أنت في : الغلاف » الأعداد الفصلية » العدد الفصلي 16: ربيع 2020 » شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

فادي أبو ديب - السّويد

شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة


يُعتبر ميخائيل نعيمة (1889-1988) واحداً من أهم كتّاب عصر النهضة العربية الذين سعوا إلى تجديد الأدب العربي بإدخال أجناس أدبية مختلفة وتحديث الأجناس الموجودة وأهمها الشّعر والنقد والرواية؛ فمن الناحية الأخيرة تميّز نعيمة بتقديمه مفاهيم فلسفية وروحانية عديدة في رواياته، تظهر فيها تأثيرات من الآداب الأجنبية، سواء أكانت هندية تصوّفية أم روسية ’ تولستوية‘ تهدف إلى التجديد المعرفي للإنسان، أم غربية أخرى، كما تُشير سوانسُن[1].

ويُدرِج محمد شفيق شيّا أدب نعيمة في خانة ما يُطلِق عليه "الأدب الفلسفي"[2]، والذي يمكن تعريفه مبدئياً، بحسب شرح شيّا، بأنّه "يخرج عن كونه أدباً -فناً- وحسب، أو ترفاً جمالياً محضاً: ليبدي على العكس قدراً من الشمول والإحاطة والجذرية تسمح له أن ينعكس في ما نسميه وعياً للوعي؛ فيتجاوز إطار رد الفعل وتوتر اللحظة والانفعال [الخطأ الإملائي من المصدر] الآني المشدود إلى الجزئي والعرضي والزائل"[3].

والفلسفة بالمعنى الأكاديميّ الحديث هي فلسفة مجرّدة تقوم على تقديم أنساق فكرية متماسكة ولا تعترف إلا بما يمكن برهنته بشكل شبه رياضيّ، وليست مجرّد القيام بفعل التفكير بما فيه من تحليل وتركيب[4]. ولكن، وبنظر من يُرجعون مفهوم الفلسفة إلى الكلمة اليونانية المركبة "فيلو صوفيا" والتي تعني "محبة الحكمة"، يمكن أن يُطلق على أدب ميخائيل نعيمة بالعموم، والروايتين موضع دراسة هذا البحث على وجه الخصوص، أدباً فلسفياً.

وبتعبير المفكّر الروسيّ فلاديمير سولوفيوف، تشبه الفلسفة الأكاديمية مفهوم الرياضيات بينما تقترب الفلسفة -محبة الحكمة- من ممارسة الفنّ[5]. والمعنى الثاني غير الأكاديمي للفلسفة هو المعنى الأدق الذي يناسب روايات نعيمة، حيث أنّ الأخير لا يُعنى بتقديم أنظمة نسقية، رغم أنّ روايته "مرداد"، التي ستكون جزءاً من هذا البحث، تقدّم عبر فصولها المتتالية ما يشبه التتابع المنطقي المتسلسل للأفكار، بل يقدّم ما يريد تقديمه بطريقة يختلط فيها الوعظ بالمحاورة بالتأمّل.

وانطلاقاً من فكرة الحكمة التي تشكّل أساساً من أسس كتابات نعيمة، سيقوم هذا البحث بإجراء مقارنة بين شخصية الحكيم، أو معلّم الحكمة، كما تظهر في كلّ من رواية "مرداد" ورواية "اليوم الأخير". وسيقوم منهج هذا البحث على قراءة استقرائيّة تبحث في كيفية ظهور شخصية الحكيم في كلّ من الروايتين، من حيث الاسم، والمكان والزمان، والصفات الشخصية، والدور الذي تقوم به هذه الشخصية وظهورها ومدى شمول تعاليمها. وهكذا سيقدّم البحث في البداية شخصية معلّم الحكمة في "مرداد"، ومن ثم شخصية معلّم الحكمة في "اليوم الأخير". وستتمّ المقارنة المباشرة بينهما ضمن الفقرة التي تُعنى باستقراء شخصية الحكيم في الرواية الثانية.

معلّم الحكمة في رواية "مرداد"

تحمل هذه الرواية اسم معلّم الحكيم الذي يشكّل مركزها، مما يشير إلى دور البطولة المطلقة الذي يقوم به "مرداد". ورغم ذلك فإنّ هذه الرواية عبارة عن قصة داخل قصّة. فالقصّة الإطارية يبدأها الراوي الذي يقوم بدور بطولة قصير في بداية الراوية، يكمل من خلاله القصة الثانية الأكبر التي تشكّل القسم الأكبر من الرواية التي تروى بطريقة العودة بالذاكرة (flashback). المعلّم الحكيم في هذه القصة يظهر ذا اسم إذن، وقصته تستند على نوع من القصص الديني التاريخي-الأسطوري، وبالتحديد على قصة نوح (ص 8-9) وما يليها من أحداث[6]، فمرداد أتى إلى الفُلك الذي استقرّ على جبال الآس واللبان، والذي بقي مركزاً دينياً منذ أيام نوح حتى أيام شمادم، ثم استمرّ بعد ذلك حتى أيام الراوي الذي أتى بعد مرداد بحوالي مئتي عام. ومن خلال الرواية يبدو مرداد عابراً للزمان والمكان، فمرداد هذا، واسمه مجرّد قناع على حد تعبيره (ص 87)، هو التاسع الذي دخل إلى الفُلك مع نوح وعائلته وقاده خلال الطوفان من دون أن يراه أحد سوى نوح.

وهو إذن يعود مرة أخرى بعد آلاف السنين من الطوفان ليدخل الفُلك ويتحدى سلطة رئيسه "شمادم" ويقود الرفاق السبعة الآخرين نحو معرفة جديدة وآفاق جديدة. وهكذا فإنّ "مرداد" ليس محصوراً في الزمان والمكان، وهو يعمل علناً كما في أيام شمادم، وكذلك يعمل في العالم خفيةً كما أخبر شمادم الذي بقي محبوساً على الجبل الراويَ الذي صعد الجبل بمشقّة كبيرة ووصل عارياً من كل شيء وبلا زاد أو عصا (ص 45).

ومرداد الحكيم يبدو مساقاً بقدر مكتوب بشكل يتّسق مع عدم انحصاره في الزمان والمكان، ولذلك فهو أيضاً عصيّ على الموت: "مرداد لا يموت، لأنّه أقوى من الموت ... [و] سيرمّم في الناس ما أتلفه الناس في أنفسهم." (نفس المرجع السابق). ليس مستغرباً إذن أن يشير إلى نفسه في بعض الأحيان بصيغة الغائب من خلال ذكر اسمه الشخصيّ كأنّه ينتمي إلى آخر (ص 61 على سبيل المثال). وهو في انسياقه هذا مع مهمته الكبرى يعرض تعاليمه على الرفاق في الفلك بشكل أقرب إلى العقيدة الدينية، وهذا ما لا نراه عند الحكيم في "اليوم الأخير"، فهو معلّم حكمة ورسولٌ أيضاً. فمرداد يبدأ من مفهوم الأنا التي هي "الكلمة المبدعة" ثم يتقدم إلى شرح مفهوم "ثالوث التوازن" ثم "يوم الدّين" وهكذا دواليك إلى أن يتمّم عرض تعاليمه بطريقة وعظية، للحوار فيها بعض النصيب من دون أن ينجح في إضعاف السّمة الوعظية الواضحة التي تميّز المهمة الرسولية لإنسان آتٍ في مهمة دقيقة ومحددة سيغادر بعدها إلى حيث لا يعلم الآخرون من حوله. فالحكيم مرداد الذي يصوّره نعيمة في روايته نبيّ يبشّر بإنسانٍ جديد وعالمٍ جديد:

"مرداد...سيرأب لكم الصّدع الذي في ’أنا‘".

"مرداد...سيطهّر لكم ’أنا‘".

"مرداد...سيعلّمكم كيف تزِنون ’أنا‘". (ص 66)

ومعلّم الحكمة، مرداد، رسول الحقائق الخالدة الذي يعظ عن البدء والمنتهى؛ فإذا كان البدء هو "الأنا الكونية" فإنّ منتهى الوجود أيضاً مرسوم بمعنى ما، وهو اكتشاف الإنسان لذاته الحقيقية (رغم وجود إشارة إلى أنّ الإنسان يمكن له أن يصل إلى هذا المنتهى بشكل عاجل أو بشكل آجل بعد المرور بطوفان النار والدم) (ص 88-89 و318): "إنّ العالم لا يفكّر اليوم بمرداد. أما مرداد فيفكّر أبداً بالعالم. وقريباً سينصرف العالم بأفكاره إلى مرداد." (ص 88).

وتماشياً أيضاً مع تجاوز مرداد للزمان والمكان (ص 138) يتجاوز أيضاً مفهوم الشخصانية؛ فمرداد الذي يظهر شخصاً في الفلك في أيام الطوفان، ثم يأتي كإنسان فقير لينضم إلى رفاق الفلك في أيام شمادم، لا يتقيّد بناسوته الظاهريّ، فهو يصف نفسه بأنّه الفُلك نفسها والمذبح والنار، لا بل هو ملجأ يُحتمى به (ص 138). وفي الواقع فإنّ شخصية مرداد تبرز معرفة كبيرة جداً بجوهر الوجود ومبدئه وغايته إلى درجة تبدأ فيها صفاته الشخصانية بالتلاشي والزوال، ليتحوّل إلى ما يمكن تسميته بقناة لإيصال الحكمة أكثر من كونه معلّماً بشرياً ذا شخصية يمكن الحديث عن أفعالها.

ولعلّ نعيمة يقصد في هذا الموضع وفي غيره أن يحيل إلى بعض الإشارات الإنجيلية، فمرداد بعد مضيّه مع الرفاق تاركاً خلفه شمادم سيعود إلى الجبل ثانية (ص 43)، كما أنّ المسيح سيعود إلى الأرض ثانية بحسب المعتقد المسيحي[7]. وهو أيضاً يقول إنّه كائن قبل إبراهيم أبي الأنبياء ولو أنه أتى بعده [8]، كما إنّه الألف البادئة والياء الناهية[9]. علاوةً على ذلك، فإنّ قصة المسيح الإنجيلية رغم تصويرها في أكثر من موضع انفعالات شخصية المسيح وحواراته، إلّا أنه يغلب عليها أيضاً الطابع التعليمي والوعظي المباشر في كثير من الأقسام[10].

الغرض من هذه المقابلة بين نعيمة والإشارات الإنجيلية هي فهم ما يرمي إليه في شخص مرداد، فمرداد إذن معلّم حكمة، ولكنه أيضاً رسول نبويّ خالد يتجاوز الزمان والمكان والكيان الشخصاني، فهو شخص محدود وكيان غير محدود، وهو الحقيقة ورسولها في الوقت نفسه. ولعلّ هذه الإحالات الإنجيلية كانت عائقاً أمام كثير من القرّاء في فهم نعيمة وما يرمي إليه، وهذا ما يشير إليه نجم الدين خلف الله الذي يتحدث عن "حضور قطاع معجمي يتغذّى من الإحالات الإنجيلية التي قد لا يَفهمها مَن ليس له إطلاع على ’الكتاب المقدس‘ بعهدَيْهِ، لأنها ترتبط بمرجعيات ذهنية تُصطرف عبر آلية التناص"[11].

معلّم الحكمة في رواية "اليوم الأخير"

عل عكس "مرداد" فإنّ بطل الرواية ليس معلّم الحكمة بل أستاذ الفلسفة الجامعي موسى العسكري. ورغم أنّ "مرداد" تبدأ ببطولة مطلقة لشخصية الراوي الذي يُعلَن أنّه المنتظَر الذي بشّر به مرداد نفسه، إلّا أنّ دور البطولة هذا لا يبدو إلّا كخاتمة مبكرة لقصة مرداد وبطولته المطلقة.

في "مرداد" يبدو المعلّم وكأنه يعظ مراراً وتكراراً تلاميذ أغرارا هم رفاقه في الفُلك، ولكن في اليوم الأخير لا يظهر الحكيم إلّا بعد أن يكون عقل الأستاذ الفيلسوف قد بدأ بالسير على طريق التغيّر والتحوّل. وفي الواقع فإنّ هذا هو الغرض الرئيسي من القصة ككلّ؛ فالهاتف الذي أتى إلى الدكتور موسى العسكري عند تمام منتصف الليل يدعوه إلى توديع ’يومه الأخير‘ يظهر في النهاية (ص 283) على أنّه دعوة للبطل لكي يودّع حياته القديمة ويستقبل الجديدة[12].

لقد بدأ بطل الرواية، الدكتور موسى العسكري، منذ أن أتاه الهاتف الليلي الرهيب بتحويل سؤاله الفلسفي "لماذا؟" الملازم لتخصّصه ومهنته إلى سؤال ذي معنى مختلف، وها هو البطل يعلن منذ البدايات أنّ هذه الكلمة الاستفهامية قد "اتخذت شكلاً جديداً ومعنى لم يكن لها في حياتي من قبل ... إنّها تصرّ. تلحّ. تستأسد. إنها تجلد جلداً" (ص 23). بدأ الدكتور العسكري يطارد الإجابات لأنّه تيقّن الآن أنّ "الذي يملك القدرة على طرح السؤال يملك القدرة على الجواب عليه" (ص 24). وهذه النتيجة في حدّ ذاتها دليل على بداية التحوّل، فأستاذ الفلسفة يدرك الآن أنّ درب المعرفة يبدأ من الداخل، من باطن الإنسان وعقله، وليس من مصدر خارجيّ كما كان يعتقد من قبل.

لقد بدأ البطل يتجاوز نفسه السابقة ويكتشف خطأ تعريفاته وتحديداته القديمة ويدرك تداخل الحدود بين ما كان منفصلاً (ص 38). ولهذا فمنذ الفصول الأولى للرواية يعترف البطل بأنّه يكاد لا يعرف نفسه، "فموسى العسكري الذي استسلم للنوم قبل نصف الليل هو غير موسى العسكري الذي استفاق من النوم عند نصف الليل. ذلك لا عهد له بالتفكير في شؤون الحياة والموت. وهذا لا يستطيع التفكير إلا في الموت والحياة" (ص 40). وهكذا فإنّ هذه الرواية لا تدور من حيث المبدأ حول شخصية النبيّ المخلّص كما في "مرداد" بل حول "خلاص" بطلها من الاعتياد والموت الروحي[13]. وهذه أول التحديدات التي تشير إلى الاختلاف بين شخصية الحكيم في "مرداد" ونظيرتها في الرواية الحالية حتى قبل ظهور شخصية الحكيم فيها؛ فالشخصية الأولى هي محور رسالة جديدة، أما الثانية فهي عاملٌ يثير الرغبة في التحوّل نحو هذه الرسالة الجديدة.

يظهر الحكيم في رواية "اليوم الأخير" عند منتصف النهار، أي قرب منتصف الرواية المقسّمة إلى أربعة وعشرين فصلاً على عدد ساعات اليوم. وهو يظهر على شكل متسوّل (وهذا عامل مشترك مع ظهور شخصية مرداد ومقابلته لشمادم، حيث يأتي مرداد إلى الفُلك على هيئة شخص فقير جداً وبالكاد يمتلك أسمالاً تستر جسده). ويترافق ظهوره بتبدلات حسّية ونفسانية عند هشام، الابن الوحيد لبطل الرواية، والذي وُلِد معاقاً ثم شُفي فجأة خلال مجرى القصة. ويعلن هذا المتسوّل/ الحكيم أنّه جاء بشكل خاصّ من أجل الدكتور وابنه هشام (ص 159-161).

ظهور الحكيم إذن هو ظهور خاصّ لشخص معيّن، وكأنّه ظهور ملائكيّ، وليس -كما في حالة مرداد- ظهوراً لفئة معينة وظهوراً للعالم كلّه عن طريق هذه الفئة وسكان المنطقة المحيطة بالفلك. كما أنّ الحكيم في هذه الرواية لا يظهر في زمن أسطوريّ يصعب تحديده في بلاد مجهولة الهوية والاسم، بل يبرز في سياق الحياة العادية المحيطة بأستاذ جامعيّ يسكن في مكان ينتمي إلى العالم المعاصر (رغم أنّ نعيمة لا يذكر بالتحديد أيّ بلد ينتمي إليه البطل، مع ذكره سويسرا مثلاً كإشارة إلى عالم يمكن تلمّس خطوط زمانه ومكانه).

ولكن منذ بداية ظهور الحكيم تظهر أيضاً إشارات إلى شخصيته الخارقة لما هو معتاد؛ فهشام يعلن فوراً أنّ هذا الشحّاذ هو نفس الرجل الذي ظهر له في المنام سابقاً. كما أنّه يُفاجئ الدكتور العسكري بأنّه هو بالذات الهاتف الذي هتف إلى ذهنه وهو نائم بالعبارة الرهيبة التي أرعبت البطل وجعلته يستيقظ من نومه ويبدأ تأمله الطويل وصراعه العنيف مع فكرة الموت (ص 168).

هذا الحكيم، وعلى عكس مرداد، يرفض تماماً أن يتسمّى باسمٍ بشريّ ولو حتى على سبيل محاكاة الواقع البشري، وهو يطلب من محدّثيه أن يطلقوا عليه اسم "اللا مُسمّى". هذا "اللامسمّى" يعلن أنّه على معرفة وثيقة بهشام، وإن لم تكن هذه المعرفة وفق الطريقة المعروفة بشرياً. فهما لم يلتقيا من قبل كشخصين بشريين. وهذا الأمر يوضّح تماماً أن المتسوّل الزائر، كمرداد، يتجاوز مفهومي الزمان والمكان وطبيعة البشر والكيان الشخصاني.

وممّا يثير الاهتمام أيضاً في شخصية الحكيم في هذه الرواية خصيصة أخرى تظهر العلاقة بينها وبين مرداد، على الرغم من بعض الاختلافات المذكورة سابقاً، هو أنّه يُبرز نفسه كمعلّم حكمة، فهو يتبنّى هشام روحياً (ص 189)، وهو يقرّ بفرادته وانتمائه إلى قلّة منتَخَبة من البشر: "الذين اهتدوا إلى أنفسهم من أبناء الأرض هم القلّة المغبوطة في الأرض والسماء. وهشام سيكون منهم، وسيكون هادياً للضائعين والتائهين" (ص 248).

في هذا الموضع بالذات، يظهر "اللامسمّى" إذن كصانعٍ لمرداد آخر. وإشارته إلى هشام كهادٍ للضائعين والتائهين لا يمكن إلّا أن تذكّر بالعنوان الفرعي لكتاب مرداد وهو "منارة وميناء"؛ فالمنارة هي الهادي الذي يرشد التائهين في البحر إلى ميناء الأمان والوصول والاستقرار. فالحكيم إذن في رواية "اليوم الأخير" ليس واعظاً مفوّهاً كمرداد، وليس مخلّصاُ للناس يعرّفهم على ماهيتهم وعلى طريقهم إلى الألوهة[14]. ومع ذلك فهو يتنكّب دور معلّم الحكمة وكاشف الحقائق؛ فهو معلّم يعدّ معلّمين يخلّصون العالم.

وهشام، ابن موسى العسكري، يظهر استعداده لبلوغ هذه المرحلة ولعب هذا الدور الحاسم في التاريخ. وهو قبل أن يلتقي بالحكيم يبرزه نعيمة قادراً على قراءة رسالة من دون أن يفتح المغلّف الذي يطويها في داخله، كما أنّه يمتنع، على نهج مرداد (مرداد، ص 193-197)، عن أكل اللحوم متمثلاً بذلك سيرة الكثير من الحكماء المعروفين في التاريخ (ص 184). وهو يعلن لأبيه معرفته بمستقبله كهادٍ للبشر، فيعلن لأبيه مشيراً إلى لقائه مع الحكيم: "لقد كشف لي ماضيّ وحاضري ومستقبلي. جاء ليهديني إلى نفسي كيما أهدي الغرباء عن نفوسهم إلى نفوسهم" (ص 186).

لا يتبادل الحكيم مع موسى العسكري الكلام وجهاً لوجه سوى مرّة واحدة، بالإضافة إلى اقتحامه حياة الأستاذ الجامعيّ بأشكال عدة، في المنام أو عن طريق الرسالة. فظهوره في الرواية إذن غائيّ وذو مهمة محددة جداً تتعلّق بإيقاظ وعي الدكتور موسى العسكري وإعداد هشام ابنه لمهمته العالمية القادمة. وهكذا يمكن النظر إلى "اللامسمّى" في هذه الرواية، من ناحية ما على الأقل، على أنّه ظهور آخر لمرداد الحكيم وهو يجول في العالم لإعداده بعد انصرافه عن الفلك وترك شمادم خلفه.

الحكيم في "اليوم الأخير" مرداد آخر، لا يظهر واعظاً هذه المرة، بل يتمم ما قاله في رواية "مرداد" من حيث أنّه منصرف الآن إلى "ترميم الناس" لإعداد ’مردادات‘ آخرين (مرداد، ص 45)، وهذه النظرة تشبه إلى حد كبير ما وصل إليه رامي شلّمي حول "اللامسمّى" وهو أنّه "روح من الأرواح القليلة المنعتقة من قيود الزمان والمكان، وعادت إلى الأرض لتقوم برسالةٍ ما، وهي إهداء الأشخاص إلى نفوسهم، كيما يهدوا هم أيضاً الآخرين" [15].

الاستنتاج

حاول هذا البحث تتبّع التشابهات والاختلافات بين شخصيتي معلم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة. وقد توصّل البحث إلى بعض النتائج التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

= الزمان والمكان: الحكيم في "مرداد" ظهر أيام نوح ثم أتى بعده إلى الفلك، ولكنه خالد يتجاوز الزمان والمكان، وكذلك في "اليوم الأخير" فهو أيضاً يتجاوز الزمان والمكان.

= الاسم: ظهر الحكيم في "مرداد" باسم مرداد رغم أنّه صرّح أنّ اسمه الحقيقيّ مختلف، بينما يرفض الحكيم في "اليوم الأخير" أن يُسمّى ويتكنّى على مضض بلقب "اللامسمّى".

= دور البطولة في الرواية: مرداد هو بطل رواية "مرداد" بلا منازع، بينما يظهر الحكيم كمحرّك رواية "اليوم الأخير" من وراء الستار في قسمها الغالب.

= السمة الشخصانية: يظهر مرداد كإنسان ذي شخصية رغم أنّه يحمل أيضاً صفات فوق شخصانية. وكذلك يظهر "اللامسمّى" في رواية "اليوم الأخير" كشخص من لحم ودم رغم أنه يكشف أيضاً عن صفات تتجاوز العنصر الشخصانيّ.

= اتساع التعاليم: تعاليم مرداد شاملة، فهو واعظ يدعو إلى مذهبٍ في الحياة وتعاليمه مرتبة بطريقة تشبه النسق العقائديّ، بينما لا يقدّم "اللامسمّى" تعاليم شاملة بل يرمي بعض الألغاز ويحرّض التفكير بعبارات مقتضبة أو أسئلة وشروحات مختصرة.

= الدور الرئيسيّ: يظهر مرداد كحكيمٍ ومعلّمٍ ونبيٍّ ومخلّص للعالم، بينما يميل "اللامسمّى" إلى كونه نذيراً وبشيراً ومعلّماً للحكمة مرسلا بشكل رئيسي لتعليم هشام، ابن موسى العسكريّ.

= الظهور: ظهور مرداد سائد في رواية "مرداد" وشبه دائم، بينما يمتاز حكيم "اليوم الأخير" بأنّه ذو ظهورات قليلة تحصل بطرق مختلفة: وجهاً لوجه، رسائل مكتوبة، رسائل شفهية، أحلام. ظهوره الشخصي الوحيد كان في منتصف الرواية تقريباً.

إن أهمية هذه النتيجة تكمن في إمكانية تتبّع الاتساق الذي يتميز به هذا الجنس الأدبيّ في كتابات نعيمة. وسيكون من المفيد توسيع هذه الدراسة لتشمل كتابات أخرى لنعيمة مثل "مذكرات الأرقش" و"لقاء" وأية نصوص أخرى يمكن إدراجها ضمن أدب الحكمة عند نعيمة. إنّ دراسة كهذه ستكون قاعدة متينة للانطلاق نحو مقارنة شخصية معلّم الحكمة والشخصية النبويّة عند الكاتب موضوع هذا البحث مع ظهورات أدبية شبيهة في كتابات أخرى سابقة أو معاصرة أو لاحقة لعلّ أبرزها شخصية المصطفى في رواية "النبيّ" لجبران خليل جبران.

= = =

الهوامش

[1] M. L. Swanson, ”The Russian influence on the literary and critical writings of Mikhail Naimy,” Liberal Arts in Russia, 2017. Vol. 6, No. 1, 49.

للمزيد حول تأثر نعيمة بالأدب الروسي، انظر/ي

Aida Imangulieva, Gibran, Rihani & Naimy: East- West Interaction in Early Twentieth-Century Arab Literature, translated by Robin Thomson (Oxford: Inner Farne Press, 2009), 123-184.

[2] محمد شفيق شيّا، في الأدب الفلسفي (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2009)، 119.

[3] نفس المرجع السابق، 288-289.

[4] انظر المرجع السابق، 33 وما يليها حتى نهاية الفصل.

[5] Vladimir Solovyov, The Philosophical Principles of Integral Knowledge, translated by Valeria Z. Nollan (Cambridge, Grand Rapids: William B. Eerdmans Publishing Company, 2008.), 84.

[6] أرقام الصفحات المنفردة ضمن هذا القسم الخاص برواية مرداد مأخوذة جميعها من ميخائيل نعيمة، مرداد، ط13 (بيروت: دار نوفل- هاشيت أنطوان، 2014).

[7] الكتاب المقدس، ترجمة فاندايك الجديدة، الإصدار السابع، ط1 (القاهرة: دار الكتاب المقدس، 1999)، سفر أعمال الرسل 1: 11.

[8] نفس المرجع السابق، إنجيل يوحنا 8: 56-58.

[9] نفس المرجع السابق، سفر رؤيا يوحنا 1: 8.

[10] لن يتم التدقيق في النسب المئوية لأنواع الكلام في الإنجيل كونه يتجاوز متطلبات هذا البحث.

[11] نجم الدين خلف الله، "’اليوم الأخير‘... ماذا ننقذ من بيت يحترق؟" صحيفة العربي الجديد، تم نشرها في 23 سبتمبر 2019. تم الوصول إليها في 6 ديسمبر 2019. يمكن الحصول عليها من الرابط التالي:

<https://www.alaraby.co.uk/books/201...>

الجدير بالذكر أنّ ملاحظة خلف الله تتعلق برواية "اليوم الأخير" بشكل رئيسي، ولكن ما زالت الملاحظة ذات صلة برواية مرداد وأيّ نص ترد فيه الإحالات الإنجيلية سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة. لن يتم التطرّف لهذا الموضوع في الفقرة المتعلقة برواية "اليوم الأخير" من هذا البحث لعدم تعلّقها مباشرة بشخصية الحكيم.

[12] أرقام الصفحات المنفردة ضمن هذا القسم الخاص برواية مرداد مأخوذة جميعها من ميخائيل نعيمة، اليوم الأخير، ط11 (بيروت: دار نوفل- هاشيت أنطوان، 2013).

[13] للمزيد حول مفهوم الخلاص في "اليوم الأخير" انظر رامي جورج شلّمي، الخلاص والزمن في روايات الريحاني وجبران ونعيمة: كتاب خالد، والأجنحة المتكسرة، واليوم الأخير، ط1 (بيروت: دار الفارابي ودار نشر الجامعة الأنطونية، 2016)، ص 532-601.

[14] انظر حوار صحيفة النهار مع ميخائيل نعيمة الذي أجراه عصام محفوظ ونَشِر بتاريخ 2 آذار 1988، يمكن الوصول إليه من خلال مقالة "في النقد الأدبي والتطور الكوني والتصوف: الجوعُ الأكبر جوعُ الإنسان إلى المعرفة والحرية." موقع معابر، تم الوصل إليه بتاريخ 10-12-2019، على الرابط:

< http://www.maaber.org/issue_november05/literature2.htm>

[15] شلّمي، 543.

= = =

المصادر

نعيمة، ميخائيل. مرداد. ط13 (بيروت: دار نوفل- هاشيت أنطوان، 2014).

= = = . اليوم الأخير. ط11 (بيروت: دار نوفل- هاشيت أنطوان، 2013).

المراجع العربية

خلف الله، نجم الدين. "’اليوم الأخير‘...ماذا ننقذ من بيت يحترق؟" صحيفة العربي الجديد. تم نشرها في 23 سبتمبر 2019. تم الوصول إليها في 6 ديسمبر 2019. يمكن الحصول عليها من الرابط التالي:

<https://www.alaraby.co.uk/books/2019/9/23/%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%86%D9%86%D9%82%D8%B0-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D8%B1%D9%82

شلّمي، رامي جورج. الخلاص والزمن في روايات الريحاني وجبران ونعيمة: كتاب خالد، والأجنحة المتكسرة، واليوم الأخير، ط1 (بيروت: دار الفارابي ودار نشر الجامعة الأنطونية، 2016)

شيّا، محمد شفيق. في الأدب الفلسفي (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2009).

الكتاب المقدس. ترجمة فاندايك الجديدة. الإصدار السابع. ط1 (القاهرة: دار الكتاب المقدس، 1999).

محفوظ، عصام. "في النقد الأدبي والتطور الكوني والتصوف: الجوعُ الأكبر جوعُ الإنسان إلى المعرفة والحرية." موقع معابر. مقابلة نَشِرت لأول مرة بتاريخ 2 آذار 1988 في
صحيفة النهار. تم الوصول إليها بتاريخ 10-12-2019. يمكن الحصول عليها من الرابط التالي:

< http://www.maaber.org/issue_november05/literature2.htm>

المراجع الأجنبية

::

Imangulieva, Aida. Gibran, Rihani & Naimy: East- West Interaction in Early Twentieth-Century Arab Literature. Translated by Robin Thomson (Oxford: Inner Farne Press, 2009), 123-184.

Solovyov, Vladimir. The Philosophical Principles of Integral Knowledge. Translated by Valeria Z. Nollan (Cambridge, Grand Rapids: William B. Eerdmans Publishing Company, 2008.), 84.

Swanson, M. L. ”The Russian influence on the literary and critical writings of Mikhail Naimy.” Liberal Arts in Russia, 2017. Vol. 6, No. 1, 44-66.

D 29 شباط (فبراير) 2020     A فادي أبو ديب     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  لوحة غلاف العدد 118

2.  الإنسان واللغة: أي علاقة؟

3.  مقتطف من رواية لامار

4.  الاستعمار وتخلُّق الهويات

5.  كلمة العدد 37: عن ظاهرة تحقير العرب