أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 31: 2008/12 » من دفاتر المنفى: اللورد النبيل

أميمة أحمد - الجزائر

من دفاتر المنفى: اللورد النبيل


أميمة أحمدفي عمق الصمت الذي يعقب آذان الإفطار تناهى إلى مسامع بايا صوت صياح الديك وكأنه يعلن بدقة غياب الشمس. لم يتأخر عن المؤذن سوى بخمس دقائق. اعتاد الناس على صياح الديك عند الفجر، وأحيانا في النهار وخاصة عصرا. يفسرها كل مجتمع على نحو مختلف. البعض يبدو أنه يعيش صفاء داخليا ومصالحة مع الذات فيقول إن صياح الديك في وقت العصر يكون يقدم تحية للملائكة المارة من هذا المكان، والبعض الآخر متطير من الخوف المعشش في داخله فيقول إن صياح الديك نهارا تنبيه عند مرور عزرائيل لقبض روح أحد بالحي، حتى بعهضم، إذا صدف وحدثت وفاة بعد صياح الديك، يؤكد أنه سمع الديك يصيح وأنه قال: "اللهم استرنا." وإذا كان صياح الديك عصرا لا بد أن يموت أحد الجيران، وكلا الفريقين، المتفائل أو المتشائم أو ما بينهما المتشائل، لم يسأل نفسه لماذا تمر الملائكة أو عزرائيل نهارا، ولماذا مهمة عزرائيل ناجزة عصرا؟

تداعت هذه الحكايات في خاطر بايا وهي تسمع صياح الديك وتستمتع به وهو يشق صمتا عميقا كأن البلد أخليت من السكان. وقد كرره ثلاث مرات. وبعد خمس دقائق عاد إلى الصياح ثلاث مرات: "إي إي إيييييييييييييييييي. إي إي إيييييييييييييييييييييي. إي إي إيييييييييييييييي."

صمت الديك وما زال الصمت يخيم على العاصمة، فقفزت فكرة إلى ذهن بايا: سأشتري ديكا وأربيه في حديقة البيت. راقت الفكرة لها، وتصورت شكله: أبيض وأسود، وعرف طويل قائم على رأسه تاجا لجماله، ومنقار أصفر كمنقار الشحرور، ولا مانع أن تكون بعض الريشات صفراء ذهبية، على أن تكون قائمتاه طويلتين ليبدو متبخترا وهو نافش ريشه عند الظهيرة بعد تمرغه بالتراب.

وفي اليوم الثاني ذهبت بايا إلى السوق تبحث عن الديك الذي تخيلته. لم تتوقع يوما أن يصدق خيالها إلى هذا الحد. مجرد خروجها من البيت وقبل أن تصل السوق، كان قروي يبيع ديوكا في الحي. طبعا الناس تشتري الديوك لذبحها وأكلها كلحم بلدي لذيذ الطعم، طالما يأكل العشب والقمح وما تجود الأرض من ديدان وحشرات، بينما دجاج المداجن غذاؤه أعلاف مشبعة بالهرمونات، لذا في خمسة وأربعين يوما يصبح وزنه نحو كيلوين اثنين، على خلاف الدجاج البلدي الذي يبلغ عمره عاما ولا يتجاوز هذا الوزن.

أوقفت بايا سيارتها حيث بسط القروي بضاعته، معه ديكان، أحدهما أحمر، لا زال صغيرا، ولا يتجاوز وزنه كيلو ونصف، والديك الآخر له عرف ضخم، اشتدت حمرته جراء حرارة الظهيرة، ويبدو عطشا من منقاره الأصفر المفتوح لاهثا لقطرة ماء، فسألت بايا البائع:

"لماذا لا تسقي الديوك؟ ألا تخاف موتها عطشا؟"

فرد القروي ببساطة متناهية: "الآن أبيعها وتذبح." وصمت قليلا وأرف قائلا: "الديك زهر الفول ليس مرغوبا، لأنه كبير. وزنه أكثر من أربعة كيلو، ولا أحد يدفع لي ثمنه. يريدونه ببلاش."

قاطعته بايا: "كم تطلب فيه؟"

أجاب مترددا: " أربعون ألف سنتيم."

ضحكت بايا في سرها. من يسمع رقم 40 ألفا يقول يشتري المبلغ مدجنة، ولكنه يساوي أربعمئة دينار جزائري وأقل من خمسة دولارات.

جفلت على صوت البائع وهو يقول: "هل تشتري الديك الأسود، وبساعدك بالسعر. يكفيني 35 ألفا."

أمسكت بايا الديك. كان شرسا. فورا نقر أصبعها وأخرج الدم، فقالت للبائع:

"يبدو أنك لم تحبس هذا الديك في خم أو حظيرة للدجاج."

فقال: "لا والله، يرعى بالبستان. ولولا شراسته على الدجاج لما بعته. لكنه قتل ديكين صغيرين الأسبوع الماضي. أقول لك كل شيء عنه حتى لا أغشك. عمره عام. جسمه كبير مثل أمه وهي إسبنيولية."

قاطع الديك صاحبه بصياح صادح جعل الأطفال المتجمهرين حول البائع يصفقون بأكفهم الصغيرة، مما جعل الديك يقرقر بصوته وراح يلتفت نحو الأطفال، فأخافهم وتراجعوا للخلف وتوسعت دائرتهم. وقبل أن تضيق دائرة الأطفال قالت بايا للقروي:
"سأشتري الديك بسبعمائة دينار."

أخذ القروي النقود وهو يشيع بايا الدعوات أن أراحته من هذا الديك الشرس وبثمن يعادل ضعف ما طلب.

شعرت بايا بحنان دافق نحو الديك، وأطلقت عليه اسما راحت تناديه فيه: الأرقش، تماشيا مع لونه الأسود والأبيض، وذيله الطويل ذي الريشات الطويلات، وقد تدلت كشرائط مذهبه تبرق تحت أشعة الشمس. يا إلهي ما أجمله! أكثر مما تخيلته.

اكتشفت بايا في حارسا يقظا أكثر من الكلاب. لم يعد يجرؤ أطفال الحي على تسلق جدار الحديقة والتسلل على أغصان شجرة البرتقال لقطف ثمارها. مجرد سماعه حركة أو صوتا كان يقأقئ وهو يفرش جناحيه الكبيرين في محاولة للوصول إلى أعلى سور الحديقة. فخافت بايا أن يعملها مرة وينجح بالطيران ويصبح خارج الدار، فقصت أحد جناحيه.

بعد أسبوعين ارتأت بايا أن تزوجه، فاشترت دجاجة ذهبية وعلى قوادم جناحيها ريش أسود، رسم انحناء جناحيها على انتفاخ بطنها، تمشي كمشية البطة، أسمتها الرقشاء، وجهها جميل، عيناها كحيلتان، لهما نظرة ذات معنى عند الأرقش، كم مرة نهرته تلك العينان وابتعد عنها بأدب جم.

اندهشت بايا لسلوك الأرقش. كان سلوكا حضاريا، من المشكوك فيه أن يكون لدى الرجل إزاء المرأة في أرقى المجتمعات البشرية.

كانت بايا تحب أن تطعم الأرقش بيدها رغم مرات كثيرة جرح منقاره إصبعها، وكانت زوجته الرقشاء تختبئ خلف الأرقش، توحي بخوفها من الاقتراب، وتلتصق عند ذيله فيكللها الريش الطويل وتقوقئ قأقأة رقيقة، فيجيبها الأرقش كحام لها بقوقأة جهورية لكنها تحمل حنوا، ثم يندار نحوها ويضع ما أطعمته بايا أمام الرقشاء، ويبقى على هذا الديدن إلى أن تشبع الرقشاء، فتنسحب من تحت مظلة ذيله إلى الخم وتفترش التبن وتنام، ويلحقها الأرقش، يطمئن عليها بالدوران حولها عدة مرات، ثم يخرج ويتناول طعامه من يد بايا.

كان الأرقش يحب "المسفوف" وهو أكلة الكسكسي بالبازلاء، مطبوخة بالبخار، وتفرك بالزبدة. فتقدم بايا صحن المسفوف للأرقش، ومن فوره ينادي زوجته الرقشاء بقوقأة خاصة، فتأتي مسرعة تتماوج كالبطة وتغرز منقارها في المسفوف، مبتدئة بالبازلاء الطرية، وإذا أخطأت حبة منها سارع الأرقش لالتقاطها وتقديمها راضيا للرقشاء.

الأرقش لم يأكل يوما إلا بعد أن تشبع زوجته الرقشاء. وبعد الطعام يدخلان الخم وينامان. كان الأرقش يتكوم على التبن ويحني رأسه ذا العرف الأشبه بوردة الأضاليا بلونها الخمري، فيما تدفن الرقشاء رأسها بانحناء رقبة الأرقش متكومة بجانبه من الجهة الداخلية للخم، بينما هو يسد الباب، متيقظا لأية حركة لحمايتها، يحبها حبا جما.

يوم شرعت الرقشاء في البيض، وكانت قبل إخراج بيضتها تصيح متألمة، وكان صوت الأرقش يرافقها بقوقأة مواسية رغم حدتها، وعندما تهم بإخراج البيضة كان الأرقش يقف بجانبها يراقبها بإحدى عينيه ليطمئن عليها، وما أن تخرج البيضة حتى تصرخ الرقشاء بقوقأة النصر على ألم الولادة، ويرد الأرقش وراء قوقأة زوجته بقوقأة أكثر قوة. يبقى "عرس الولادة" نحو نصف ساعة كل يوم بعد الواحدة ظهرا، كأنها على موعد.

كان الأرقش يتهيأ لهذا العرس منذ الصباح وهو يدور حولها، مداعبا، مغازلا بمنقاره الذي يتسلل بين ريشات الرقشاء، وإذا ما تطاول بحبه كانت نظرة الرقشاء الحادة تلجمه ليعرف حدوده. أما بعد "ولادة البيضة" يصبح الأمر مختلفا: يغازلها وهي راضية ولا تنهره مهما تطاول بحبه. وقبيل المغيب يأويان راضيين سعيدين، يطويان يوما ويستعدان لاستقبال يوم جديد مع بزوغ الفجر. كان صوت الأرقش يصدح صباحا، يجلب صفاء الريف وجماله.

في أحد الأيام استيقظت بايا على صوت الرقشاء: "قرق، قرق، قرق." فأخبرتها جارتها أنها تريد بيضا لتفقس كتاكيت، ولم تتأخر بايا. كانت قد جمعت بيضها، فوضعت لها ست بيضات في الخم، وما أن رأت الرقشاء البيض حتى انطلق كالرصاصة واحتضنت البيض بهدوء وصوتها أشبه بهدهدة طفل لينام. وأصبحت الرقشاء المقبلة على الأمومة تخرج مرة في اليومين، وأحيانا تبالغ باحتضانها البيض "أولادها القادمين."

فشلت كل محاولات الأرقش ليثني الرقشاء عن عنادها، بعد ثلاثة أسابيع صار الأرقش يختفي في الخم وتخرج الرقشاء قليلا، لتأكل وتشرب وتتغوط، ثم تعود مسرعة، ويخرج الأرقش يتجول وحيدا بالحديقة وسرعان ما يعود ليلازم الرقشاء. استغربت بايا الأمر، فنظرت داخل الخم لتجد ستة كتاكيت مكسوة بزغب أصفر جميل. بدت الوحشة والاستغراب عندما أمسكت بايا أحدهم، وهاجمت الرقشاء بايا التي لم ترتدع إلا عندما تتابع منقار الأرقش في نقر اليد التي كانت تحمل الكتكوت الصغير وهو يستغيث.

"إذن فقس البيض أيتها الجميلة الرقشاء." قالتها بايا بصوت مسموع، فسمعتها الجارة، وباركوا لبايا على "ولادة الرقشاء." ووزعت الحلوى والقهوة للجيران فرحا بالخلق الجديد.

تربية الأبناء كانت متعة للناظرين. الأرقش بقي على ديدنه مع أولاده كما مع أمهم يأكل بعد أن يشبع الجميع، يعلمهم البحث في التراب بالتناوب مع زوجته الرقشاء، كان حنونا معهم، لم ينقر واحدا على خلاف أمهم الرقشاء التي تنقر الواحد منهم تجعله يهرب عنها أمتارا، فقالت بايا لجارتها: "لولا شدة الأم في تربية الأبناء لكانوا فلتوا من دلال الأرقش." فضحكت الجارة حتى طفرت دموعها.

قال أحد الأصدقاء في وصف الأرقش:

"هذه أخلاق النبلاء، هذا سلوك لورد، يا ليت هذه الأخلاق عند الرجال في معاملة المرأة المسكينة، التي تعاني القمع والجهل والعنف والقهر من الرجل زيادة على قهر المجتمع لها. أعتقد النساء يحسدن الرقشاء على هذا الزوج النبيل."

قال ذلك ضاحكا، وعلقت زوجته: "يا ليتك تتعلم منه قليلا وأنت التقدمي."

كاد المزاح يتحول إلى نزاع بين الزوجين لولا تدخل بايا بإحضار الصيصان ليباركوا لها بهم، وتبعها كل من الأرقش والرقشاء لحماية الأبناء من الغرباء. انقلب الجو مرحا بمحاولة الأرقش أخذ الأبناء بنقر يدي بايا غير خائف وخلفه الرقشاء تقوقئ كأنها تدفعه للإقدام أكثر لتخليص أولادها.

كانت بايا تراقب توقيت صياح الأرقش، حتى أنها كرست أسبوعا للتأكد من مواعيد صياحه: يا سبحان الله! كان يطلق صياحه بتنظيم مدهش، كل ساعة بالتمام والكمال يطلق صيحتين حتى ليلا كان التنبيه الساعي، بينما توقيت الشمس، الفجر، والضحى، والظهر، والعصر، والمغرب، كان يصيح ثلاث صيحات متوالية، يكررها ثلاث مرات بفاصل خمس دقائق بينها. والغريب أن صوت المؤذن كان قريبا من توقيت الأرقش.

والأرقش ليس فقط حارسا ومحبا عاشقا ومؤذنا وساعة، بل كان إنذارا مبكر أيضا لأية مخاطر أو تقلبات تأتي من الطبيعة، فالجزائر بلد زلزالي، كان ينذر بالخطر قبل ساعات من حدوث الهزات الأرضية وأحيانا قبل يوم أو يومين، انتبهت بايا لإنذاره بعد وقوع الزلزال. كان الأرقش يصيح بصوت مختلف، حاد، ويمشي بقلق، داخلا خارجا من الخم، وبعد المغيب وقع زلزال 1989، من يومها صارت بايا تراقبه، حتى التقلبات الجوية كان ينذر قبل وقوعها، فالرياح أو الأمطار أو الحرارة كانت له طريقته للإعلان عن خطر قادم.

من شدة محبتها له قررت بايا أن تأخذه وعائلته معها إلى بلدها الأم، وتصورت ساعة وصولها المطار وأهلها بانتظارها بعد أكثر من عشرين سنة غياب في المنفى جاءت ومعها قفص دجاج، فلا شك الهمز واللمز من المستقبلين ومن في المطار. قد يقول ضابط المخابرات: "هذه التي كنا نتقفي أثرها وترفض كل العروض وتعود كما تريد طلع معها قفص دجاج، يلعن أبو هالسياسة."

لكن القدر لم يمهل الأرقش وعائلته إلى تلك الساعة. مات وعائلته. "رحمهم الله جميعا"، هكذا تقول بايا. يستحقون الترحم عليهم. لقد آنسوا وحدتها بالمنفى لسنوات، تعلمت منهم ما لم تتعلمه من الإنسان.

D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2008     A أميمة أحمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الرحلة الأخيرة من الشمال إلى الجنوب

2.  دعوة للحياة: ح 6

3.  الحب والحرب والوطن

4.  توضيح بشأن العدد 37

5.  بائع البالونات + المشروع


القائمة البريدية