عدلي الهواري

الحرف الناقص


أنهى الناقد الكهل قراءة روايات أحلام مستغانمي عن الجزائر، وشرع في كتابة مقالة نقدية لما قرأ. كان يريد أن يقول إن أحلام بالغت في لجوئها إلى فكرة تقليد الحياة للأدب. ففي الرواية الأولى تلتقي شابة اسمها حياة برسام جزائري كهل بترت يده أثناء حرب استقلال الجزائر، اسمه خالد طوبال، وتنشأ قصة حب بينهما. وفي الرواية الثانية تشرع حياة في كتابة رواية، وتختار شخصية يفترض أن تكون من وحي الخيال، ولكنها تبدأ بالبحث عنها هنا وهناك حتى تجدها. وفي الرواية الثالثة مصور صحفي سمى نفسه خالد طوبال حرصا على سلامته أثناء عنف التسعينات في الجزائر. وتقوده أحداث الرواية إلى التعرف على حياة، التي قرأ عنها وخالد طوبال في الرواية الأولى. وهكذا تخرج إلى الحياة شخصيات من صفحات الروايات، بدل أن تكون الشخصيات في الروايات من الواقع أو الخيال.

دعي الناقد الكهل إلى مؤتمر أدبي، وقيل له إن منظمة شؤون المؤتمر اسمها حياة، وأعطي رقمها الهاتفي المباشر، فاتصل بها ليتابع ترتيبات سفره، وتحدثا عن تلك الأمور، ثم سألها:

"من أين حضرتك؟"

قالت: "لماذا تخاطبني بهذه اللهجة الرسمية وتقول حضرتك؟"

قال: "لم نتقابل بعد، وطبيعي أن أكون رسميا في الحديث مع من لم أقابل بعد."

قالت: "لا داعي للرسميات. وردا على سؤالك أنا من الجزائر."

قال محاولا إثبات أنه ليس رسميا جدا:

"لقد فرغت قبل أيام من قراءة روايات أحلام عن الجزائر. أتعرفين أن اسم البطلة حياة؟"

قالت: "نعم لقد قرأت روايتها الأولى. اسم حياة بالمناسبة اسم شائع في الجزائر."

اختتم محادثته الهاتفية بشكرها على إجراء الترتيبات لسفره في وقت متأخر، وقال إنه يتطلع إلى مقابلتها.

التقى الناقد الكهل مع حياة في قاعة المؤتمر. كانت شابة، جميلة المحيى، أنيقة الملبس، وودودة. كان المؤتمر منظما تنظيما جيدا، ورغم ذلك شكا بعض المشاركين فيه، وتراوحت شكاواهم بين "أين ملفي؟ وأين قلمي المجاني؟" ولكن الناقد الكهل أثنى على جهودها في تنظيم المؤتمر، وافتتاحه في موعده رغم كثرة المسؤوليات. قدرت له دعمه المعنوي وتفهمه. وصارا صديقين منذ ذلك اليوم. وتوطدت صداقتهما وصارا يتحدثان على الهاتف من حين لآخر. ثم قرر أن يزورها في باريس، وقضيا وقتا جميلا يتسكعان في شوارعها، ويشربان القهوة في مقاهيها.

صار يقول لها "يا حياة اسمك ناقص حرف،" فتقول "يبدو لي اسمي تام المعنى، فما هو الحرف الناقص؟" فيرد: "لن أدلك عليه."

بعد أن كرر قوله، ورفض أن يفصح عن الحرف الذي يعتبره ناقصا، قالت له: "اليوم سأكتشف هذا الحرف. سأجرب كل حرف من حروف العربية إذا لزم الأمر، وأحدد كل الاحتمالات. بالتجربة والخطأ سوف أحدد الحرف الناقص والمعنى الذي قد يضيفه لاسمي."

قال: "نعم هذه طريقة منهجية. بالتوفيق."

أحضرت ورقة مسطّرة وكتبت على السطر الأول في أعلاها على اليمين اسمها: حياة. وعلى السطر الأول إلى اليسار منه كتبت أول حرف في العربية: الهمزة، وقرأت اسمها مع الحرف المضاف:

حياة + ء = حياة ء. الكلمة الجديدة لا تعني شيئا.

حياة + ا = حياة ا. الكلمة الجديدة لا معنى لها أيضا.

حياة + ب = حياة ب. كلمة أخرى لا معنى لها.

حياة + ت = حياة ت. لا معنى لهذه الكلمة.

حياة + ث = حياة ث. كلمة أخرى بدون معنى.

حياة + ج = حياة ج. لا معنى لهذه الكلمة.

حياة + ح = حياة ح. وهنا أيضا لا معنى للكلمة.

حياة + خ = حياة خ. لا كلمة ولا معنى.

حياة + د = حياة د. لا معنى لهذه الكلمة.

حياة + ذ = حياة ذ. كما مع حرف الدال، لا معنى.

عشرة حروف ولا أزال لم أجد كلمة لها معنى بإضافة حرف لاسمي. هل هو يمزح؟ حسنا، سأواصل.

حياة + ر = حياة ر. أي معنى لهذه الكلمة؟ لا شيء.

حياة + ز = حياة ز. ولا هذه الكلمة إلا إذا صارت الكلمات العربية تجمع كالإنجليزية.

حياة + س = حياة س. كلمة أخرى بلا معنى.

حياة + ش = حياة ش. وهذه أيضا. لا معنى.

حياة + ص = حياة ص. لا معنى كسابقاتها.

حياة + ض = حياة ض. لا معنى.

حياة + ط = حياة ط. لا معنى أيضا.

حياة + ظ = حياة ظ. كسابقاتها، لا معنى.

حياة + ع = حياة ع. كلمة أخرى بغير معنى.

حياة +غ = حياة غ. وهذه أيضا.

عشرون حرفا ولا أزال لم أجد كلمة لها معنى بإضافة حرف لاسمي. هل هذه طريقته في ممازحتي؟ هل الأمر أحجية أم لعبة؟ سأواصل وأرى. لقد قطعت ثلثي الطريق تقريبا.

حياة + ف = حياة ف. كلمة لا معنى لها.

حياة + ق = حياة ق. كلمة أخرى بلا معنى.

حياة + ك = حياة ك. حياتك؟ نعم كلمة حياتك لها معنى، ولكنها لا تضيف شيئا لاسمي بل تشوهه، ولا يصبح اسما.

بضعة أحرف وتنتهي حروف الأبجدية العربية. لا بد أنه يمزح معي.

حياة + ل = حياة ل. لا معنى لهذه.

حياة + م = حياة م. ولا لهذه.

حياة + ن = حياة ن. كلمة أخرى لا معنى لها.

حياة + هـ = حياة هـ. نعم كلمة حياته لها معنى، ولكنها لا تضيف شيئا لاسمي بل تشوهه، ولا يصبح اسما.

حياة + و = حياة و. حياتو؟ كلمة عامية في أحسن الأحوال. لا تضيف شيئا لاسمي بل تشوهه، ولا يصبح اسما.

ثمانية وعشرون محاولة لم تسفر واحدة منها عن كلمة ذات معنى. بقي حرف واحد، وسنرى إن كان الأمر مزحة، أم أن الأمر كان يستحق كل هذا العناء.

حياة + ي = حياة ي. ثم كررت اللفظ فنطقته: حياتي.

احمرت وجنتاها، وتسارعت نبضات قلبها. أدركت ما أراد أن يقول لها منذ أن تحدث عن الحرف الناقص.

D 1 حزيران (يونيو) 2007     A عدلي الهواري: بحوث ومقالات وقصص     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الثقافة: هوة بين المشرق والمغرب؟

2.  غربة فكر

3.  مطلوب قصة رومانسية

4.  قراءة في قصيدة لفراس حج محمد

5.  دعوة لتقديم أوراق بحث


القائمة البريدية