فنار عبد الغني - لبنان

مدن العناكب

فنار عبد الغنيتغيب عن بيتي بضعة أيام. أجبرتني ظروف عملي الطارئ أن أغادر وشقشقة الصبح، وأن أعود مع الأصيل. الطريق حسب علم الهندسة لم يكن طويلا نسبيا، لكن حسب الفينومينولوجية فإنه بدا أبعد من مجرة.

ما كان يجري في عقلي جعل المسافة تبدو لي أطول من المعتاد. يرفض عقلي أن يتقبل الحوادث الشنيعة التي كانت تصادفه خلال الطريق. يرفض أن يتابع يومه بعد تلقيه ذلك الكم من الصدمات، وكأن شيئا لم يكن.

مع انفلاش رقعة الضوء، تتوضح المعالم الجميلة للطبيعة من حولي وأنا في الباص: الجبال عن يميني، والبحر عن شمالي. لكن قباحة الإنسان تطمس جمال تلك الطبيعة. الصور الشنيعة التي لا يحتملها قلبي: الروائح النتنة لمرتفعات النفايات المتكدسة على جانبي الطريق؛ امرأة قبيحة تمسك بيد طفلة، تدخلها إلى سيارة بيضاء وتقبض رزمة من المال؛ وشاحنة تحمل قافلة من الأطفال المتسولين الحفاة، يقودهم رجلٌ قبيح؛ العجائز الذين يشردهم أبناؤهم ليستولوا على بيوتهم؛ صور ضخمة فاضحة لفتيات الإعلانات تتصدر جانبي الطريق والجسور الممتدة فوقها؛ ومياه الصرف الصحي المتجمعة على طول الشاطئ .

تصدمني هذه القبائح في طريق العودة أيضا، ويدهشني ارتفاع عدد المطاعم العصرية والمراكز التجارية، والابنية الضخمة الذي يرافقه ارتفاع عدد العاطلين عن العمل والفقراء والجائعين. مدن تجمع كل أشكال التناقض، تحمل في نُواها جينات التطور والتدهور. مدن تتوسع طولا وعرضا، تبتلع الجبال وتأتي على المساحات الخضراء، لتكون غاباتها الإسمنتية.

كنت أرجع إلى بيتي خائرة القوى، بالكاد كنت أتناول بعض لقيمات، وبعدها يخطفني النوم من ذاتي. كان إحساسي بالسخط يفوق أخساسي بالجوع والتعب. نضبت أحلامي في تلك الليالي. كنت أنام كالمغشي عليه . استيقظ فجرا وأغادر صباحا ثم تتكرر المشاهد اليومية ذاتها أمامي، تشوه ذاكرتي وحاضري ومستقبلي. لا افلح من الهروب منها، سلبتني تركيزي، فلم أنتبه لما يحدث في بيتي.

في تلك الأيام، لم ألاحظ الخطوط والبقع المنتشرة على السقوف وفي أركان البيت خلال فترة غيابي الاضطراري عن البيت، وبسبب تواصل انقطاع التيار الكهربائي أيضا. لم أتخفق من هوية تلك الخطوط والبقع إلا بعد انبلاج النهار. لم يكن الأمر خطيرا على المستوى المادي، لكنه أثار روعي: مجموعات من العناكب شبكت خطوطها الحريرية وتمددت في معظم زوايا البيت.

كيف تمكنت تلك الكائنات الهشة من حياكة مستعمراتها المعلقة في تلك المدة الوجيزة؟ إنها تحتلني في عقر داري، شوهت الجدران البيضاء. وحاكت تلك العناكب البغيضة شباكها الحريرية بين الوريقات الخضراء الرقيقة التي كنت انتظر تفتحها بشوق، وأسعد بها عند انبثاقها.

كيف تجرأت هذه المخلوقات الصغيرة على التعدي عليّ والعبث بأشيائي الحبيبة على غفلة مني؟ تسللت العناكب إلى حياتي وأثارت قلقي ورعبي، وتساءلت هل ما يحدث في دواخلنا عندما نكون غافلين عنها يشبه إلى حد كبير ما فعلته هذه المخلوقات في بيتي؟ وهل تتسرب إلى ذواتنا الأفكار القاتمة وتتضاعف فتحبط من عزائمنا، تقتل فينا الأمل، تنزع عنا الأمان، تنال من إرادتنا وتحول حيواتنا إلى خرائب؟

لقد أغرى السكون الغريب، والظلام المخيم في البيت، مجموعات العناكب على اقتحام حياتي فاحتلت بيتي وعبثت بأشيائي، مطمئنة، غير مبالية، وشرعت بنسج خيوطها بكامل نرجسيتها. أنجزت ما أنجزته وهي معتقدة أن البيت مهجور، لا أهل له، يعبئون به، وأنها ستنجو بفعلتها منهم.

تزامن انتهاء عملي مع قدوم شهر رمضان المبارك، وكنت مرهقة، ورغبت بشدة منح الوقت الأطول للعبادة، وأجلت أمر التخلص من العناكب لوقت آخر، لكن العناكب اغترت بنفسها، واعتقدت بأن إهمالي أو تجاهلي لها ناجم عن يأس، فأخذت تتكاثر بشكل خيالي. عندئذ قررت أن أضع حدا لها.

في بداية الأمر تخلصت منها بالمكنسة،أزلتها وأخفيت آثارها من الغرف.بقي المطبخ حيث بيوت العناكب متربعة فوق البلاط وفي الزوايا، تتوسع ما طاب لها وتسد الفراغات بين قضبان النافذة الحديدية.

بيت عنكبوتكم هي قوية أنثى العنكبوت!

هي التي تنسج البيت وتصطاد الفرائس والتي غالبا ما تكون حشرات غير مرئية، تخلصنا منها. إنّها مفيدة بعض الشيء، ربما كانت تخلصني من أعداء أجهلهم، لكنها رغم ذلك اعتدت عليّ. إنّها أنثى عاملة، تعد البيت وتعمل من أجل نمو فراخها دون مساعدة الذكر، تشبه المرأة في مجتمعي، التي تعمل وتعمل وحدها مع وجود فوارق عظيمة بالطبع بينهما، فأنثى العنكبوت تغدر بالذكر بعد أن تغريه وتوقعه في شباكها، وتفتك بصغارها متى أزادت، كما أن فراخها التي تنجو من قبضتها، تعود لتلتهم أمها، ثم تلتهم بعضها البعض. في حين أن المرأة في مجتمعي، تتفانى في تضحياتها من أجل الرجل والأولاد، والبيت أيضا.

قمت بتنظيف المطبخ، والقضاء على الممالك الحريرية وخيوطها التي يطلق عليها العلماء اسم الفولاذ البيولوجي. تخلصت منها بالماء البارد، فالقضاء على المعتدين بهذا الشكل أمر جائز، لأن الله عذّب الطغاة بالطوفان وأغرق فرعون في البحر، ولم أشأ القضاء عليهم بالمبيدات أو بالماء الساخن، فالله لم يحرق من الطغاة إلا الشاذين المنحرفين.

عاملتها بشفقة وأنا أتخلص منها. كانت تفاجئني على إصرارها على البقاء والتكاثر والعبث بأشيائي، استفزتني، وأكثر ما ضايقني أن تلك العناكب قد فسرت صبري وانشغالي عن الدنيا بالضعف والتخلي عن مسؤولياتي، فطفقت تعبث بأرجاء منزلي.

وحدث خلال عملية التنظيف أنني اشتبكت مع أنثيين من العناكب، كل واحدة منهما لم تكترث بما كنت أفعله، ظلتا واقفتين متسمرتين، تراقبان بكل لا مبالاة و عن بعد ما يحدث لفراخهما التي كانت تتهاطل ثم تسقط غريقة.

تذكرت الرجل القبيح الذي يقود الأطفال المتسولين والمرأة القبيحة التي تـتسول على طفلتها.

مخلوقات بغيضة لا تستحق البقاء. حاولت الحشرتان الفرار بسرعة لكنني أوقعتهما على الماء وقضيت عليهما بلا أدنى شفقة.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC