عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 72 » ضاعَتْ بينَ الرُّكامْ

إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

ضاعَتْ بينَ الرُّكامْ


لا أدري واللهِ أهوَ "كابوسٌ" راودَني ذاتَ ليل،
أمْ مُشاهدةٌ اختزَنتْها ذاكرتي من عهدِ الطفولة،
أمْ هو من أحلامِ اليقَظَة
حينَما هَجَرْتني امرأتي،
وخانتني سلطتي على نفسي

كانَ موظفاً في مصرفٍ يستقطبُ زبائنَه من الأثرياءْ، يَتَمتعُ بمُرونةٍ مالية، وشهرةٍ واسعةِ الانتشارْ، وكان مُقَصِّراً في إداءِ عملِه، مهملاً لواجباتِه المنزلية، مهزوماً أمامَ زوجتِه، يتلقى منها لوماً وتهكُّماً وكلاماً لاذِعاً لا يرحمْ، وإنذاراتٍ متكرِّرَةً وتأنيباً من رئيسِه، لانشغالِه الدائم وهوسِه بالمطالعة، على حسابِ العمل وسائِرِ الشؤونِ المنزلية التي لا تنتهي ولا تتوقفْ.
وطبيبُه أيضاً؛ حَذّرَهُ مراراً لكي لا يجهدَ نظرَه، ويخففَ قليلاً عن نفسِه من عبءِ المطالعة، ليحافظَ ما أمكن على صِحَّةِ عينيه، فلا يُفاقمُ من القصور في بَصَرِه، ويساهمُ في حاجته المتوالية إلى نظّارةٍ جديدة. لكنَّه في كلِّ الأحوال؛ كانَ لا يَسْتجيبُ ولا يبالي، وينأى بنفسِه عن النقاشْ، حولَ هوايةٍ تَحَكّمتْ في مشاعره، ليغرقَ في مزيدٍ من القراءة، والإسرافِ في الإنفاق على الكتبْ، وما يَسْتدعي من التأنيبْ، ثم يلجأ من جديدٍ إلى تغييرِ نظارتيهِ في أوقاتٍ تقاربتْ، حتى غدتْ سماكةُ زجاجَيهما في أقصى الحدودْ.

غافلَ رئيسَه وحملَ كتابَه فدخلَ كما اللصْ إلى خزنةِ المالْ. أوصَدَ البابْ، أنارَ المصباحْ، نَظَّفَ نظَّارتَه جيِّداً مُسْتعيناً بِلُعابِهِ وقميصِه، تَنَفّسَ بكاملِ قدرتِه وتَنَهّدَ من أعماقِه، نزعَ ساعتَه من معصمِه ووضعَها أمامَ عينيه. ثمَّ جلسَ بسكينةٍ تامة؛ وراحَ يطالعُ كتابَه آمناً مطمئناً، في جوٍّ مُكَيَّف وعزلةٍ مَكِينَة، بعيداً عن عيون رئيسِه ووشايةِ الموظفينْ.

قبلَ أن ينتهيَ الدوامُ بوقتٍ قصيرْ، توَقّفَ عن القراءة، سَندَ خدَّهُ بباطن كَفِّه اليمنى، وراحتْ أنفاسُهُ تتردَّدُ بهدوءٍ وانتظامٍ. أغمضَ عينيهِ بوداعةٍ على المشاهدِ التي مرَّتْ أمامَ ناظريه، وسرحَ في خيالِه يستعرضُ ما أعجبَه من هذه الصور الجميلة. ثمَّ أشارَ بقصاصةِ ورق إلى الصفحةِ التي انتهى إليها. أغلقَ الكتابَ وأخفاهُ في ثنايا ثيابِه. حملَ ساعتَه، أطفأ النورْ وفتحَ البابَ مُتَسلِّلاً إلى الخارجْ.

في الخارجْ أذهلتْهُ المُفاجأة، حينَ وجدَ نفسَه وحيداً وسط دمارٍ مطلقْ. حدثَ زلزالٌ شاملٌ أتى على كلِّ أسبابِ الحياةِ والعمرانْ، فلم يشعرْ به وهو مُحَصَّنٌ داخلَ الخزنة، لكنَّه لم يأسفْ؛ لم يخفْ؛ ولم يبالِ أو يحزنْ لما حدثْ، بل اجتاحتْه عاصفةٌ من فرحٍ لا يُصَدَّقْ.

طرَحَ سُتْرَته على كتفِه، دَسَّ يدَه في جيبِه، حملَ كتابَه ظاهراً باليدِ الأخرى، فلم يعدْ يخشى ملامةً من أحدْ. ثم غادرَ المصرفْ. راحَ يجوبُ الطرقاتِ مُنْتشياً "يُدندِنُ" لحناً جَذِلاً، ويتسكّعُ وحيداً في الشوارعِ والساحاتْ، بعيداً عن مضايقاتِ المارة وأبواقِ السياراتِ وأصواتِ الباعةِ المُتجولينْ.

دخلَ مخزناً للتموينْ، فوجدَ فيه من الأطعمةِ و"المعلباتْ"، ما يكفي ويزيدُ عن حاجتِه للعيش عمراً بحالِه. اطمأنَّ إلى مستقبلِه وأحوال معيشتِه وغذائِه. ثم توَجَّهَ من فوره إلى أغنى دارٍ للكتُبِ في المدينة، ووجدَ ماَ فيها ثروةً هائلة من كتبٍ تفيضُ آلاف المراتْ، عن قدرتِه على القراءةِ في عمرهِ الباقي مهما تواصلْ، حتى ولو واظبَ على المطالعةِ بلا توقفٍ في الليلِ وفي النهارْ.

رسم قارئ كتاببلغَ قِمَّةَ الفرحْ واهْتَزَّ صوابُه من فرطِ سعادتِه، والدُّنيا لم تعدْ تتسعُ لمزيدٍ من أحلامٍ تحَقّقتْ بكاملِها، هبطتْ مرَّةً واحدة نعمةً سَخِيَّة من السماءْ، فاضتْ عليه بغير حسابْ، بعيداً عن زوجةٍ نكّدَتْ عليه هناءةَ عيشِه، ورئيسٍ يلاحقُه ويرفعُ بحقِّه تقريراً إثرَ تقريرْ، وطبيبٍ لا يَنْفَكُّ يَنْصَحُه ويُهَدِّدُه من عاقبةِ العمى وسوءِ المصيرْ، وزملاءٍ حسودين لا يترددونَ عن الوشايةِ به والتَّزلف للمديرْ، كلَّما ضبطوا كتاباً بين يديه. انتهتْ أزماته وتَخَلَّصَ إلى الأبدْ ممّن كانوا ينكِّدُون عليه عيشَه، أو يُنْكرون عليه هوايتَه ويمنعونَه من المطالعة. باتَ هؤلاء كلهم أعجزُ من أن ينالوا من إرادتِه، أو شخصيتِه بعد اليومْ.

اختارَ ما يعجبُه من كتبٍ كان يحلمُ بها، في التاريخ والأدب والفنون والطب وعلم الاجتماعْ، مستبعداً كتبَ الفلسفةِ والدِّينْ التي لن تُؤدي به إلى "مكانْ". أعدَّها في كومةٍ عموديةٍ عالية؛ أقصى ما أمكنَه أن يحملْ، وتهادى بها من شارعٍ إلى شارعْ، ومن حيٍّ إلى حيّ، حتى وصلَ منهكاً إلى بيتِه.

لم يُضِعْ وقتَه في استراحةٍ قصيرة على المدخلِ أو أثناءَ الطريق، بل توجَّهَ مباشرةً بالصعودِ إلى مسكنِه. لكنّه من شِدَّةِ تَعَبِه وثقلِ ما يحملْ وفرطِ لهفتِه في الوصولْ، ارتبكَ وتعثرَ بين ركامِ الطابقِ الأولْ، فهوى بحملِه وتطايرتْ من يديه كومةُ الكتبْ، ووقعتْ نظارتُه على الأرضْ فانكسرتْ وضاعتْ بين الرُّكامْ.

D 25 أيار (مايو) 2012     A إبراهيم يوسف     C 22 تعليقات

22 مشاركة منتدى

  • تلقائية ساحرة ونفس قصصي خلاب غير مصطنع-سيناريو لفيلم ساخر بطله يعاني من العزلة والتهميش والاقصاء في بيئة نمطية-تقليدية - يجرنا الكاتب المبدع ابراهيم يوسف للتعاطف مع البطل المسكين القارىء النهم المعرض لفقدان البصر تدريجيا ، باسلوب فني يتماهى مع التصوير السينمائي وبشكل تصاعدي لذروة غير متوقعة ، وقد تمكن ايضا بلا خطابة ممجة من توجيه نقد سافر لدور كتب الدين والسياسة في تخريب نسيج المجتمع العربي البائس ! هنيئا لعود الند بكاتب كهذا !


  • مهند النابلسي- كاتب من فلسطين

    أشعرُ بالخجل "قُدَّامَ" نفسي مما تقوله عني يا صديقي، فأنا درويشٌ "بلا تواضع"، وناطورُ المبنى "من يُفترض أنه يعرفُ الجميع" لا يعرفني. لم أكملْ تعليمي الجامعي، وما أنجزتُه من درسٍ في حياتي لا صِلَةَ له من بعيدٍ أو قريب باللغة العربية وآفاقِها المُتَشعِّبةالمختلفة، ثم إنني تأخرتُ كثيراً في مزاولة الكتابة.

    إذا كان لي من جزاءٍ على ما كتبتُ فقد نلتُه كاملاً على يديك.. أشكركَ من عميقِ قلبي.


  • ألأستاذ عدلي الهواري

    شكراً لكَ على ما تقدَّمَ من فضلكَ وما تأخرْ. شكراً لك أيضاً على الاهتمام والعناية، على الأقل فيما يخصُّني، كذلك على الإضافات والتعديلات والتصحيح والرأي الصائب غالباً، وعلى الجهدِ المتواصل والتضحيةوالتعب.. تلك هي ضريبة النجاح.

    ألرَّسم اللطيف الملحق بالنص..؟ أثارَ اهتمامي كثيراً واستوقفني بكل تفاصيله، حتى بدا لي أنه يساوي النص بكامله.. شكراً لك على عنايتك.


  • الكاتب ابراهيم قاسم يوسف ... قصة رائعة وذات مشهد سينمائي متحرك بما فيها من دلالات وعناصر وظفت توظيفا جيدا .. للنص القصصي الممزوج بين الخيال والواقع ببراعة ماهرة فذة ...دمت ودام ابداعك محبتي دائما


  • أوس حسن – ألعراق

    أكرمني الله يا سيدي بمحبتك ومرورك، ولطف ما تفضلتَ بقوله. أكرمك اللهُ.. وأكرمَ أرضكَ وبلادك وإخوانك. وطيَّبَ الله ثرى الجواهري إذ يقول:

    يا دجلةَ الخير: يا أطياف ساحرةٍ يا خمرَ خابيةٍ في ظلِّ عرجونِ
    يا دجلة الخير، والدُّنيا مفارقة وأيُّ ىشرٍ بخيرٍ غير مقرونِ


  • الأستاذ الفاضل ابراهيم يوسف: وخير جليس في الزمان كتاب أم خير مزحلق في هذا الزمان كتاب مارأيك؟ سبق وذكرت لك انّ بعضا من نصوصك تصلح فلما سينمائيا وتصوّرت انني أسخر منك والحمد لله قد جاء غيري ممن لاتعتبرهم ( مناكفين لايعجبهم العجب ولا الصيام في رجب) قالوا ماقلت , صدقا تخيّلت ممثلا قديرا من أيّام الزمن الجميل ) يؤدّي ذلك الدور...سؤال من فضلك: رمزية القصة تدل على ان البعد عن الكتب غنيمة أم انني أسأت الفهم؟ ارجو الايضاح وشكرا.


  • الإنسانُ لا يكونُ إنساناً إلا بغيره، فهو يأنسُ بهم، ويأتلفُ معهم، وحياته أخذٌ وعطاءٌ، واختلاطٌ بالناس وتواصلٌ، يُؤدي واجباته، ليُحصِّل حقوقه، فلا احترام لإنسان أخلَّ بهذه المعادلة البسيطة.
    صاحبنا إنسانٌ سلبي مهزوم، تقوقع حول كتبه وبها، يظنُّ أنها تغنيه عن من حوله، وتشبع حاجته إلى العلاقات الإنسانية، ويحسب أنه بإهماله لعمله وأهله، وإخلاصه لكتبه، يحقق ذاته، ويعيش حياته كما يشاء، ويحقق السعادة التي يحلم بها.
    وبلغت قمة سفاهته وغياب إنسانيته عندما فرح بالدمار الشامل من حوله، الذي لم يبق له أحداً ينغص حياته، لا زوجة ولا مدير ولا باعة، ولم تتحرك مشاعره تجاه كل ما حوله من موت ودمار يحرك حتى الحجر، وكان همه أن تتوافر له الأطعمة، والكتب يختار منها ما يشاء، وكأنه استبدل البشر بالكتب.
    وقد جاءت الخاتمة من حيث لم يحتسب وغاية في السخرية منه؛ تهشمت نظارته التي لا يستطيع أن يقرأ بدونها، ولن يجد نظارتياً يصلحها له أو يصنع له غيرها. وهكذا تنتهي أحلامه بأبسط الأشياء، فالنظارة على الرغم من ضآلتها لن يستطيع أن يعوضها، فكيف بما هو أكبر من ذلك؟
    نهاية صاحبنا قريبة من نهاية الجاحظ، فكل منهما أنهت الكتب أحلامه، ولكن شتان شتان بين الاثنين.
    الكتب التي قرأها صاحبنا لم يستفد منها شيئاً، وكان كالحمار يحمل أسفاراً، فلو فقه منها شيئاً لأدرك أنه على خطأ، وأنه لا شيء دون أهل وأصدقاء وجيران وأقارب وزملاء، وأنه لا بد أن يعمل ويكد ويتعب ويعطي كل ذي حق حقه، وأن وجوده مرتبط بغيره.
    الأخ العزيز المبدع إبراهيم نجح في رسم لوحة فنية تصويرية، انتقلت بنا من مشهد إلى مشهد بسلاسة حتى لقطة الختام التي جاءت محبوكة ومعبرة.
    كل الشكر لهذا الرائع دوماً الذي يزداد تألقاً وإبداعاً.


  • ألسيِّدة الكريمة أمل النعيمي

    منذُ البداية كنتُ متأكداً من نبلِ مقاصدِك يا سيَّدتي، ومتأكداً كذلك أنكِ لا تسخرينَ منِّي..؟ فلا أنتِ ممن يسخرون من الناس، ولستُ ممن يستحقُّ السخرية.. لكنَّ علتي فيما "غنَّاه" يوماً سعيد عقل، وحالي لم يكنْ مختلفاً عن حالِه وهو يقولْ:

    ألمّ بي طيْفُ مَــنْ أهْوَى يُعَاتِبُنــي
    والنّفْسُ مَلهُوفَةٌ والبَالُ مُنْكَســِـرُ
    يا طيِّبَ القَلـبِ يا قلبي تُحَمِّلُنـــي
    هَمَّ الأحِبَةِ إنْ غَابُوا وإنْ حَضَـروا


  • الأخ الصديق موسى أبو رياش - ألاردن

    نعم يا صديقي.. لم تكنِ السعادة يوماً إلاّ بالمشاركة، من يقل أو يفعل خلاف ذلك..؟ فهو غبيٌ أو "هرطوقيٌ" أو خياليٌ ممسوس، لكن شخصية الرجل وسلبيتها لزوم "الحكاية".. فأنا بريءٌ يا صديقي من غبائه وأنانيته وتعاسة أحواله وجنونه، وموقفي منه لا يتعدى موقف المتفرج المتابع المُتَشفي به بلا رحمة.. بتعبير"المقامرين" أنا معكَ (Sans voir)


  • أستاذي الفاضل..
    لست معك في أن تقف موقف المتشفي المتفرج على هذه الشخصيه الأنانيه أو الغبيه أو شخصيه الذبابه كما يطلق عليها علماء النفس...مجرد الإستخفاف بهذه الشخصيه ,يدمرأي بوادر لإقامه علاقه طيبه معها ويجعل أي محاوله لكسبها والتأثير فيها تنوء بالفشل ..
    من خلال نصك أظهرت بعض العوامل التي أدت به أودفعته لقوقعه نفسه مع كتبه ,هروبآ من زوجه متهكمه سليطه اللسان ,إلى أعباء ومسؤوليات لم يقدر عليها..لم يهرب إلى حانه أو بار ,ولكنه هرب ولاذ مع كتابه في خزنه محصنه بعيده عن الأهواء والتيارات المتقلبه ,وجد راحته هناك,لو وجدها في مكان آخر لذهب إليه ,لو وجدها مع زوجته لطار إليها ,نعم أنا مع الأستاذ موسى أن الإنسان يجب أن يتعايش مع مجتمعه ويندمج فيه ,ولكن وللأسف إن لم يجد الإنسان من يسانده ويقويه ويعينه على مصاعب الحياه ,سيصاب باليأس والإحباط ,
    لست مؤيده لهذه الشخصيه ولكني أتعاطف معها ,وأعمل على احتوائها وعلاجها إن أمكن .
    الخاتمه وكعادتك مفاجئه بانكسارالنظاره التي يرتكز عليها في قرائته وضياعها بين الركام.
    نص جميل معبر ومؤثر,لشخصيه تتكررفي مجتع تسوده الأهواء والمطبات
    أشكرك وأشكر يراعك الذي يجري بالماء العذب
    _


  • الاستاذ ابراهيم قاسم يوسف

    قرأت نصك قبل اي تعليق عليه، وقبل اي تعاطف مع البطل او تحامل عليه. قبل أن تطلق عليه بنفسك صفات الغباء و السلبية والتعاسة. وقد ازداد بؤسا حين تبرأت منه و تخليت عنه و انت من منحه هذا الوجود الافتراضي.
    قبل هذا وذاك و جدت في البطل شيئا منك، و قارنته بك في بعض النقاط.
    صحيح لا اعرفك عن كثب لكن بعض المعلومات عنك قد تجمعت لدي من خلال تعليقاتك وصورة لك في هذا المنبر.
    ما وجدته منك فيه هو تقاربكما في السن، و امكانية وضعك لنظارة طبية مثله، مع بعض المبالغة في وصف أزمة نظره وسمك زجاجي نظارتيه.ما وجدته منك فيه هو حبك للمطالعة و نهمك و يتجلى ذلك في معرفتك الواسعة بالمصادر الادبية العربية منها وحتى العالمية.
    أما ما تصورته عنك هو أن تكون محاطا بمن يملؤون قلبك وحياتك بالسعادة لكن لا يمنحونك الهدوء للقراءة. فلو وَجَدتَ هدوءا كالذي يعقب زلزالا؟ تصور؟ (فالبطل لا ذنب له في حدوث الزلزال لكن الزلزال حصل فاستفاد من الوضع).و ما افترضتُه هو ان تكون قدرتك الشرائية للكتب محدودة. فلو فُتحت لك أبوابُ أغنى دار للكتب، فانتقيت منها ما كنت تحلم به من كتب تغنيك طول العمر؟ ما رأيك اليس حلما جميلا؟ (البطل لم يسرق بل انفتحت له ابواب السماء).
    وتبقى أحاسيس البطل التي اعابها البعض عليه مجرد اطار يقتضيه الربط في القصة.

    توقعت أن تكون النهاية ضياع البطل بين ركام الكتب يطالع بنهم لا ضياع نظارتيه، وهذا النوع من الضياع هو اهتداء في نظري.
    اشكرك على النص الماتع.


  • ليلى من فلسطين

    ماذا تريدينني أن أفعل يا ستي..؟ والأخ أبو رياش أثارَ عاصفةً من اللغطِ حولَ الرجل، فشهَّر به واستباحَ سمعتَه ما دفعني أن أتنكرَ له وأتنصلَ من مسؤوليتي إزاءَه، ولو أنه كان شخصية افتراضية لا يمكنُ التعاطفُ معها ولا ينفعُ فيها الزجرٌ والتقويم، بل هو لزومُ "الحكاية" ليكتملَ المشهد..؟ كما كانتِ الشياطينُ بالمنطق لزومَ الملائكة أو العكس.!

    أما العوامل التي تحملنا إلى أمكنةٍ بعينها، فإنّها متاهةُ النفسِ البشرية، التي لا تخضعُ للضوابطِ والحدود ولا القوانين، لعلها إرثنا من الماضي السحيق، في "حيوات" سابقه أو بداياتٍ لا يعلمُ ماهيتها إلاَّ الله..؟؟!!


  • رد على تعليق زهرة من الجزائر

    تخطيتُ حالةَ الفقر والغنى يا سيِّدتي، إلى قناعةٍ راسخةٍ لا تتجاوزُ الكفايةَ والقناعةَ بقسمتي في الدُّنيا.. فالفقيرُ لله وعبدُه لم يجنِ ثروةً ولا يملكُ مالاً يُبَدِّدُه على "الهوى".. "لكنَّها" مستورةٌ والحمدُ لله، ويمكنني شراء الكثير مما أرغب، فلا تتحكمُ في طموحي المتواضع رغبات عالية السقف. لستُ غنيا؛ً أو فقيراً محتاجاً.. إلاَّ إلى رحمةِ ربي، ولو أنَّ الفقر لم يكنْ عاراً ولا عيباً في يوم من الأيام.

    أما الكتب..؟ فإنني أتلقى أكثرها هدايا يختارُها الأهلُ والأصحاب، وأجدُها مميزةً في الغالب، كما أتحيَّن فرص المعارض لأشتري ما أرغب. آخر ما تلقيتُ كتابين بلغةٍ أجنبية أجهلها، قدَّمَتْهُما لي المؤلفة ولا أعرفُ كيف أنتفعُ بهما، فلم يعدْ عندي من القدرة ما يكفي لكي أتعلم الإيطالية من أجل الكتابين.. لكنني أملكُ بعضَ النسخ القديمة "النادرة" لكتب كان يملكُها رجالٌ معروفون.

    تستهويني الرواية والكتبِ العلميّة عموماً، ولم يتسنَ لي بعد قراءة مخزونٍ وفير من كتبٍ أملكُها..؟ فأنا كسولٌ بطبعي، ولستُ "نهما" على القراءة كما تراءى لك.. ولا على الطعام. أكبرُ أبنائي يعيِّرني على تقصيري، وابنتي الصغرى إذا سألتُها أمراً تضنُّ بإجابتِها وتقولُ لي: لِمَ لا تقرأ لتعرفْ..!؟ وتطالبني أيضاً أن أرفعَ صحني عن المائدة إذا نسيتُه مرَّةً..

    والأستاذ عدلي يحذف ما لا يعجبه من النصوص أو التعقيب.. لكنّه يعرفُ أنني أحبُّه كثيراً وأحترمُه أكثر، فلا أطالبه بالتبرير، ولا أناقشه في السبب.. تعوَّد واحدُنا الآخر بعيداً من العتب، فصرتُ أعرفُه وصارَ يعرفُني.

    جملة القول..؟ أنا سعيدٌ بأهلي وأصحابي وسعيدٌ بأبنائي، أبدي رأي معهم ولا ألزمُهم العملَ وفق قناعاتي، والنظارات لا أستعملُها إلا عندما لا تكونُ الإضاءة كافية أو متعبُ الرأس العينين.


  • الاستاذ الفاضل ابراهيم يوسف

    ارى انك قد استأت من ثرثرتي التي لم اقصد من خلالها سوى ان اقول لك قرأت نصك الجميل، وانني متعاطفة مع هذا البطل الظريف. لكن يبدو انني لم أوفق في ايصال الفكرة. الم اقل لك يوما أنني ما زلت اتهجأ الكلمات وأدقق في المعاني؟

    أرأيت سيدي انني لا اعرفك؟ و ان تصوراتي وافتراضاتي ليست في محلها؟ حتى حين تصورت ان تتقبل تعليقي من باب الدعابة لم يكن في محله، و اخذته ماخذ الجد.

    الفقر سيدي ليس معرة لأعيرك به، ولن اعيرك حتى بها هو عار. وان " افترضتُ " ان تكون قدرتك الشرائية للكتب محدودة، فلابرز فقط قيمة ان يعثر احد على كنز من الكتب. كما اردت ان ابرز قيمة ان يحصل احدهم على الهدود بعد ان كان يفتقده.
    اعتذر عن كل ما آلمك في تعليقي عن غير قصد مني، كما اعتذر عن عدم توفيقي في التعليق على نصك.


  • ألأخت الكريمة السيدة زهرة

    لكنني لم أقل ما يستدعي كل هذا اللوم والتقريع..؟! هذا إحساس مرهف ومبالغة في الاستنتاج يا سيدتي، فحين تناولت أموري وتحدثت عن أسرتي وأحوالي في حضورك..؟ إنما كنتُ أتقرب منكِ وأتودد إليكِ..!؟ لكن يبدو للأسف أننا تخاطبنا على (موجتين) مختلفتين في الشكل، متوافقتين في المضمون. كلانا ذهب في الاتجاه الخطأ.. أنا واثق أن قلبك صافٍ وأبيض، أكثر صفاء من الثلج على أعلى قمة في صنين.. تحياتي لكم جميعاً.


  • على رسلكم يا قوم... فأي بطل؟ وأين تكمن البطولة؟ وبم أجرمت؟ وعلى أي عبقرية جنيت؟
    هل تقبلون لي أن أكون مزوراً منافقاً، أمنح الألقاب والأوسمة لمن هب ودب؟ ... إنها لإحدى الكبر!
    لقد استدرجني الأخ العزيز إبراهيم عندما رسم هذا الشخص بكل هذه السلبية والأنانية واللامبالاة، فحكمت عليه مما قرأت وليس مما تخيلت، وغير ذلك هو نوع من التعاطف مع شخص لا يستحق ذلك، فيداه أوكتا وفوه نفخ!
    ماذا تقولون في شخص حسب النص: ((كان مُقَصِّراً في إداءِ عملِه، مهملاً لواجباتِه المنزلية، مهزوماً أمامَ زوجتِه، يتلقى منها لوماً وتهكُّماً وكلاماً لاذِعاً لا يرحمْ، وإنذاراتٍ متكرِّرَةً وتأنيباً من رئيسِه، لانشغالِه الدائم وهوسِه بالمطالعة، على حسابِ العمل وسائِرِ الشؤونِ المنزلية التي لا تنتهي ولا تتوقفْ))
    وشخص (( غافلَ رئيسَه وحملَ كتابَه فدخلَ كما اللصْ إلى خزنةِ المالْ. أوصَدَ البابْ، أنارَ المصباحْ، نَظَّفَ نظَّارتَه جيِّداً مُسْتعيناً بِلُعابِهِ وقميصِه، تَنَفّسَ بكاملِ قدرتِه وتَنَهّدَ من أعماقِه، نزعَ ساعتَه من معصمِه ووضعَها أمامَ عينيه. ثمَّ جلسَ بسكينةٍ تامة؛ وراحَ يطالعُ كتابَه آمناً مطمئناً، في جوٍّ مُكَيَّف وعزلةٍ مَكِينَة، بعيداً عن عيون رئيسِه ووشايةِ الموظفينْ.)) وبقي كذلك حتى انتهى دوامه.
    ثم عندما خرج كالخفاش وفوجئ بالدمار الشامل ((لم يأسفْ؛ لم يخفْ؛ ولم يبالِ أو يحزنْ لما حدثْ، بل اجتاحتْه عاصفةٌ من فرحٍ لا يُصَدَّقْ.)) فهل هذا إنسان سوي يستحق البطولة أو الشفقة؟؟ ألا يستحق الرجم وأن يلقى به من شاهق إلى أسفل سافلين؟؟
    لقد أبدع الأخ إبراهيم في تصوير الشخصية، التي كانت مفاجئتها بكسر النظارة أكبر من مفاجئتها من الزلزال الذي دمر كل شيء... هذه الشخصية التي لم تتقن شيئاً في حياتها إلا القراءة، فهل تستطيع أن ترمم نظارتها على الأقل؟؟ لا تقدر بالتأكيد، ولن يكون بإمكانها أن تقوم بأي عمل، مهما صغر. فعصر روبنسون كروز قد ولى!
    فهل بعد هذا تلومونني وتحملونني وزر هذه الشخصية النكرة، التي اعتلَّ قلبي منها، وأنا أقرأ عنها، فكيف لو تعاملت معها أو عشت معها؟؟


  • ألأخ الصديق موسى أبو رياش

    هذه قضيةٌ تستحقُ النقاش لمرةٍ إضافية أخرى، فهل ترضى يا صديقي أن يكونَ (سرفانتس) حكماً للفصل فيها؟ ألمْ ينصَّبْ هذا الكاتب (دون كيشوت) بطلاً لروايته التي طبِعتْ مئاتِ المرات وتُرجِمتْ إلى معظم لغاتِ الأرض وبيعَ منها ملايين النسخ، فبلغتْ شهرتها كل الآفاق، واعترَفَ ببطولةِ الرجل كمٌ هائلٌ من البشر! وهنا لا أرجو أن يتبادرَ إلى الأذهان، أنني أتوسلُ المقارنة بين الروايةِ الأخاذة النادرة (دون كيشوت) أو كاتبٍ نالَ من الشهرةِ نجاحاتٍ قلما بلغَها فطاحلُ الكتابِ في العالم بأسره، وبين قصةٍ بسيطة كما الحالُ مع (ضاعت بين الركام).

    إذا وافقتَ معي أن (دون كيشوت) كانَ بطلاً استقطبَ اهتمامَ العالم بأسره؟ فينبغي أن توافقني الرأي أن صاحبنا (مهووسُ المطالعة) هو الآخر بطلٌ أيضاً، بصرفِ النظر عن ماهيةِ الدور، فليس البطلُ دائماً من يجرد سيفَه انتصاراً للحق أو دفاعاً عن القضايا العادلة، فقد تكون البطولة من نصيبِ الفاشلين! ألبطلُ من يلعبُ دوراً ويتقنه، والشخصية موضوع البحث، اختارتْ لنفسِها دوراً أدَّتْه بإتقان.

    دعني أقاربُ المسألةَ من زاويةٍ مختلفة؟ من يؤدي مباراةً في الرسم سيفشلُ قطعاً، إن هو رسم طفلاً يبتسمُ وهو يحتضرُ طعناً بسكين..ينبغي أن يأتي الرسمُ معبِّراً عن حقيقةِ آلآم الطفلِ ورُعْبِه..؟ إن كانتِ الصورة خلافَ ذلك ستاتي قاصرةً عن التعبير منافيةً للواقع. أهمية اللوحةِ وقيمتها؟ أن تأتي مطابقة بلا فرق لأحوالِ الطفل، في سعادتِه أو شقائِه، في ابتسامتِه أو دمعتِه، في عافيتِه أو هزاله، وبالتالي فلا فرقَ أن يكونَ (البطلُ) صاحبَ شخصيةٍ مسحوقة ومفككة، أو شخصيةٍ فذّة عظيمة ليس لها نظير. ما دامَ يلعبُ دورَه في الحالين بكفاءةٍ وإتقان. أنت تراه مهزوماً وأنا أراه بطلاً في ((الهزيمة))، هذا هو الفرق.. في رأي أن لا نتوقفَ طويلاً أمام التسمية.


  • لو لم يجدهم كلهم ركاماً لما اضطر للبحث عن الحقيقة بين دفات ورقية . كانوا امواتاً ولم يوقظهم حتى الزلزال وعاش خائفاً من ان يقتلوا فيه روحه الباقية من مضايقاتهم وهم احياء فحرموه من فرحه حتى وهم اموات برمادهم و اخذموا منه طريق النور للهروب منهم


  • عندما تتحدث الأقلام الكبيرة، تصمت الأقلام الصغيرة، وتستمع، وتتعلم! ومع ذلك أرفع يدي واستأذنكم بالحديث، لن أدخل في النقاش، لكني أشعر والله بمعاناة "البطل" المسكين! لا أستطيع أن ألوذ بخزنة محكمة، ولا يمكنني أن أهرب إلى أي مكان بحثاً عن الهدوء والمطالعة دون مقاطعة..! لكني أحمد الله على نعمة الأهل والأصدقاء، ولا أتمنى أن يحصل لأحدهم مكروه، مهما بلغ بي الإنزعاج. شكراً على النص الجميل.


  • هدى الدهَّان – ألعراق

    أنتِ بالغةُ الفطنة والشفافيةِ يا سيدتي، وأنا أحسدُكِ وأشهدُ على ذلك بالحق.. فإذا تمكنتِ من هذا الاستنتاج الملفت، وحسمِ الجدل القائم حولَ شخصيةِ "الرجل" وإعادة الاعتبار إليه..؟ فما عسى بَعْدُ للكاتبِ أن يقول..؟ صدقاً؛ لم أكنْ أتوقع مثل هذه الرؤية الثاقبة في التفسير..!! فشكراً جزيلاً للعنايةِ في قراءةِ النص والتعقيب.


  • أشواق مليباري – ألسعودية

    يكفي المرءُ هدوءاً وسعادةً وسلاماً بين أهلِه وخلاّنه.. فالسعيد من سَعِدَ حيثما كان، والتعيس "كصاحبِ الحكاية"، من راحَ يفتشُ عن سعادتِه في بطونِ الكتب فحسب.

    عندما تتحدثُ النفوسُ الكريمة تصمتُ الأقلام، ويتوقفُ أحلى الكلام.


  • سيناريو سينمائي مشوق لفيلم افتراضي ساخر ومعبر ووجودي وطوباوي ...تشبه قصته لحد ما التحفة السينائية الشهيرة فهرنهايت 455