محسن الغالبي - السويد

لقاء


محسن الغالبيربما كانت مصادفة. أو ربما كانت خطة إلهية. أضحك عندما أسمع هذه الأخيرة لكنني أكتم ضحكتي، ليس خوفا من مؤمن، لكنني ما عاد فيّ مزاج للجدل، أو للبحث عن آلهة جديدة.

وتسرقني خطاي إلى حيث لا خطا غيري، ويشط بي سيري فأقفل راجعا ويهرب من عودتي داري، فأتيه.

ربما كانت مصادفة ذاك المساء إذ التقيت بها. أنكرتها، وتنكرت لي. صافحتها كغريب، وكذا صافحتني. ساد صمت بيننا، الموت أشدّ منه حيوية وانفعالا. تفلّتت كفها من كفي، وأدارت ظهرها نحوي فمنحتها ظهري. غرزتُ كفي في ذاكرتي باحثا عما سينعشها، بلا جدوى. أطلنا المكوث ردحا من الزمن، حتى بدا لنا عبثا هذا اللقاء، وهممنا بالفراق.

أطحتُ برأسي إلى جدار قريب أصم كما صممي، علّه يخرج ما تبقى فيه من رذاذ ذكرى. وعبثا كان فعلي، تماما كما هي كل أيامي.

حدقت فيها بكل ما أوتيتْ عيناي المفقوءتان من وجع السنين من نظر . لكن، كان سدى.

أدركت فيها ملامح سرعان ما غابت لأصاب بالغثيان ككهل هدّه تسارع الأوجاع والعلل.

صرخت بها، تمهلي! ما عاد في العمر متسع لمجاملات فارغة كتلك التي يهدر فيها الناس أعمارهم، أو لخجل مصطنع. أنا أعرفك حق المعرفة. وأجهلك حق الجهل. فمن أنت ِ؟

تبسمت ْ ولم تنطق ولم تفصح ولو بإشارة كما لو أنها تضعني أمام تحد لست أهلا له. تمعنتُ فيها وفي ملامحها كثيرا بشكل أدركتُ معه أنها ستغضب وربما تهجرني وترحل. لكنها لم تفعل، وكأنها تغريني بالتمعن أكثر. بدأت عيناي تلتهمانها من أخمص قدميها إلى أقصى أقاصي جبهتها. لم يسعفني كثر التمعن في معرفتها بل زادني جهلا.

هكذا هي الحياة أيضا، كلما أمعنتِ فيها لتدركها، أدركتِ جهلك فيها.

كل ما فيها قريب مني، لكنها غريبة عني. بالأحرى أنا الغريب لا هي. فمن هي؟ أو ، من أنا؟

"إني رفعت الراية البيضاء سيدتي، بلا قيد ولا شرط،

ومفتاح المدينة تحت أمرك.

فادخليها في سلام.

جسدي المدينة" [1].

جسدي المدينة، فكوني أنت ِ... ، وسكتُ كأنما أصابني الخرس، فأحجمت. تبسمتْ كأنها أدركتْ ما أردتُ قوله، وشعرتُ أني أقترب منها خطوة. كم وددتُ لحظتها لو أنني كنت على دين بوذا كي أحلّ بها أو تحلّ بي. ولو في مجرد حلم ليس أكثر.

أنا الخراب البلقع ِ، فاسفري، أرجوك، ولا تتبرقعي. كن معي وأعـنّــي على هذا اللقاء! يا من هجرت بخارى وجبت المدن لتموت بغيرها![2]

قالت إن عرفتني فقد عرفتني، وإن لم تعرفني فليس لي إلا التلاشي ، وليس لك إلا البحث عني، وعنك، إن أردت.

لملم رفاتك أيها العاجز. رمم رفاتك أيها المتهشم. أو ، فلتكن حجرا.

يا "ليتني حجر

لا أَحنُّ إلى أيِّ شيء

فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي

ولا حاضري يتقدمُ أو يتراجعُ

لا شيء يحدث لي"[3]

= = =

1. من قصيدة "صورة خصوصية جدا من أرشيف السيدة م" للشاعر نزار قباني.

2. المقصود أبن سينا وقصيدته العينية.

3. من قصيدة "ليتني حجر" للشاعر محمود درويش.

JPEG - 44 كيلوبايت
لقاء
D 27 شباط (فبراير) 2022     A محسن الغالبي     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 24: الجدل حول الأعمال الفنية

قصتان: فيروزتان + زيارة قصيرة

فنجان الكابتشينو

لِمن المخترة؟

ثلاث قصائد في الأمومة