عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

نصوص قصيرة


نورة صلاحأهداني لوحة، يُبلل بكاؤها الحيطان، تستبيح ثقافة الألوان، تُغيب ملامح اللوحات الأخرى، تصرخ فيهم. ذات يوم رأيتها تخرج من إطارها تهشم كل ما حولها، تستنشق رائحة الورد في المزهرية، تَسرقُ بسمة فتاة تداعب قطتها الصغيرة، تُغير مسار قطار للهاوية، تزمجر في الموج لتغرق أطفالا يلعبون على شاطئ هادئ، فرقت أحبه يتابعون غروب الشمس، كسرت قلوباً تعشق، أغرفت أرواحاً بالبكاء، وأتلفت كل ما كان يزين حائطي، حطمت كل الصور.

**

هل أرقي نفسي لأبتعد عن حبك، وأطلب من السماء أن ترفع عني وعنك نار اللقاء. أراني أرقي ذاتي حتى لا يراني غيرك درة ونجمة هبطت من سماء، وسكنت عينيك بحب وتواد.

**

من أحببتهم يوماً، أحدهم سرقه الموت، وآخر مات شهيداً، وآخر نذر روحه للقضية، وآخر سجنته الغربة بعيداً، جل من أحببتهم، كانوا أرقاماً في قائمة الانتظار، وعلي أن أكون حبيبة الميت، وعشيقة الشهيد، ومناضلة للقضية، وأغدق بالحنان على الغريب.

**

لم أكتب يوماً قصيدة. لم أرسم يوماً لوحة. ألواني عادية، كُتبي تفترش سماء أفكاري، أقلامي سائلة وأخرى رصاص مبرية، كل شيء عندي قضية، حتى الأزهار البرية، أُمسك قلمي، أكتبُ عن جرحي، أداوي نزفي، وأغني الحرية، لا تغضب إن جعلتك كل وقتي، وكتبتُ على جفنك أشعاري، ورسمتك على دفتري وردة ندية.

**

أسحبُ كل الألوان التي لونت بها دربك، كنت أرى انعكاسها في حدقة عينك، حشائش وورود، حكايات وأغنيات، آمال وأحلام، أسرق الخريف، وأهيئ الدرب ربيعاً، أو شتاءً ماطراً يُحيي كلُ ميت فيك، وأنا من أنا في عينيك؟

**

دعاني لفنجان قهوة، نصفه فارغ، قعره حيره، طعمه توهان، ابتلعته، قلبته، بَصّرتُ فيه خيبة جديدة، ابتسمت لأني لم أذق طعم القهوة الحقيقي حتى لا تخُيّب (مذاقي) هي الأخرى.

**

أسقط قلبي داخل حصّالة، أحتاج لتوفيره لوقت الحاجة.

لا تَتَلصَصوا على كلماتي، لن أكتب اسم حبيب قديم، أو مستحدث. لا تَتَلصَصوا على أفكاري، أزرعها وأحصدها لتنبت من جديد، لا تَلمسوا أناملي، ففيها وخزُ إبر النحل في جني العسل.

**

أرسلَ لي من بلاد ما وراء الحب مكتوباً يَشعُ غربة، مختوماً بقبلٍ جافة، وأسطر مائلة، على ورقه صفراء متحجرة. وقعتَ روحي على استلامها، وبقيت هناك مطوية في مزهرية، فقد نسيت الكتابة والقراءة وكل حروف العربية. منذ أن غادرت عالمي أصبحتُ أُمّية.

**

كانت وردة؛ كَبرُت، صارت شجرة؛ كَبُرت، صارت حطباً؛ قُطِعَت، صارت وقوداً للمدفأة؛ احترقت، تملكهم الدفء، نسوا أن وردة أصبحت رماداً.

**

أنا زهرةٌ منسيةٌ خلف غيم.

وترنيمة مطرٍ بعيد.

أنا دقائقُ الوقت السريع.

وشيءٌ من بخور الذكرى العنيدة.

أنا نهرٌ هزه البُعد عن البحر الكبير.

وشوقه حفر الأرض

ذكرى بأُخدودٍ من الألم الطويل.

**

حين أتيت، تركتُ لجدائلي أن ترسم طريقك إلى قلبي، تتدليان إليه. حين أتيت، تَغيبتُ الشمس طويلا، وسهر القمرُ كثيراً. حين أتيت، صحا الحلم باكراً وانتهى نهاره لحظه بدئه.

**

أرصفة روحي مليئة بالغبار، فوضى تعبث، ورق يطير، وأمل معلق فوق شجرة. أتى عصفورٌ أكله وغاب. عاد العصفور مُحملاً بأزقة طويلة، كَوّنت بداخلي مدنا لا تنتهي من الأحلام.

**

أنا الوحيدة، أنادي في البعيد ولا مجيب. أسأل القريب ولا مجيب، وتلك السماء تنام، تسرق الفراشات والأحلام، وتلك السماء ذاتها لا تحقق شيء سوى العلو يوماً بعد يوم، وأنا الوحيدة ها هنا، في انتظار لا ينتهي، أن تكف السماء عن سرقة الفراشات، أو أن تكف يوما عن غرورها القاتل.

**

حلف القمر أنه لم يغازل الشمس يوماً، ولم يجبر نجمة لتتزوجه. حلف القمر أن كل النيازك الهائمة بالسماء، هي أبناء غير شرعيين لنجوم أقامت علاقة بغيره.

**

في جدائلها مجهول خجل، يتداخل في القسمات الثلاث. الأولى فيها أمل، الثانية رائحة النرجس، والثالثة منفى، كيف يقنعها بفك تلك الجديلة لتحيي بشيء من كل ذلك القدر.

**

لا تسألني ما لا أستطيع أن أبوح به للأسطر، أو أخبئ إجابته بين الكلمات.

لا تنتظر مني نجاحاً باهراً، أو سقوطاً قريبا بين أحضانك لأسلم بقيتي إليك.

**

D 25 كانون الأول (ديسمبر) 2012     A نورة صلاح     C 16 تعليقات

9 مشاركة منتدى

  • {{}} تجربة أولى لي في مجلة عود الند، آمل أن تقرأوني جيداً، وأن تتصفحوا هذه المجلة التي لطالما سعدت بوجودي فيها وأنا أتابع كل ما فيها من جمال وروعة..
    الكتابة سلاحي في التعبير عن نفسي وذاتي.. الكتابة هي الحرية التي أراها أمامي مهما ضاقت بي دروب الحياة وتقلباتها..
    شكرا للجميع


  • قصيصات رائعة تفوح بعبير أحلام البنات. تحمل آلاما و آمالا و قضية.

    سيري على درب الحرية، فالكتابة حرية و أكسجين حين يخذلنا أكسجين الحياة.


  • نورة عبد المهدي صلاح – فلسطين

    أقول لك الحق يا سيدتي..؟ كان ينبغي أن أبدأ من النهاية من حيث انتهت حكاية الوردة والزهرة المنسية، لكي أثني على الموضوع..!
    إن كانت اللوحة تستبيح الألوان..؟ فبنبغي أن تكون صارخة أو متمردة، أو أي صيغة من صيغ الرفض الأخرى، ولهذا لا أحسبها تحسن أمراً إلا البكاء.


  • ومضات ابداعية جميلة تعطر الوجود كورود الصباح وتنعش الوعي برقة ...بداية موفقة لكاتبة واعدة !


  • إلى الزهرة المنسية وترنيمة المطر...الأستاذة نورة
    نصوص قصيرة كقطع من الشوكولا..بعضها (بالفدج)شديدة الحلاوة، وبعضها(شوكولا غامقة) تمتزج بالمرارة.

    أهلا بك بيننا

    تحيتي وتقديري


    • أشواق مليباري ..
      لأسمك عدة إحتمالات وفصول متلونه .. شكرا لهذا الإطراء اللذيذ والذي يفتح الشهية يقولون أن الشوكلاته تغير المزاج السيء إلى مزاج لطيف وسعيد ومبتهج .. وبالتالي أظن انن كل ألوانها كأسمك وحضورك المبهج ..
      شكرا لك ولعود الند لإستقبالها لي وأنا اكن لهم كل التقدير والحب

  • يصعب التمييز في النص بين السرد وأشكاله، بين العبارة وما تخبئه من أسرار. تتدفَّقُ كلماتُكِ سيدتي جملا قصيرة، لكنها حبلى بالمعاني، بأريج الشعر. تقفز احتفاليتُك بالحرية ورثاؤك للشهداء من أجل القضية لتستنشق عبير الصمود، فأتذكر الخنساء وهي ترثي صخرا، عندما تقولين: ((من أحببتهم يوماً، أحدهم سرقه الموت، وآخر مات شهيداً، وآخر نذر روحه للقضية، وآخر سجنته الغربة بعيداً، جل من أحببتهم، كانوا أرقاماً في قائمة الانتظار، وعلي أن أكون حبيبة الميت، وعشيقة الشهيد، ومناضلة للقضية، وأغدق بالحنان على الغريب))... تتوالى الجمل القصيرة أريجا وباقة شعر عقدت قرانا بين الشعر والوطن والقضية، حتى لكأني أتنفس عبير محمود درويش حين تقولين: ((كل شيء عندي قضية، حتى الأزهار البرية، أُمسك قلمي، أكتبُ عن جرحي، أداوي نزفي، وأغني الحرية. لا تغضب إن جعلتك كل وقتي، وكتبتُ على جفنك أشعاري، ورسمتك على دفتري وردة ندية...)).
    سيدتي، الحيز المخصص للتعليق ضيق، فمعذرة إن لم اُوَفِّ النص حقه. آمل أن أقرأ لك المزيد... محمد علي حيدر ـ المغرب.


    • محمد علي حيدر من المغرب الجميل الذي أخرج مبدعين ومثقفين وموسيقين وكتاب من أجمل الكتب، شكرا لهذه القراءة الفائقة من الإحساس، وإن لم نكتب عن قضيانا ونحرر أرواحنا من ما ألصقة الاحتلال بنا وإن لم نتحرر من داخلنا لن نستطيع أن نتحرر ونمتد بالكتابة بكل أبعادهاـ شكرا لقراءتك اللطيفة لي - وأنا هنا أحس بذاتي تكبر وتبدع لاني بين مبدعين وقارئين مميزين ومجلة مميزة كذلك

  • نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

    انتبهي لنفسك يا سيدتي، وما قاله عنك محمد علي حيدر..؟ فالرجل لا يقول كلاماً كيفما اتفق، ولا يلقي جزافا.. أنتِ صاحبة القضية والوطن. أرجو أنك سمعتِه جيداً؛ وسمعتِ نصيحتي.


    • الأستاذ إبراهيم يوسف \ لبنان الأرز والحيرة ..
      كل كلمة تكتب هنا هي بمثابة الدم الذي يضخ بي ليجدد نشاطي وكلماتي وقدرتي على التعبير بشكل أفضل، وأن أتحمل أمانة إنتقاء الكلمات لقراء يتسحقون أن يقدم لهم كل ما هو جيد ونظيف من فكر وومعنى وفكرة.. وأكرر قضيتنا تثبت وجودنا فالأرض والحب والأمل والتفاؤل تعلمناه من تراب هذه الأرض ونبضنا ما هو إلا نبضها الثائر بكل تاكيد

  • {{}} النصوص التي قرأت تمتزج فيها رؤى متماوجة لـ (فتاة /عربية/ فلسطينة) باسقاطات كل مفردة مما سبق وبخصوصية كل منحى مما ذكرت....تشابك الحالة مختزل في عمق المفردة وتداول الدلالات وامتدادات الصورة التي تنتمي لمشهد واسع ..كل نص جزء منه.... في كثير من النصوص ترسم نورة صورا غير مطروقة وتنمي دلالات غير مسبوقة ....كل الاحترام.


  • كتبت الأستاذة نورة عبد المهدي نصّها بلغة سهلة ، وبأسلوب سلس ، فأحسنت التصوير ، وأجادت التعبير ، فنقلت أفكارها بطريقة مقنعة ، إلى التلقّي الذي لم يجد مفرًّا من مشاركة نورة أفكارها المتميِّزة ، تلك الأفكار التي اختزلت بوساطتها معاناة شعب أطفاله يرقبون غروب الشمس ، وشبابه بين شهيد ومنفيّ لا أمل في عودته ، وصبايا أحببن الأرض ومن عليها ....
    رسمت نورها بقلمها لوحة إبداعيَّة متفرِّدة ، لوحةليست ككلّ اللوحات ، إنَّها لوحة ناطقة ثائرة ترفض الاستسلام ، تخرج من إطارها لتصنع الحرّيّة أو لتسرقها من بسمات البنات وعيون الأطفال فتغرقهم في بحر لا قرار له ....
    دمت أستاذة نورة ودام عطاؤك ، وإلى الأمام ..