بهاء بن نوار - الجزائر

حشرجات أخيرة (*)


يوم جديد يحلّ الآن، وساعات فتيّة تتزيّن للعابرين: عواهر تهب نفسها لأوّل الطارقين، ولا ينالني منها سوى الوحل والصديد.

على سريري الثلجيّ هذا أتمدّد منذ دهور: يكفنني البياض، ويغسّلني الصمت والخواء.

أوراقي الجوعى أمامي: بعضها متخم قليلا يدثرني بحنان، ويمتنّ لأصابعي التعبى وبعضها الآخر يرمقني بشماتة ويسخر من عجزي، يتمطى كحفر الجحيم: عميقا لا يـفعـمه شيء، ولا يقنع بغير لحمي وعظامي.

دقات الساعة فوقي تزيد من نحيبي، وعيناي ترصدان الباب، تترقبان علّه يأتي (1) فيؤنس وحشتي: يحدّثني عن الحياة وأهلها، وعن الحب وبنيه.

زهور الأمس ذابلة مثلي وأذناي لا تزالان تتصيّدان الخطوات، تستجديان الهمسات (رغم علمي بأنه لن يأتي).

لم يبق لي الآن سوى أن أغمض عينيّ، وأتناسى الباب والخطوات: أتسلّى عن الانتظار بالانتظار، وأفصّل ساعاتي الهرمة هذه شالا مخمليّا: أحتمي به من عتمة الصّقيع، وأماطل القدر.

طال المسير وآن لك أيّها المسافر أن تستريح، وأن تلقي عنك أسمالك والذكريات: شهقة خاطفة وينتهي كلّ شيء. يتوجّعون قليلا، ثمّ يمضون، ولا يبقى سوى دمعك، وصليبك، وديوانك الفتيّ يتخاطفونه.

بقي من الخيبة لحظة أو لحظتان أخرج بعدها من مبغاهم طائعا قلبي وضميري: حين أمضي سأبصق خلفي ثلاثين مرّة وأقهقه خمسين، ثمّ أوصد النوافذ والأبواب: سأخلّف لهم تاريخي كلّه، وأتركه مشهرا أمامهم؛ يجوسون في زواياه ويتلصّصون على خباياه كما يشاء لهم فضولهم، يعدّون على ماضيّ أنفاسه، وعلى حبّي نبضاته:

سيجدون (إن فتّشوا جيّدا) عشتاري الولهى تنوح عليّ صباحا، وتختضب بدمائي مساء؛ تضاجع الخنزير ليلا، لتستحيل فجرا قطرا يبلّ جمجمتي، ويوقظ الغافي من حممي.

أوّاه من ذلك الخنزير، لا يزال ناباه يغوصان عميقا في ضلوعي، وقلبي مزق تحت أظلافه، دمي ينساب وعشتاري بعيدة: أناديها فلا تجيب ولا تتذكّر ولهي، ينتظرها تموز جديد، وحبّ جديد تتضوّع به كلّ وردة من حدائقها.

(لبني الحياة الحبّ والورد والعذارى، ولأمثالي دموعهم وكلماتهم)

قد يناوشكم سربروس قليلا، لكنّكم (كما أعرفكم) لن تأبهوا له، وستواصلون التلصّص والإبحار، ستشقّون هذا القلب شقّا إن تمنّع عليكم، ولم ينفتح طوعا: وستلاحقون أشباحهنّ الغابرات (ولن يعنيكم سوى الأشباح): هالة، وفيقة، وشاعرته، ولبيبة، عذراؤه الغافية في عتمة المبغى وجحيمه، وجيكوره الأبهى من كلّ النساء، أمّه المتجلّية شمسا، وعبيرا، ومطرا، ونشيجا: مطرا يحيي الرّميم، ومطرا يخصب العروق، ومطرا تلثغه العينان، وتتعثر به الشفتان (مطر. مطر. مطر.)

حبيباتي اللواتي تلاحقونهنّ لسن سوى كلماتي، وآهاتي التي أغازلها، وأغنيها. وأخلق من كلّ واحدة منها عذراء فتيّة: ألبسها ما أشاء وأعرّيها، أعانقها في خيالي أو على الورق، وأجري مكامن السّحر والرّحيق فيها.

كلماتي نسائي، جميعهنّ يحنين عليّ؛ يتنافسن لأجلي، ويحكن الدّسائس والأحابيل. (ملكا أكون بينهنّ).

ومن بعيد، من وحشة صقيعهنّ ترمقني الأخريات متحسّرات، أعينهنّ البائسة تستجدي فـتاتي، وتغصّ بانطفاءاتها: ضيّعن لبنهنّ صيفا، وأضعنني راكضات خلف سرابهنّ.

هل تذكرين "شاعرتي" رسائلنا المسروقة تلك وجلساتنا حين يغفو القمر وتتثاءب دجلة؟

وأنت يا "سمرائي": ألا تزالين تغارين من تلك الشقراء؟

حبيبتي "يا ذات الغمّازتيْن": يمتصّ الجحيم رواءك كلّه قطرة قطرة، وشعري وحده يبقى!

ألا تزلن تتخاطفن ديواني؟ تخبّئنه ليلا تحت الوساد؟ وتتنهّدن فوق حروفه؟ (ضيّعتنّ اللبن سيّداتي، أرقتنّه، ولم تتركن قطرة واحدة.)

والآن، مرّت السنوات أخيرا، ولحق بي منكنّ إلى القبر منْ لحق، وغيّب الموج تنهّداتنا المعلنة والخفيّة، لكنّ قلبي (قلب الشاعر) لا يزال عاشقا كما كان: ينتظر الباقيات، ويغافلني كلّ ليلة قافزا من وحشة القبر مسيحا جديدا دينه المطر والأغنيات: مطرْ. مطرْ. مطرْ.

(أبعد كلّ هذا لا تزالون تتلصّصون؟!)

= = =

(*) يتمثل النص أعلاه اللحظات الأخيرة للشاعر العراقي الراحل، بدر شاكر السياب. من أشهر قصائد الشاعر واحدة بعنوان "أنشودة المطر" يغنيها المطرب السعودي محمد عبده.

(1) الشخص المقصود هو الشاعر الكويتي علي السبتي الذي رافق السياب في أيامه الأخيرة.

.
بدر شاكر السياب علي السبتي
بدر شاكر السياب علي السبتي
.

قصيدة أنشودة المطر لبدر شاكر السياب

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

يرجّه المجذاف وهْنا ساعة السحر

كأنّما تنبض في غوريهما النجوم

وتغرقان في ضباب من أسى شفيف

كالبحر سرّح اليدين فوقه المساء

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف

والموت والميلاد والظلام والضياء

فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء

ونشوة وحشية تعانق السماء

كنشوة الطفل إذا خاف من القمر

كأنّ أقواس السحاب تشرب الغيوم

وقطرة فقطرة تذوب في المطر

وكركر الأطفال في عرائش الكروم

ودغدغت صمت العصافير على الشجر

أنشودة المطر

مطر. مطر. مطر.

تثاءب المساء والغيوم ما تزال

تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال

كأنّ طفلا بات يهذي قبل أنْ ينام

بأنّ أمّه - التي أفاق منذ عام

فلم يجدْها، ثم حين لجّ في السؤال

قالوا له: "بعد غد تعود"

لا بدّ أنْ تعود

وإنْ تهامس الرفاق أنّها هناك

في جانب التل تنام نومة اللحود

تسفّ من ترابها وتشرب المطر

كأنّ صيادا حزينا يجمع الشباك

ويلعن المياه والقدر

وينثر الغناء حيث يأفل القمر

مطر، مطر، المطر

أتعلمين أيّ حزن يبعث المطر؟

وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟

بلا انتهاء_ كالدم المراق، كالجياع كالحبّ كالأطفال كالموتى

هو المطر

ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

وعبر أمواج الخليج تمسح البروق

سواحل العراق

بالنجوم والمحار

كأنها تهمّ بالشروق

فيسحب الليل عليها من دم دثار

أصيح بالخيلج: يا خليج

يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى

فيرجع الصدى كأنّه النشيج

يا خليج: يا واهب المحار والردى

أكاد أسمع العراق يذخر الرعود

ويخزن البروق في السهول والجبال

حتى إذا ما فضّ عنها ختمها الرجال

لم تترك الرياح من ثمود

في الواد من أثر

أكاد أسمع النخيل يشرب المطر

وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع

عواصف الخليج والرعود، منشدين

مطر. مطر. مطر

وفي العراق جوع

وينثر الغلال فيه موسم الحصاد

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشوان والحجر

رحى تدور في الحقول… حولها بشر

مطر. مطر. مطر.

وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع

ثم اعتللنا - خوف أن نلام - بالمطر

مطر. مطر.

ومنذ أن كنّا صغارا، كانت السماء

تغيم في الشتاء

ويهطل المطر

وكلّ عام - حين يعشب الثرى- نجوع

ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع

مطر. مطر. مطر.

في كلّ قطرة من المطر

حمراء أو صفراء من أجنّة الزهر

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيد

فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد

أو حلمة تورّدتْ على فم الوليد

في عالم الغد الفتيّ واهب الحياة

مطر. مطر. مطر.

سيعشب العراق بالمطر

أصيح بالخليج: "يا خليج

يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى"

فيرجع الصدى كأنه النشيج

"يا خليج: يا واهب المحار والردى"

وينثر الخليج من هباته الكثار

على الرمال، رغوة الأجاج، والمحار

وما تبقى من عظام بائس غريق

من المهاجرين ظل يشرب الردى

من لجة الخليج والقرار

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق

من زهرة يربّها الفرات بالندى

وأسمع الصدى

يرنّ في الخليج

مطر. مطر. مطر.

في كل قطرة من المطر

حمراء أو صفراء من أجنة الزهر

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكل قطرة تراق من دم العبيد

فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد

أو حلمة تورّدت على فم الوليد

في عالم الغد الفتي، واهب الحياة

ويهطل المطر

D 1 آب (أغسطس) 2010     A بهاء بن نوار     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  لوحة غلاف العدد 118

2.  الإنسان واللغة: أي علاقة؟

3.  مقتطف من رواية لامار

4.  الاستعمار وتخلُّق الهويات

5.  كلمة العدد 37: عن ظاهرة تحقير العرب