عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 85 » لم تهيئ مشاعرك للحب

مهند فوده - مصر

لم تهيئ مشاعرك للحب


لأنك لم تهيئ مشاعرك للحب كما ينبغي

مهند فودهفي زماننا هذا، صار الحب ثمرة قصيرة العمر، سريعة الفســاد، تنضج من الخارج وقلبها لم يستوِ بعد، فتبدو أمام عينيك بهية المنظر، وحينما تلتهمها تجدها بلا مذاق و بلا نكهة.

إنها الهندســة الوراثيــة التي طالت كل شيء، كل ما حولك تغير تكوينه، كل شيء تغير لدينا تعريفه، حتى الحب طاله الحقن بالهرمونات.

وكيف لك أن تمهله مزيداً من الوقت لينمو بداخلك وكل ما حولك يعدو ويقفز؟

لم يعد الحبر يباع ليملأ مِداده سطور الشوق.

ما عادت الطوابع تُشترى لتختمها ألسنـة العشاق.

ما عادت "شكراً ساعي البريد" تُكتب على المظروف لأن ما من رسائل شوق صارت تُرسل بالبريد، وما من قلق صار يعتري راسليها إن كانت ستصل أو تضل الطريق. فلم يعد ساعي البريد يخزه الذنب بألا يسلم ما يحمله من رسائل بأسرع وقت لأصحابها، فربما في تأخيره تموت قصص حب ويتبدل مسار أخرى.

كـانت لبدائية وسائل الزمن الماضي دوراً في تهيئة البيئــة الخصبــة لينمو الحب على مهل ولينضج على نار هادئـة فكل شيء لا يعادي الوقت وينازلـه كما اليوم.

كان في صعوبــة وسائل الاتصال شيء من الرومانسيــة، حينما يتصل حبيبك بك وقبل أن تقول له مرحباً -دون أن يخبرك- تكن على يقين كم تكبد من عناء نظير مكالمة كهذه، كم دفعت أقدامه من خطوات مشتها من أجلك حتى وجد كابينــة هاتف تعمل. و أي مدة انتظرها لأجلك حتى خلت طوابير مستخدميهــا.

تستمع لصوته ولكلماته بشوق كبير ويحادثك بلسانه ويده بالعملات المعدنيــة تغذي مكالمــة حبه القصيرة إليك. أي وسيلة حب أفضل من هذه؟

لم يتقاعد ساعي البريد وحده، فقد أحيلت للتقاعد زهور المروج. بلغة الأرقام لم تعد تعني أكثر من هدية رمزية إذا تعذر شراء الهدايــا الثمينة.

لم تعد الزهور تشارك الأموات وحدتهم ولا المرضى آلامهم. ما عادت تُهدى إلينا لتقاسمنا حصتنا من الهموم و تزيد من حصة أفراحنا. فقدت عملها كوسيط يصالحنا على من نحب. وسيط كان يختزل الكثير من كلمات الاعتذار والغفران بلون زاه وعطرِ يفوح.

ما عادت أشواك الزهور تُدمي أصابع عمال الحقول، لأن ما من زهور صارت تزرع في بلد الزهور، استبدلت زراعتها بالبرسيم ونباتات العلف. تغذيــة الحيوانــات مُربحـة أكثر وتدر عائدا أكبر من تغذيــة القلوب.

صرنا نستوردهــا من الخارج، من بلاد وظفت البحث العلمي والهندسـة الوراثيـة لاستزراع الزهور لأن مناخها البارد لا يلائم نموها، فتفتحت سلالات جديدة من الزهور التي كنا نعرفها، أشبه بتلك التي كانت تنبت بأرضنا وكل صباح تُجمع وتُنقل لتعرض في سلال محال الزهور بشوارعنا.

عادت للوطن محمولة في باقات، وفي بيوته وضعت في المزهريات، ولكنها ما عادت تفوح وتملأ أجوائه بعِطرها، فرغم نشأتها بعيداً عن الوطن واحتفاظها ببهائها كما كانت فيه، ومنحها عمراً أطول كما لم تكن فيه، صارت مسلوبة العِطر كما لم نعهدها من قبل. ولا يزال العِلم عاجزاً عن أن يمنحها عِطراً لا يجود به الوطن سوى لزهوره التي تنمو بأرضه وتتنفس هواءه.
.
أضاعت الحداثــة الكثير من نكهـة الحب ومذاقه، قربت المسافات وسهلت وسائل الاتصال وصنعت من الحب عدة قوالب متاحة للجميع بلمسة زر، اختر منها ما يروق لك دون جهد أو تعب وتكبد عناء الصبر والانتظار لوقت أطول.

كل شيء تم اختزاله حتى صار الحب أشبه بقهوة سريعــة التحضير، يُرتشف سريعاً، ويُهضم سريعاً دون أن تشعر بنكهـة البن الذي كان تقطفه من الأشجار أيدي فتيات البرازيــل. لم تعد تشعر بلفحــة النار وهي تحمصه، ولا بالجهد الذي يتكبده الطحان العجوز وهو يدير ذراع الطاحونة كي يطحنــه لك، فما عادت رائحته النفاذة تداعب أنفك كما كان في طفولتك عندما تمر بشارع ودون أن تراه تخبرك رائحته المميزة أن في هذا الشارع يوجد مطحنة للبن.

ومثلما لم تعد تتلذذ بفنجان القهوة، وتروق إليك الزهور المستوردة، وتنتشيك قراءة رسالة حب على البريد الإلكتروني، لم يعد الحب يثير شجونك ويزلزل كيانك ويغير صفاتك ويبدل فيهـا. لم يعد يستوطن قلبك ولا يفارقه متى بقيَّ بين الضلوع قلباً حياً ينبض.

لماذا؟ لأنك يا سيدي ببساطة لم تهيئء مشاعرك للحب كما ينبغي ويستحق منك الحب.

D 25 حزيران (يونيو) 2013     A مهند فوده     C 15 تعليقات

10 مشاركة منتدى

  • كلمات جميلة تحكي عن واقعٍ مؤلم في زمن السرعة، أحسنت في التسبيهات جميعها، وفقك الله دوماً.


  • نصك أكثر من رائع يامهند تحكى عن الحب فى زمن الثور المعلوماتيه أن كل شىء اصبح متاح بسهوله ولم يعد الحب مشوقا كما كان
    أختلف معك فالحب هو الحب فى كل زمان ومكان المهم الاختيار الصيحيح
    اأطيب التمنيات لك بالتوفيق والنجاح ومزيدا من النصوص ذات الاحساس المرهف والجميل
    وأضم صوتى معك انى سعيده بتمثيلنا لمصر مع نخبه مميزة من الكتاب االعرب المتميزين


  • في مطلع المقال وتحديداً الفقرة الأولى، بداية مميزة تشدني للتعليق، كما العنوان أختلف مع حضرتك نسبيا فيه إسمح لي من باب أن المشاعر هي من يهيئنا. وبناء عليه، الإنسان القامة نَصٍفه دون تردد بالذهب، كناية عن غلاه الذي يتوائم في أذهاننا مع الكمال. الإنسان هو الواصف والموصوف، هو المحب والمحبوب، ولا تتعدى الأزهار كونها لفته حلوة للتعبير عن المودة الإنسانية المفعمة بالتقدير، أو الإمتنان أو المباركة لأحدهم، وأما في الحب، فالأزهار تحكي عقيدة الإنسجام التواصلي، الذي يأخذنا إلى التناغم المشاعري الحي والحقيقي للعشق والوله. وهذا التناغم المشاعري نختصره في المشاعر، التى إما أن تكون كالبناء الهش ظاهري في تماسكه، ولكنه إحدودب على بوح أفجعه رتم السرعة والتسرع على غير أساس، لذلك ما تلبث أن تنضب كباقة مختارة من الورد زالت رائحته العبقة.. يتبع


  • أو مشاعر كالنهر الخالد يفرض إنسيابيته أحياناًَ بهدوء على الطبيعة الوسيعة، يجنح ، يفيض ويسكن مرغما إياها على الرضوخ لثوابته رغم أنها هي الطبيعة بكل جبروتها، يكاد يجف لتفجئه السماء وتسعفه إرواءاً بالمطر، فصموده الذي لا يموت، يتمثل في مائه وهو يُجري الحياة في الأرض اليباب كما يُجريه الشعور دماء بلون الحب في العروق الآدمية العاشقة. فالشعور هو الذي يهيئنا ليخلق الحب فينا حياةً في السعادة مع الحبيب، السعادة لذواتنا حتى تكون لأجله وهو من نخصه بالحب دون غيره ولا نعرف لما! ربما يكون الشعور إصطفاه القدر لتطيب به القلوب المتمردة. ومن هنا فالشعور القامة لا ينفذ عطر عطاءه، وهذا ما يغيظ العطر ويديم عليه وجع إختلال القيمة لأنه سوّغها إحساساً هشاً، تسبب بضحية تحمل قلباً منكل فيه،


  • البقية الاخيرة من التعليق ..
    فحقيقة الشعور الإلهام يرقيها الشعور المتسام غاية، وروح فطرية يقدسها من يقدرها فقط. فشتان بين الحياة في عظمتها وجمالها مسقوفة إلى نهايه إسمها الفناء، وبين من يمنحها ويقولب صيرورتها بملكوت يُرغم الوجود على البقاء. شكرا للأستاذ مهند فودة للنص الرائع.}}
    إنتهى


  • نص رائع جدا يا بشمهندس ... لم تهيئ قلبك للحب فالحب في زمن الكمبيوتر والانترنت اختزل في كلمة سريعة تقال بكبسة زر من جوال في رسالة أو ايميل يرسل في ثواني ولم يعد هناك مجال للمشاعر الحقيقة كما كانت ولا لرسائل الحب المتحدثة عن نفسها بكلمات العشق والشوق المكتوبة فيها كما سهلت من الاتصال فحرمت خيال البعد والاشتياق الذي أنتج لنا الكثير من المبدعين ومتعنا بتجاربهم في فنون عظيمةولكن سيظل الحب موجود بنسب قليلة تصارع من أجل البقاء


  • الأستاذ مهند فوده
    ربما تخالفني الرأي !
    سيتلاشى الحب في النهاية إن كان الإختيار غير موفق كما قالت رانيا.
    الحب هو الحب، الوسائل هي التي اختلفت من زمن المجنون وليلى، إلى زمن الرسائل الإلكترونية.
    لكنني أوافقك على تغير الأحوال وتبدل المفاهيم.

    شكرا لك
    تحيتي واحترامي


    • بالعكس انا متفق معاكِ , وصاحب الاختيار عادة لا يكتشف عدم توفيقه سوى متأخراً, الهدف من الموضوع هو تسليط الضوء أن هناك وسائل قد تكون في نظر البعض قديمة وبدائية ورغم ذلك مفعولها قوي ويدوم طويلاً ...شكراً لمرورك استاذة أشواق , وسعيد أكثر لتعليق كاتبة رائعة مثلك على نص لي ..

  • مقالة انشائية ممتازة كان يمكن أن تتحول لسرد ابداعي شيق لو بذل الكاتب جهدا أكبر بصياغة المضمون وابتعد عن الخطابة والطرح المباشر واستعراض البديهيات المعروفة .


  • هذه الزهور التي ذهبت من بلادنا ثم صدِرت إليناولكن بغير عطر مثل زينا البلدي الذي كان يريحنا وينسجم على أجسادنا صار يصدر إلينا ولكن بدل ذوق ونفس الفنانين الذين كانوا يفصلونه بحب صار يعمل على الكمبيوتر بمقاسات إقتصادية ولا يرتاح على أجسادنا.


  • لماذا؟ لأنك يا سيدي ببساطة لم تهيئء مشاعرك للحب كما ينبغي ويستحق منك الحب.
    تلك هي الحقيقة في زمن تبدلت فيه كل القيم والمفاهيم، والعيب ليس ع الزمن بل فينا، وفي فهمنا واستعدادنا وتهيئنا لأي قيمة في الحياة بما فيه الحب.
    سلم قلمك