عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 76 » هنا تصنع الحياة

غانية الوناس - الجزائر

هنا تصنع الحياة


غانية الوناسحينَ يسرقُون منك كلّ شيءٍ، وحينَ تُصبح حياتُك قُربانكَ الوحيدَ لوطنكْ، تُصبحُ عندها أنتَ منْ يَصنعُ الحيَاة.

غطّتهُ بجدائِلها، ومالتْ تُقبّلُ فيه الجّبين، ذاك الّذي توسّم بالغارِ كأجلّ ما يعبقُ الوقارْ، احتضنتهُ تبكيهِ وليدًا مفارقًا، تغمرُهُ فرحًا يُغادرهَا إلى حيثُ لا عوْدةَ إلى الدّار، وشوقًا مُرفرِفًا كما الفراشاتُ تُغازلُ الزّهور، ومضتْ برِقّةٍ تُداعبُ شّعرهُ الدّاكنَ ، كظلمةِ ليلٍ لا ينتهِي ، أكفٌّ تحنّتْ بدمِهِ، وغرّدتِ النّوارسُ احتفَاءً بالفرحْ، وزُفّتْ عرائسُ المجدِ إلى عزّ السّماء،

واستندتْ هي بظهرهَا المُنهك، إلى ذلك الهدوءِ المُؤجّلِ ، تقرأُ عليهِ آياتٍ من السّماء، تلثمُه شوقاً، لعمرٍ لنْ يعُود أبداً، تهمسُ في أذنهِ، تمسحُ بعطفها عن وجهِهِ البسّام ، وهناكَ في الخلفِ عمرٌ جديدٌ يُولدُ في ابتسامة، ودُعاءْ.

شمسٌ تُشرقُ في جبهةِ الشّهيدِ، ويُورِقُ ثرَى الأرضِ ثورةً في ميلادِ المجدِ تُختصرْ، يَنتصبُ الشّموخُ عاليًا، مُهلّلاً، وراياتنا تعْلُوهُ مُكبّرَة، شامخةٌ مُكبّرة.

أبدًا لا يمسُّها التُّرابْ ، يدًا بيدٍ ترتفعْ، لاَ تلمسُ التّراب، يحملها بيدهِ ماضيًا، فيسقطُ رافعًا رأسهُ إلى السّماءِ عاليًا، هُنا الموقفُ يختلفْ، هُنا تُصنع الحياةُ من عِزّةِ الرّجال، هُنا الشّرفُ يخجلُ منهُ فيعترفْ، هُنا الوُجودُ ينأى بنفسهِ جانباً، لعلّه يتعلّمُ منهمْ كيفَ يولدُ العزمُ من رحمِ الوجعْ.

وأمُّه الّتي عاشتْ فقطْ لتودّع الرّاحلينَ إلى السّماء، تجلسُ إليهِ تُهدهدهُ. نمْ يا صغيرِي، نمْ أيّها الشّهيدْ، تُهدهدهُ برفقٍ، فيعتلي الشموخُ مداهُ، ويرتفعُ الصّمودُ منادياً، برفقٍ تتركهْ، وترتقي الرّوحُ إلى حيثُ الخُلودْ، "لا وقتَ للدمعِ يا أمّي، أجلّيه ليومِ الّلقاءْ".

وأمُّه هناكَ ترقبهُ، تسبقهَا دُموعها، وتلحقُ بالرّكبِ تهمسُ في أُذنه:

"رضيتُ عنكَ أيْ بُنيّ، يا قُرّة العينِ يا شهيدْ".

يمْضُون بهِ، وهي تعُودُ لتجالسَ طيفهُ الّذي خلّفهُ في الدّارْ. ما ماتَ منْ دمهُ يسْقِي التُرابْ يا أمّي. هكذا كانتْ تُحدّثُ نفْسها، هكذا كانتْ تنبسُ بشفتيها، بينما راحتْ الدّموعُ تنسابُ دونَ توقّفْ.

كانتْ كاتيا غريبةُ عنْ كلّ تلكَ الطّقوسِ الّتي لمْ تشْهدها من قبلْ، ففي وطنها لاَ يمُوتُ النّاسُ هكذا. ذلك التّرابُ الّذي يُمسكونه بأيديهم، فيُقبّلونه كلّما اشْتاقوا. ذلك الفرحُ المخبّأ في عيونِ نساءٍ يوّدعنَ أبناءهنّ، وأزواجهن، وأشقاءهنّ بالدّعاءْ، رغمَ كلّ ذلك الحزنْ. هؤُلاءِ الصّبيةُ الّذين استبدلوا طفولتهم بالنضالْ، واسْتبدلوا اللّعبَ بالمواجهة، وشّبابٌ يمضِي إلى الموتِ مبْتسماً. لا شيءَ هُنا يُشبه وطنها الّذي تعرفْ. ببساطة، كلّ شيءٍ هُنا يخْتلفْ.

غصّةٌ ما كانتْ تختنقُ بدّاخلها، فهي المرفهّةُ هُناكَ على أرضٍ لمْ يسْرقها منهمْ أيّ أحدْ، لمْ يأتها يومٌ استيقظتْ فيهِ على صوتِ قصفٍ، ولا نامتْ يوماً بدونِ عشاءْ، ولا رأتْ بحياتها كُلّها، أطفالاً تُقاتلُ بالحجرْ.

تهاوتْ على الأرضِ، كأنّها قطعةُ أثاثٍ قديمٍ لمْ يعدْ يقوى على الوقُوفِ أكثرْ. اقْتربتْ أكثرْ من المشهدْ، وضعتْ توقيعاً صغيراً أسفلَ ما كتبتْ. بعثته إلى صحيفتها في لندنْ حيثُ تعملْ، مع عبارةٍ صغيرةٍ على الهامشْ: "هُنا تُصنعُ الحياةُ، كيْ يتعلّم العالمْ، هُنا كلّ شيءٍ يخْتلفْ".

D 25 أيلول (سبتمبر) 2012     A غانية الوناس     C 8 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • يجوع ليأكل غيره، يعطش ليشرب غيره، وحين تسمو الروح على كل مافي هذه الدنيا، يموت ليحيا غيره.

    شكرا لك أستاذة غانية على النص الرائع


  • فعلا انها مصانع الحياة. تلك الحياة التي وقودها التضحية. يضحي البعض ليحيا الباقي حياة كريمة وليس أي حياة. ومن قدم روحه قربان لذلك فقد كسب الحياة التي تعقب هذه الحياة. أشفقت على كاتيا التي لم تستوعب هذه المبادئ و عاشتها كحلم. فكاتيا تربت في مجتمع يعتبر هذه الحياة هي الأولى والأخيرة، بينما ما رأته أنها حياة مقدمة لحياة اخرى

    نص رائع كالعادة، وأسلوب مشوق


    • صديدقي العزيز أحمد،

      كلّ بيتٍ فيه صورةُ شهيدٍ،أو عبقهُ وذكراهُ، لابدّ تعرفُ معنى الحياةِ أكثرْ،
      هكذا هم الشهداءُ،يرحلُون،ويخلّفون ورائهم عزاً وشرفاً لأوطانهم،وأهاليهم،ويحييون في جنانِ الرحمن..
      وستبقى تلك رسالتهم الابدية حتى يرث الله الارض وما عليها،
      أشكرك على تشجعيك الدائم..سعيدةٌ جدا بمرورك .

  • غانية الوناس- الجزائر

    إن كنت تتحدثين عن الحاضر..؟ فأتعابكِ ضاعت بلا جدوى يا صديقتي..! لأن العرب لم يقدموا الشهداء..؟ هم قدموا فيما بينهم قتلى وضحايا ومظلومين.


    • أستاذ ابراهيمْ،
      أوافقك الرأي فيما ذهبت إليه، لكن في جانبٍ منه،وليس كله،
      فأنا حفيدةٌ لشهيدين،وأعرفُ تماماً هذا الشّعورَ الّذي يكون في كلّ عائلة تملك شهيداً،
      في الماضي،والحاضرٍوفي المستقبل وفي كل زمانٍ ومكان، سيبقى الشهداءُ هم صنّاع الحياةِ الحقيقيين،
      أما القتلى والضحايا والمظلومون الذين تقصدهم، فهم نتيجةُ الخيانة، والعمالة والتواطؤ الذي مارسه بعض العرب على بعضهم..

      أشكر مرورك ،تحياتي لك استاذ..

  • عندما نكرم الشهداء فنحن نكرم أنفسنا... وعندما نقدر تضحياتهم فإنما نعزي أنفسنا لنداري تقصيرنا.
    لا بد من الشهداء لإمداد الأرض بزيت البقاء، وليكونوا قرباناً لنا وفداء لنحيى.
    جميل هذا الوفاء للشهداء، وجميل هذا الوصف.
    تحياتي أخت غانية على هذا النص الذي أخجلنا.


    • أشكرك أستاذ موسى،

      في الواقعْ،نحنُ مهما كتبا عن الشذهداءِ،لا يمكنُ أبداً أن نصلَ ولو بالشيءِ القليلِ إلى غايتهمْ،وهدفهمْ السامي،
      نحنُ إذ نكتبُ عنهم، إنّما نحاولُ لأنفسنا أن نتعلم منهم، ما ليس في مقدورِ الجميعُ التوصلُ أليه،وفهمه،
      التضحية هي أسمى شعور أنساني على الاطلاقْ،ومنْ يصلُ إلى هذا الشعورِ يوماً، يكون قد بلغَ أنسانيته الكاملة،لذلك الشهداء قبل كل شيءٍ آخر هم أكثر الناس انسانية على الاطلاقْ..
      شكراً مرة أخرى،يسعدني دائما ان اتلقى دعمكم ونصائحكم..تحياتي.