نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

سر مؤجل + عوده متأخرة

نورة صلاحعوده متأخرة

أقتل الملل بقراءة رسائل قديمة خطتها أناملي في لحظة فرح بك، أسرق أحاديثي معك قبل أن يأكلها النسيان، أو يصل العطب إلى ملفها في حاسوبي فلا أعود قادرة على قراءتها، أحتفظ بنسخ احتياطية منها أهمها نسخة في خزائن الروح.

عاد الشتاء بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر، ليلتها عدت لتطمئن على زهرة ذبلت، سألتني عن صحتي، عملي، مأكلي ومشربي وإلى ما آل إليه وزني، وما بين كل سؤال وإجابة يسود الصمت، عدت تسأل عن جرحي هل ما زال ينزف، وهل ما زلت أحبك، ونلوذ في صمت من جديد.

في ليلة ماطرة جاءني هاتفك بعد أن أقنعت نفسي كثيرا أني لم أعد أشعر بك، وأن تواصل الروح الذي بيني وبينك قد أنقطع منذ غيابنا، لكن ما ظننته كان مجرد وهم لم أستطع أن أتجاهله.

صوتك لا يبشر أن روحك مغردة، لكن لا بأس فكلانا فقد تغريده عندما هبطنا من السماء إلى الأرض، بالواقع لم يكن هبوطا بقدر ما كان ارتطاما حطم كل ما فينا من مشاعر.

أوصيتني بأن أنام دون أن أبكي، أوصيتني بأن أهتم بصحتي، أوصيتني بنسيانك وتركتني أواجه مصيري بآخر كلمة قلتها: "حدثتك لأني اشتقت إليك، تصبحين على خير يا نورة الدنيا". وغبت.

ألقيت جسدي على السرير، خبأت وجهي تحت غطاء الصوف حتى غرقت بدموعي والعرق، أكتم صوت أنيني وشهقات روحي، بكيت ولا أعرف متى نمت.

صباحا كل شيء حولي كما تركته، أتمسك بلعبتي الوحيدة. شعري متناثر شرس، بضع أوراق سقطت من تحت المخدة، حاسوبي ما زال ينير من بعيد بعد أن تركته يشهد على تقلباتي طيلة الليل، القلم الأزرق ما زال مفتوحا وفاض حبره على السجادة في الغرفة.

الفوضى التي اختلقتها قبل أن أنام وبكائي لأجل أن أنساك لم ينجحا. كل كلمات التشويه التي حاولت أن أصفك بها بقيت محشورة بدماغي، لساني لا ينطق بها ولا يرغب فيها. كل ما أفعله وفعلته فارغ، والنتيجة التي وصلت لها أن على القلب أن يموت حتى يحيى العقل، وعلى العقل أن ينسى حتى يعيش الجسد.

لا العقل يرضى النسيان ولا الجسد يرضى الحياة ولا القلب يرغب أن يموت. لا أحد يتنازل لأجلي ولو لمرة واحدة. حتى ما أملكه لا يتنازل لي. الكل يتنازل عني لأجل أن يبقوا لك وحدك. ويحي.


سر مؤجل

كنت طفلة حين سرقت طبشورة من المدرسة لأكتب أسمك على حائط بيتي القديم، كانت المرة الأولى التي أسرق فيها والأخيرة، رسمت بجانب اسمك وردة، شجرة، عصفور، وكتبت أمنيتي بأن ألتقي بك.

كنا نلعب سويا كل مساء تحت الزيتونة في بيتي، تضربني وتسرق لعبتي وتهرب، تغيب وتعود متخفيا في غيمة، أو نجمة وتغيب.

كنت ولدا شقيا حقا, سرقت لعبتي وهربت، وقتها رسمت صورتك على دفتري وكتبت أنك سارق، بعد أيام شعرت بالحنين لك فكتبت أغنية وأنشدتها، جئت على صوتي لتقول لي:

"صوتك ليس جميلا يا فتاة؛ وغناؤك ممل". وقتها بكيت كثيرا، وضحكت علي أكثر وغبت.

كبرت أبحث عنك في وجوه الناس، في الحكايات، أنبشك من ذاكرتي التي تواجدت فيها منذ زمن، حتى وجدتك قبل عامين. لا أعرف كيف اهتديت إليك وأي صدفه جمعتنا أو قدر لم أستطع أن أغير مساره.

لم أخبرك وقتها أنك ذاك الولد الشقي الذي سرق لعبتي وأنا طفلة لتعيدها إلي عندما كبرت. ولم أخبرك أني حفرت اسمك على الحيطان الفارغة لأعطي لها قيمة وجمال.

ولم أخبرك أني رسمتك على الورقة المهملة التي أعطيتني إياها بآخر لقاء مثل ما كنت أرسمك على دفاتري المدرسية. لم أخبرك أنك عندما ضربتني وأنا طفلة وسخرت مني عدت اليوم لتضربني وتسخر أكثر. كنا وقتها صغارا حقا ونغفر، أما اليوم أصبحنا أكبر من أن نتجاهل وأضعف من أن نهب المغفرة.

كثيرا ما أحببتك وبقيت أحتفظ بك سرا طيبا في روحي، وعندما التقينا تغيرنا كثيرا، ولم يعد اللعب يليق بنا، أصبح الحب ركيزة تواصلنا، ليصبح بيتنا الأكبر، وعائلتنا المصغرة، وأطفالنا الذين نحلم بإنجابهم.

أحببتك دون أن أفكر بالعقد التي تغتال وقتك، أو السواد الذي يدبغ جفونك، أحببتك وأنا أرجو القدر ألا ينساك أمامي بلا عنوان. أحببتك، اعتدت صفاتك، أرقك، عصبيتك وتقلب مزاجك، رماد دخانك، بكل ما فيك عندما أحببتك.

نسيت عقلي، وأفلت شعري على جسدي، ومشيت أحلم بأرض تجمعنا ولا تعود لتفرقنا لو تقدم بنا العمر أكثر، نمشي دون أن ندري متى يحل الليل والنهار، متى يطلع الصبح ومتى يخلع سواده لينير الكون بضيائه. اعتدتك بداية وأحببتك نهاية. وما أقسى الحب بعد الاعتياد!

عندما كنت أبحث عنك في السنوات السابقة، كنت أكتب لك وأختبئ بمغلف رسائل لا يحمل طابعا بريديا، يوصله النسيم إليك، تفتحه لأخرج منه كوردة تعانق وجهك وتخبرك بأني ها قد كبرت وأنتظر أن تمر ببابي وتجبر خاطري المكسور.

شوقي إليك كان شوق طفلة تبحث عن أصدقاء طفولتها البريئة. رغم أني أكبرك سنا أشتاق إلى من كان يوما رفيق طفولتي. الآن لن أغضب إن سرقت لعبتي وهربت أو سخرت من صوتي إن غنيت. اليوم صرت أتقبل كل المواقف وأضحك من قلبي معك، اليوم عاد القدر يجمعنا لنحب بعضنا ونحن أكبر ونفترق كما يفترق الكبار.

الآن لم يعد يليق بالقلب هذه المراهقة والمطاردة على الأرصفة، ولم يعد الياسمين يظلل مقعد الانتظار بالجوار، كل الطرق أعادت ترتيب ذاتها لتمسح آثارنا. كل ما بقي منا هو بكاؤنا وعشقنا الذي انتهى على قارعة الوقت.

منذ أن غيبني القدر عن بيتي القديم، وقررت أنت العيش في نجمة، وأنا أتتبع غيابنا المشترك، بإرادتي المشتعلة الغضب، أتلمس نفسي بين عينيك البعيدتين، متكورة على حافة السرير، أحتضن بكائي المكتوم، أستجدي وقتا من الزمن لأشفى. ولكن كيف ذلك، وأنا أنكش جرحي صبح مساء؟ أزرعه بالدمع، وأحصد منه الندم، بعد أن لف بنا العمر لنلتقي أحبابا ونفترق أغرابا، أحمل الوحدة على أكتافي بعد أن ملئت الكون علي محبة وإحساسا.

ها أنا أراك اليوم كإنسان عاق في تأدية واجبات الحب؛ ومع ذلك يبقى القلب يحن إليك، رغم فشل إحياء الأمل فيه من جديد.

أسرار الطفولة التي تركتها في بيتي القديم، وحكايتنا الممتدة منذ أن عفرنا أنفسنا بالتراب في حاكورة البيت، ولعبة الظلال التي كبرنا ونحن نمارسها كلما وجدنا انعكاسا منحنيا نشد ظهورنا حتى كسره الفراق، الآن ظهري دائم الانحناء، وقد كتب الظل على الحائط بدل الطبشورة: لا تعنيف في الحب أقوى من الغياب.

كلانا لا يحس بالآخر؛ إلا إذا أكل الشوق قلبينا وتركهما جائعين للقاء قريب.

اليوم أطلب من السماء أن تعيديني إلى بيتي القديم، لأقف على شبابيكه العالية، أريد أن أعود لأقيس طولي كما كنت أفعل مع عباد الشمس المزروع على أطراف الحيطان، وأن أقفز حتى أقطف الكرز الشامي المثقل بالحبات.

أحتاج أن أعود إلى طفولتي المتروكة خلف الخزائن. أحتاج أن أعود لألتقي بك ونبقى هناك منسيين كما كنا في الحياة. لا يمر ببابنا فراق أو غياب.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC