أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 28: 2008/09 » لا تعتذر عما فعله شعرك فينا

ياسمينة صالح - الجزائر

لا تعتذر عما فعله شعرك فينا

إلى روح الشاعر محمود درويش


ترجل الفارس عن فرسه بعد مطر الشعر الذي تساقط على الأوطان، مثلما تساقط على الإنسان. كما المدن التي كلما اقتربنا منها صدقنا أنها منفانا وأننا في النهاية لن نعود كما كنا أول مرة، منذ دخلناها خاليين من الرتابة قاب قوسين أو أدنى من العشق. ترجل شاعر القصيدة، وقصيدة الوطن كله. ترجل عن فرسه متعبا من أزمنة خانت الشعر والشاعر ورمتهما في منافي الكآبة اليومية، حيث لا وطن ولا مواطن، ولا أشياء نتقاسمها كما الفعل في ثياب الحقيقة المضرج بالدم والدمع.

لم نبك لأننا تعبنا من وشاية الدمع، ولأن الأحياء حين يموتون كل يوم يحتاجون إلى الرثاء أيضا، فهم يتركون أطفالا يقفون لساعات طويلة في طوابير الخبز، يأملون ويتأملون، ويحلمون وينتظرون في عالم توقف نموه قسرا وعسرا. فماذا تركت خلفك أنت؟ ألم تترك حمائم القصيدة وحبال الزغاريد وتفاصيل انتظار موغل في قهوة؟ ووشاح حبيبة تريد أكثر من الوعد في حضور الحبيب؟ ألم تترك سلاحا جاهزا للكلام، وساعدا يهز انعطاف الجرح وكي لا ينام؟ ألم تترك الشعر الذي قال لنا الحقيقة قبل الآن مرتين: مرة باسمك ومرة باسم أحمد العربي عند حافة الموت الذي أخذك وتركه لأجلنا.

* * *

يحق لك أن تتعب وأن تمرض. يحق لك ككل الناس أن تصاب بالسأم اليومي، والملل الكثيف الذي يغطي كائنات الروح بين هزائم جمة وانكسارات استوطنت شمال القلب، وحجر سقط على زجاج النافذة وكسره إلى ستين قصيدة: "كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء! أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك."

يحق لك أن تبتعد عن صخب الرصاص، وتنعزل عن زعماء الحروب وتمشي على عشب لم يطأه الغزاة، وتصغي إلى العصافير الصغيرة من صلب الدهشة والسلام المصلوب. يحق لك ككل الكائنات الحية أن ترتاح من المشي نحو مقاصد الغربة، والمطارات التي يستقبلك موظفها بوجه عابس ليسألك: "سجل! أنت فلسطيني، ورقم بطاقتك مليون ثائر في عمق القصيد، وأطفالك جيل الانتفاضة الأولى والثانية وجيل سيولد من جديد.

وحدها القصائد تطير وتعبر بأجنحتها مدن الكلام. وحدها القصائد تخرج من عمق الكتب والدواوين حاملة في يد غصن زيتون وفي اليد الأخرى شارة من عبروا هذه الأرض التي غزاها رعاة البقر.

* * *

كزهر اللوز أو أقرب كنت، وكزهره رحلت، حاملا حلم الوطن الضارب في جغرافية القلب، بين ما كان لنا وما سوف يكون لهم، عما قليل، عندما تنقسم الحكاية إلى جان ومجني عليه في مسيرة الألف ميل، والألف سير. والألف عار. فلا تعتذر عما فعلته قصائدك فينا أيها الغارق شعرا وحزنا ووطنا اكتشفناه حارا وموجعا، حدوده الجهات، وتفاصيله وجه "أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهدا. فبكت دمعتين ووردة. ولم تنزو في ثياب الحداد"(*).

= = =

(*): من قصيدة للشاعر حسن عبد الله بعنوان "أجمل الأمهات."


محمود درويش

محمود درويش

الصورة من موقعه الرسمي:

www.mahmouddarwish.com

::

استمع إلى مقطع من أغنية "أحن إلى خبز أمي."

القصيدة من تأليف محمود درويش. غناء الفنان مارسيل خليفة.

طول المقطع: دقيقة: 2. ثانية: 36.

مقطع من أغنية أحن إلى خبز أمي

اضغط على زر التشغيل أدناه. تأكد أن سماعاتك تعمل.

::

كلمات المقطع

خذيني أمي

إذا عدت يوماً

وشاحاً لهدبك

وغطي عظامي بعشب

تعمّد من طهر كعبك

وشدي وثاقي

بخصلة شعر

بخيط يلوّح في ذيل ثوبك

عساني أصير إلهاً،

إلهاً أصير،

إذا ما لمست قرارة قلبك.

* * *
أمي. أمي. أمي.

* * *

أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر فيّ الطفولة

يوماً على صدر يوم

وأعشق عمري لأني إذا متّ

أخجل من دمع أمي

D 1 أيلول (سبتمبر) 2008     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد 111: بدء العام الدراسي 2015

2.  عن لوحة الغلاف

3.  الشاعر عبد الله البردوني: أضواء على حياته وشخصيته

4.  مسابقة ثقافية في النقد

5.  نازك ضمرة: شمس في المقهى