عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

محسن الغالبي - السويد

أمهلني قليلا


محسن الغالبيقال لي "إضاعة الفرصة غصة"، وان بعض الفرص تمنحها الحياة مرة واحدة، واحدة فقط، فإن أضعتهما فكأنما أضعت الحياة بأجمعها.

لم اصدق عيني لحظتها، اطلت الوقوف، حدقت كمن لم يجرب عينيه من قبل، أو كمن يخشى أن يفقدهما من بعد. كيف يعقل أن أكون على هذه الغفلة؟ سنتان أروح جيئة وذهابا كما الأعمى، كيف يمكن الآن أن أثأر لتينك السنتين والعمر يعبر كالحلم أو اسرع، وقد مضى منه أكثره؟ كيف يعقل أن ما بيني وبينها لم يكن سوى دورين فقط؟

طالما أتعبت السلالم بقدمي وأتعبتني، وهي كذلك مذ عرفتها من قبل أعوام، تأنف أن تستقل المصاعد كي تحافظ على خصرها القاتل ذاك. كنا التقينا قبل أعوام في احد المعاهد، وسرعان ما تعارفت أعيننا، وكفـّانا، وأفكارنا، وعشق أكواب الشاي الساخن في بلد بارد يعشق القهوة.

كان يجمعنا شوق الشرق ووجع الوطن الذي يأبى الالتئام، كنا نفرغ لوعتينا في قدحي الشاي قبل أن نفرغهما في جوفينا.

كان دفء الشرق يأتي كله في دفء حديثها، وشمس الشرق تشرق بين عينيها حين تجلس قبالتي، ويتسرب الصيف إلى كفّي حين تصافحني. كنت أعجب كيف وهبني وطني الوحشي ذاك كل هذه الرقّة، وكيف وهبتني غربتي الباردة هذه كل هذا الدفء، وأتساءل كيف يمكن أن يسكن كل هذا الشجن في صوتها وهذه العذوبة في شفتيها.

كنت أتجنب الاقتراب منها كي لا يسكرني عطرها وهي التي كانت تتجنب كل العطور، وأتحاشى عناقها في بلد يدمن العناق كي لا تتفجر براكين الدم في عروقي.

بعد عامين التقينا، ربما أكثر، تصافحنا مستغربين نحن الاثنين كيف تسكن الرابع وأسكن السادس في ذات المبنى دون أن يجمعنا لقاء صدفة. اتفقنا على قدحي شاي بعد يومين. مضيت ليلتها أشم كفّي التي صافحتها وأتجنب حتى شطفها كي أحتفظ بآثار أصابعها عليها.

والتقينا، لم تغير السنون فينا الكثير فما زلنا وحيدين نبحث عما يبحث الغرباء عنه في غربتهم: شيئا من الوطن. أدركت لحظتها أنني لن أحتمل غصة أخرى، هي وطني في غربتي ولن أغادرها.

أفصحت لها عن الهواجس والخواطر والحروب التي تدور بداخلي، قالت: "أمهلني قليلا"، وتمنعت تمنع الشرق الذي يحترف التمنع. لم يكن تمنعها رفضا، ولكنه خوف أمهاتنا اللواتي يورثنه إيّانا.

مرّ عام، عامان، ثلاثة، وجوابها في كل تارة "أمهلني قليلا". يا الهي! ألا تدرك أن العمر يجري في الغربة أسرع مما في الوطن؟ أما تخشى أن يتسلل البياض إلى رأسينا؟ والانحناء إلى قامتينا؟ هل أدمنت الوحدة كما الآخرين هنا؟

مرت الأعوام وأنا سجين جوابها وهي سجينة خوفها. أقداح من الشاي، وورود بكل الألوان. يا الهي كيف لي أن أشرح أن العمر يمضي، وأن الانتظار سرطان يتغلغل في روحي قبل جسدي، وأن الله قد خلق الزمان كي يمضي بلا عودة، وأن الصبر مفتاح الجنون.

اليوم عزمت أن أضع للصبر حده، وان أضع حداً لانتظاري، ولخوفها. سأبوح بكل شيء. استبدلت الوردة التي اعتدت وضعها بين قدحي شايينا بشيء آخر هذه المرة، شيء يوافق جلسة الشاي: اشتريت قدح شاي أبيض وكتبت عليه أسمها بلون دمي: "إقبال".

ملعب للأطفالقبل اللقاء بساعة، كنت أقف في شرفتي في الطابق السادس ممسكاً بقدح "إقبال". احتضنته بكفّي معاً خوف أن افقده. أردت أن أطبع عليه ألف قبلة، ولم أفعل. أحببت أن تكون شفتاها أول من يلتقي القدح.

ومن شرفتي كنت أسمع صوت المترو عابراً محطة حيـّـنا، يتوقف بضع لحظات، ثم يعبر. ربما كان هناك من تردد في أن يستقله حينها، ربما أغلق المترو أبوابه عابراً غير عابئ بمدى الحزن الذي سيجثم على وجه ذلك المسافر.

شعرت لحظتها بتعب قاتل يتسلل إليّ سراعا، وملل يعصر روحي، شعرت بخواء يقتحم الآفاق كغمامة سوداء. شعرت بحنين يذبحني، حنين إلى أختي الكبرى، أحلام، كانت تعرف كل أسراري. تمنيت أن أجالسها الآن، أشاطرها قدح شاي، وحديث، أو ربما ... صمت.

أفلتّ قدح "إقبال" من كفيّ، أطلقته للريح وللخواء، منحته حريته، وأمهلته قليلا، ما يكفي للقاء أرضية الفناء الصلبة. تهشم متحولاً إلى شظايا.

فقدت حروف "إقبال" مقدرتها على النطق وعن البوح عن قاتلها.

لم أكن أنا.

D 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2012     A محسن الغالبي     C 5 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • محسن الغالبي
    أمهلني قليلاً
    وقفت هنا على قصة جميلة وسرد ساحر وقدرة هائلة على جذب المتلقي بتعبيرات مكثفة تفي الغرض وتمنح الجمال في التعبير في أن معاً، فخلال القراءة كان يتراءى لي سؤال عجبت كيف لم يتنبه له البطل.. هل يعيش الانسان وهم الحب والتعلق بأذيال الوطن في بلاد الاغتراب لمجرد بحثه عن الدفء العاطفي المفتقد، فالبطل هنا التقى مصادفة بفتاة من بنات وطنه أحس بميل نحوها ربما لأنها ممكن أن تربطه بالوطن ودفئ الوطن، طلبها الإمهال معناه أنها غير متيقنة من مشاعرها أو مشاعره،والإطالة في وقت الامهال معناه رفضها غير الأليم لمشروع الزواج ورغبتها الاحتفاظ بالصداقة.. البطل امتنع عن اتخاذ أي تصرف يعتبر مقبولا في بلد تقبل كل شيء فقط لأنه كان يبحث عن دفء الأخوة التي تربطه بأخته الكبيرة.. النهاية المفتوحة أتاحت للمتلقي اطلاق خياله في اتجاهات عدة رغم أنها شرحت السؤال الكبير (لماذا)


  • يا إلهِي،
    رغم كلّ ذلك الحزنِ الذي كان يطغى على كل شيءٍ هنا، رغمَ برودةِ مقاعدِ الانتظارْ،رغم الغربةِ وكلّ المٍ يوازيها،
    هناك شيءٌ ما في كل كلمةً تحرك بنا يمينا وشمالاً، صعوداً ونزولاً،
    تأرجحنا مع تردد أقبالْ، وانجرفنا مع خيبةِ الانتظارْ،
    والروحُ أنستْ بنّصٍ راقٍ واسلوبٍ عذبْ..

    نص جميلْ جداً استاذ محسنْ..بالتوفيق دائماً.


  • فيا قلب مهلاً ولا ترتم

    على درب عودتنا موهنا

    يعز علينا غداً أن تعود

    رفوف الطيور ونحن هنا.

    هي تقول أمهلني قليلا، وحين تقرر يكون هو قد رحل، وهو يقول أمهليني قليلا، وحين يتقدم خطوة تكون هي قد رحلت.
    تبقى الحسرة تتردد على القلب، وفي الأذن عبارة الأمهات ( كل شيء نصيب)

    شكرا لك أستاذ محسن، نص جميل، يفيض بالعواطف والأشجان.


  • ما (اجمل) و(اصعب) ان يكون القاريء ذكيا وقادرا على استعادة النص اكثر من الكاتب نفسه فيضعه امام تحد قد لا يطيقه. هذا ما اوحت لي به كلمات هيام، غانية، واشواق فلكن مني جزيل الشكر والتقدير.