زهرة يبرم - الجزائر

كاد المعلم

كاد المعلم أن يكون رسولا (1)

وقف أمام الواجهة الزجاجية لصالون بيته الأنيق ينعم بالنور الصباحي الممدود ملء فضاء الله. مكان صمم بهندسة خلاقة تسمح لأكبر نسبة من الضياء أن تغمر المكان. جلس في ركنه المفضل المطل على البحر يرتشف قهوته ويستقي أخبار العالم من التلفاز ومن الجرائد الورقية التي تصله يوميا والتي ما زال مخلصا لها لم يبدلها بالصحف الإلكترونية.

تلك طقوسه التي يبدأ بها يومه منذ إحالته على التقاعد كإطار سام بإحدى شركات البترول بالصحراء. استوطن بأقرب مدينة لريف مولده، وبها شيد منزله الفخم الذي أشرف بنفسه على تفاصيل بنائه، ينشد فيه الراحة لما تبقى من عمره بعد سنين طويلة ذوت في عناء العمل والكد.

فيما كان يتصفح بريده الإلكتروني، استقبل رسالة من صديق قديم ينبئه بموت المعلم لاكوست. شيء من الأسى اجتاحه فانتفض واقفا مهللا ومحولقا واكفهر وجهه حزنا على معلمه الأول.

من الغريب أن يوجد في العالمين من يذكر أول معلم له على الإطلاق وقد تخطى سن التقاعد بكل هذا الحضور، فيعصره الأسى والألم على وفاته. ربما ذلك سر من أسرار النفس البشرية وكنه ارتباط الروح بروح أخرى والذي لا يدرك مداه إلا الله وصاحب الشأن.

نبش خبر وفاة المعلم لاكوست في ماضيه وكأنما قد تلقى صفعة على الذاكرة، ارتجت الذكريات بداخله وانهارت، فاضت ينابيعها وطفا ما كان مترسبا منها في المكامن القصية. صحت بداخله أكوام الذكريات حتى لكأنه يعيشها في اللحظة الآنية، وبدأه الهسيس.

عاودته الذكريات كسلال مثقلات بالحقيقة. في الزمن الرهيب، زمن الصدور العارية والأقدام الدامية على الدروب الشائكة، في الأكواخ في الجبال في المغارات العتيقة، في عمق جرح الوطن الخلاق، وهو طفل، شهد ميلاد الحقيقة. وعى على الدنيا في زمن كان الفجر يحفر طريقه، والإنسان في وطنه يكتب قصة سحرية لا تضاهيها الأساطير العريقة. قصة الإنسان والأرض تروي أخاديد الحياة .

كان لا يزال، في منطق تقسيم الأعمار المتعارف عليه في المجتمعات التي تعيش رفاهية الحياة، طفلا. أما البيئة الزمكانية القاسية التي حضنت طفولته فقد جعلته يعيشها رجلا. خاض معركة الحياة باكرا في أسرة يشلها العوز والحرمان ويكبلها الجري وراء لقمة عيش شحيحة مغمسة بالعذاب. ناء كاهله بالكثير من أعباء الحياة، إذ كان يدعم اقتصاد أسرته الريفية بالعمل راعيا وأجيرا في الحقول والمزارع بأثمان بخسة.

حين سطا النور على ظلم الظلام الآثم حلق، كالطائر الحر، يستنشق النسائم على ضفاف الجداول الهائمة وينطلق في المراعي الخصبة على أرضه السيدة. لا يبالي بأقدامه الدامية وقد أوكلت له مهمة أجير في رعي الأبقار عند أحد الأثرياء. لا يعرف عما حوله من العوالم الأخرى شيئا غير عالمه القروي البدائي، ولا يتخطى بفكره المكان والزمان الذي يضمه.

كان خاضعا لمشاعر الضعف الأليفة التي تسحق بداخله أي طاقة تحفزه على تطوير ذاته وطرد نحس الشقاء الجاثم على أسلوب عيشه. لكن هناك قدر يتربص به على غير موعد لينتشله من وهدة الضياع وسغب المذلة، من عالمه ذاك.

فيما كان يوما سابحا في أرض الله يعزف على ناي من قصب ويرعى قطيعه، إذ به يلحظ سيارة تتوقف على حافة الطريق الزراعي ويترجل منها شاب ثلاثيني فارع الطول ويتجه صوبه. ارتبك الطفل وأوجس في نفسه خيفة لما يحمله هذا الرجل من ملامح من كانوا يدنسون بأقدامهم أرضه الطاهرة ثم رحلوا صاغرين. ومن عاش أهوال حرب بحجم حرب بلاده لا أبا لك يجمده الخوف من الجنس الفرنسي السفاح.

لما دنا الرجل من الطفل هش في وجهه وحياه بعربية ركيكة ومد يده له مصافحا وسأله: " ما اسمك يا صغيري؟"

جمع شجاعته وأجابه بحياء يميز أهل الريف: "مبارك".

"ماذا تفعل تحت لهب الشمس الحارق؟"

"أرعى البقر".

"كم عمرك؟"

"لا أدري يا سيدي".

"هل تقرأ؟"

"لا، ما أنا بقارئ".

"هل تحب أن تسجل بالمدرسة لتتعلم القراءة والكتابة مثل معظم الأطفال في هذه النواحي؟"

أدرك الطفل حسن نوايا محدثه وأنه لم يأت ضامرا له شرا، فانشرح صدره له وأجابه بلهفة:

"أجل يا سيدي بالتأكيد. لكن ماذا أفعل بالبقر؟"

"لا عليك. أين تسكن؟"

- هنالك على الربوة في ذلك الكوخ !

"هل أجد والدك في المنزل؟"

"لا، هو الآن في العمل، إنما يعود في المساء قبل المغرب".

"أنا المعلم لاكوست. أخبره أنني سآتي للقائه هذا المساء".

كان ذلك هو اليوم الذي واعد فيه القدر مبارك، فساق إليه معلمه الأول وحَدَثَ أول تعارف بينهما. أما المعلم لاكوست فقد واصل طريقه إلى منزله الكائن بحرم المدرسة، وأمر ذلك الطفل الراعي، المركون على هامش الحياة، يعصف بقلبه وكيانه.

* * *

أطل الفجر على الدنيا يهدهدها، فغنت له "طلع الفجر علينا" وقد عرى ظلمات الليل تبديد. في الأرياف المتاخمة للجبال فتحت مدرسة "الجبل" أبوابها بعد انتهاء الحرب وسيادة البلاد على أراضيها. جاء المعلم لاكوست ليدير شؤون المدرسة. كان يحمل الأمل في غد أفضل لبلده الذي ولد ونشأ فيه وأُشربَ حُبه حد النخاع رغم أصوله الفرنسية.

كان شابا قوي البنية، فارع الطول، أشقر الشعر، ملون العينين، حاد النظرات. يطل على الناس كنخلة شامخة، تملؤه البساطة واليقين. يبحر في عمق أوساطهم ويوغل في أدغال فقرهم. يدلهم على دروب النور وينفض عن أبنائهم ظلمات الجهالة. ينتشل الأطفال والمراهقين من براثن التهميش والضياع ويضمهم أفواجا إلى مدرسته. يحمل رسالة العلم ومحو الأمية بين الناشئة ويتفانى في ذلك إلى أبعد الحدود.

* * *

قبل المغرب، قصد المعلم بيت عائلة مبارك ليلتقي بوالده و يدعوه إلى إرسال ابنه إلى المدرسة. وجد من الأب ممانعة في ذلك ورغبة في إبقاء ابنه قيد الرعي. خاض معه مفاوضات صعبة، في البداية اتسمت باللين ثم ما لبثت أن اتخذت منعطفا آخر نحو الشراسة، والأب يصر على أن الأمر حرية شخصية وأن لا دخل للغريب في شؤونه العائلية، وأن ابنه تجاور الثالثة عشر من العمر ولا يليق به أن يجلس مع الصغار ليدرس.

حزم المعلم أمره وقرر ألا يعود مهزوما. لمعت عيناه كالزيت، صافية كصفاء فكره. خاطب الأبَ بلهجة واثقة عنيفة وصارمة كالصخر. لَامَه بقسوة على التقصير في حق ابنه وأرغمه إرغاما على تنفيذ ما يطلب. أما الأبُ فمن طينة عنيدة ، صعبُ المراس لا ينهزم بسهولة، إلا أنه انهزم هذه المرة بعد أن قلب منطق الأشياء في كلام لاكوست.

انصرف المعلم يتهادى كمارد، منتشيا بالانتصار بعد أن وعد بالعودة في الغد لأخذ الطفل بنفسه إلى المدرسة البعيدة نسبيا.

كم سعد مبارك ليلتها! كل شيء يوحي أن مصيره سيتغير. فما فعله لاكوست من أجله ولّد حبا وإكبارا له في قلبه. بات يتقلب في فراشه يحن شوقا لمطلع الفجر. فجره القادم مختلف سيطل عليه بنورين. سيشهد ميلاد نفسه من جديد.

في اليوم التالي اصطحب المعلمُ الطفلَ معه إلى المدينة، وكساه بما يليق بتلميذ من ثياب محترمة، واقتنى له ما يلزم من أدوات مدرسية، كل ذلك على نفقته الخاصة، وألحقه إثر ذلك بالصف الأول من التعليم.

كان يراقبه عن كثب ويختبر ذكاءه وقدراته الاستيعابية. بعد شهور، ولما لاحظ منه ذكاء خارقا وتفوقا كبيرا، ألحقه بالصف الثاني. وهكذا تحت رعاية معلمه وإرادته الفولاذية، كان مبارك يحصد كل سنتين مقررتين في سنة واحدة، فلحق بمستوى أترابه. تقدم لاجتياز امتحان الشهادة الابتدائية فنجح بتفوق ونجح زملاؤه جميعا.

* * *

استفاق الدكتور مبارك من غفوته على رنين هاتفه. كان على الجهة الأخرى للخط رئيس مصلحة المعهد العالي للبترول يذكره بموعد مرافقة دفعة من الطلبة المهندسين الجدد في جولة بمصنع البتروكيمياء لينقل لهم خبراته في الميدان كمتطوع.

= = = = =

(1) من بيت شعر لأحمد شوقي: قم للمعلم وفه التبجيلا ،،، كاد المعلم أن يكون رسولا.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC