط.

تسرق: "يزداد صياح ديك المنزل" مع "ﺑﻜﺎء ﻁﻔﻠﺔ". تسقط من يدها وردة يانعة. تنتظر طائرة.

"ﻓﺠﺄﺓ ﺍﻧﻄﻔﺄﺕ ﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎء. ﺫﻫﺒﺖ إلى ﺻﻨﺒﻮﺭ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ. ﻟﻘﺪ ﺍﺧﺘﻔﻰ. أصبح ﺭﺩما ﻛﺒﻴﺮا. ﺍﻟﺮﺩﻡ ﺣﺪﺙ ﺑﺴﺮﻋﺔ".

تسمع بكاء طفلة وترى "ﺍﻷﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻵﺧﺮ، ﺭﻓﻊ ﺭﺃﺳﻪ ﻣﻦ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺮﺩﻡ ﻭﻫﻮ ﻳﻮﺻﻲ ﺍﻷﻡ ﻭ ﺍلاﺑﻨﺔ ﺃﻥ ﻳﺠﺪﺍ ﻣﻜﺎﻧﺎ ﺁﻣﻨﺎ ﻭﻳﺨﺘﺒﺌﺍ ﻓﻴﻪ"

"ﺍﻗﺘﺮﺏ ﺻﻮﺕ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ. ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﻮﺩ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮة؟ ﺭﺋﻴﺲ ﺭﻭﺳﻴﺎ. إن ﻣﺮﺕ ﺑﺴﻼﻡ سأﻋﻄيه ﻭﺭﺩﺓ. ﻣﻦ ﺃﻳﻦ ﻟﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﻔﻜﺮ ﺑﺎﻟﻮﺭﺩﺓ ﻭﻫﻲ ﺧﺎﺋﻔﺔ؟"

***
عبق عطر وردة يجتاح غرفة صديقات أجمل العمر. تحضر جلنار، صديقتها كندية من أصل سوري.
تتناول معها طعام الكسكس بمدينة مونتريال، زنقة تريدو. تختفي جلنار. هو بجوارها يرتل القرآن: "بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان".

تمسح الغبار وتسرق من حسين قطعا سردية."ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺍﻟﻮﺭﺩﺓ؟ ﺑﻴﺪﻫﺎ ﻭﺭﺩﺓ ﺫﺍﺑﻠﺔ".

رن هاتف صديقتها خالدة من مدينة جبلة. تخبرها أنها عازمة على سرقة قطع سردية مقتدية بفعل عليّ ويوسفاسرائل وأنها ستسرق من حسين. تخبرها أنها جربت السرقة، وجدتها نافعة وضارة. تخبرها أنها تسرق وهي تشاهد على شاشة حاسوب أبل جثتا غارقة في الدم. يسرقون. يعيدون تركيب الصور بحسب الأغراض التي يسعى إليها الإعلام الكاذب. تختلط الحقيقة بالكذب.

خالدة تعيش في قلب الحدث. تعرف الحقيقة. تخبرها عن انقطاع الماء والكهرباء وأنها تترقب انفراج ساعة يعود فيها الماء والكهرباء إلى جبلة. تخبرها مفتخرة بأهل سوريا. من بينهم عبد الرحمن زيتون. بطل أميركي من أصل سوري. ولد في مدينة جبلة. أنقد عشرات الأمريكيين من الموت، أثناء إعصار كاترينا.

وستيف جوبس، أمريكي من أصل سوري. استفادت منه أميركا والإنسانية بعد اختراعه حاسوب أبل.

فعاليات سورية كثيرة تسعى إلى سعادة الإنسان.

خالدة أرسلت لها قصيدة كتبتها من قلب الحدث، على أثر الانفجار الذي حدث في مدينة جبلة.

"انظروا بعين الرفق إلى بلادنا

لقد اختلطت الآلام بالأشواك

إننا متعبون من نيران أضرمت فينا

الرماد البارد يكسو وجه الجمر

والحياة والمنية في بلادنا سواء".


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 938023

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.3 + AHUNTSIC