عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 86 » كلمة العدد 86: عن القانون واستقلال القضاء

عدلي الهواري

كلمة العدد 86: عن القانون واستقلال القضاء


د. عدلي الهوارييقال إن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى. والمنطق نفسه ينطبق على القانون، فيقال أيضا القانون هو السياسة بوسائل أخرى. في الوقت نفسه، هناك الكثير من الكلام عن إعلاء شأن سلطة القانون، ومبدأ المساواة أمام القانون.

عندما يعاين المرء واقعه، بصرف النظر عن الدولة التي يعيش فيها، سيجد علاقة وثيقة بين السياسة والقانون. ولكي أظل قريبا من النشر والصحافة، سيكون مثالي عن القوانين المتعلقة بهما. القاسم المشترك بينها في الدول العربية تقييد الحريات، وعقوبات تختلف في شدتها. ولا يخفى على أحد أن القوانين هذه توضع لخدمة النظم التي تحكم بالاعتماد على تقييد الحريات لا على توفيرها وحمايتها واحترامها.

إذن العلاقة بين القانون والسياسة وثيقة. والامتداد الطبيعي لهذه الحقيقة هو أن القضاء ليس معزولا عن السياسة. هناك دائما كلام كثير عن القضاء واستقلاله. والتأكيد على ذلك يصدر عن السياسيين والقضاة. بل يهرب السياسيون من حرج بعض القضايا العامة كالفساد، أو الإهمال الجنائي الذي يتسبب بحوادث قطارات وغرق سفن مثلا، فيجري تحويلها إلى القضاء ليمكن التذرع بأن القضية لدى القضاء وبالتالي لا يمكن التعليق عليها.

وأحيانا ينقذ القضاة السياسيين من الحرج من خلال أحكام براءة أو إدانة لا تتوفر فيها عناصر المحاكمة العادلة التي تحقق التوازن بين حقوق المتهمين والضحايا.

هناك مثالان من باكستان، الأول يدل على وضع القضاة أنفسهم في خدمة السياسة، والآخر عن دفاع القضاة عن حقهم في الاستقلال عن السياسة والإصرار على تطبيق الدستور الذي يمنع الجمع بين الرئاسة ومنصب في الجيش.

في عام 1977 قام قائد الجيش الباكستاني الجنرال ضياء الحق بانقلاب على رئيس الوزراء المنتخب، ذو الفقار علي بوتو، علما بأن الثاني عين الأول في المنصب. وبعد الانقلاب حوكم رئيس الوزراء المعزول في المحكمة العليا بتهمة التآمر لقتل معارض له، هو أحمد رضا كاسوري. وكان المطلوب من القضاة حكما جماعيا بالإعدام. ولكن أحد القضاة رفض أن يوافق على حكم الإعدام، وحافظ على استقلاله، ودفع ثمن ذلك لاحقا مما اضطره إلى اللجوء إلى بريطانيا (القاضي غلام صفدر شاه).

وفي عام 1999 قام الجنرال برويز مشرف بانقلاب على رئيس الوزراء نواز شريف. في البداية تعرض الجنرال مشرف لانتقادات غربية. ولكن سرعان ما تم التغاضي عن الانقلاب بعد تعاون الجنرال في "الحرب على الإرهاب".

استمرأ الجنرال مشرف البقاء في الحكم، وأراد أن يجمع بين الرئاسة ومنصبه في الجيش. ولكي يتمكن من ذلك، قام في عام 2007 بتعليق الدستور "للحيلولة دون تمزق باكستان"، وعلق المحاكم بما في ذلك المحكمة العليا، التي كان يرأسها افتخار محمد شودري، إذ كان من المتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكما يحول دون جمع مشرف بين منصبه في الجيش والرئاسة. لكن القضاة انتصروا على مشرف في نهاية الأمر، واضطر إلى تقديم استقالته عام 2008، وغادر باكستان ليعيش في بريطانيا.

دارت الدوائر في باكستان أكثر من مرة منذ انقلاب ضياء الحق. ابنة بوتو، بي نظير (أي بلا نظير)، عادت وأصبحت رئيسة للوزراء. ونواز شريف عاد من منفاه وأصبح رئيسا للوزراء مرة ثالثة. وهناك دعوات الآن لمحاكمة مشرف بتهمة الخيانة العظمى على انقلابه على نواز شريف.

مبدأ استقلال القضاء مهم للغاية. ولكن هذا الاستقلال لا يتم بمجرد تكرار التأكيد عليه مرارا، بل من خلال توفر البيئة التي تمكن القاضي من ممارسة عمله دون خوف من السلطة السياسية، أو طمعا في مكاسب منها.

واستقلال القضاء لا يمكن أن يتم بمعزل عن تمتع الشعب بحرياته الأساسية، فالقاضي مسؤول عن تطبيق القانون أو تفسيره. وعندما تكون القوانين قمعية، فالقاضي ليس أكثر من أداة لفرض القمع باسم القانون، الأمر الذي يجعل الحديث عن سلطة القانون مختلفا عن المقصود بها كمبدأ لا غنى للبشرية عنه أو المجتمعات الديموقراطية.

حتى عندما يكون القضاء مستقلا، لا يعني ذلك أن السلطة القضائية لا يمكن توجيه انتقادات إليها، أو أن كل أحكام القضاء عادلة ونزيهة ولا أخطاء قانونية فيها، وإلا لما كان من أساسيات القضاء استئناف الأحكام.

ومن المعروف أيضا أن بعض الأحكام القاطعة يتم التراجع عنها بعد سنوات، أحيانا بعد فوات الأوان، أي بعد تنفيذ حكم الإعدام، أو بعد أن يفني المحكوم عليه شبابه في السجون. حدث هذا في حالات شهيرة في بريطانيا، تحولت إحداها إلى موضوع فيلم سينمائي عرض عام 1993 وعنوانه "باسم الأب"(1).

وأعود إلى ما بدأت به للتذكير بأن القانون والقضاء ليسا منفصلين عن السياسة، وعندما يتمتع كل الشعب بحرياته الأساسية، وتكون له حقوق غير قابلة للتصرف، عندئذ يمكن أن يصبح الحديث عن استقلال القضاء مقنعا أكثر.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


(1) اسم الفيلم بالإنجليزية

In the Name of the Father (1993).

"باسم الأب".

D 25 تموز (يوليو) 2013     A عدلي الهواري     C 6 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • موضوع رائع وشيق جدا دكتور/ عدلي، وأنا أتفق معك تماماً في الختام، دمت مبدعاً دوماً، ووفقك الله دوماً


  • تحليل ثاقب استثنائي للعلاقة المشبوهة ما بين السياسة والقانون او القضاء ، حيث لا توجد أخلاق للسياسة (كما قال ميكافيلي بكتابه الشهير ) وانما ممارسات وصولية وتلاعب للوصول للسلطة وحتى في الدول التي تدعي الديموقراطية ، والمقالة وان كانت تتحدث عن باكستان تحديدا الا أنها تحوي كما خفيا من المجاز الذكي ويمكن ملاحظة التجاوزات والأمثلة الجلية بدول ما يسمى الربيع العربي ، من حيث التلاعب بمفهوم الشرعية واستغلال السلطة وحالة النفاق الدولي والاستقطاب ...دام قلمكم ورمضان مبارك .


  • فى كل مره وانا اقرا لسيادتكم يبهرنى اختياركم فما طرحته د كتور عدلى عن القانون واستقلال القضاء والتحليل الرائع والمثال الذى طرحته نحن فى حاجه اليه وخصوصا فى الوقت الراهن ونحن نمر بظروف استنائيه
    وانا مع سيادتكم ان استقلال القضاء لن ياتى الامتوافقا مع منظمومه حقوق الانسان الفعليه
    اشكرك كثيرا وكل عام وانتم بخير


  • دراسة جيدة وممتعة باسلوب سلس وراق في نفس الوقت .كما اتقدم بشكري الخالص لك تقديرا
    لمجهوداتكم المبدولة من اجل اصدار واخراح المجلة الموقرة كل شهر في حلة جديدة كمااشكر كل الطاقم وكدلك اشكر الاقلام التي ترسل المواضيع اليها هي بستان متنوع الاشجاروالثمار.فمجلة عودالند مدرسة تطل علينا عبر الشاشة لتتغدى عقولنا من حديقتها المتنوعة التمار.
    تحية احترام وتقدير سيدي.


  • اشكرك دكتور لتسليطك الضوء على ظاهرة يكاد يكون مسلما بها كالعديد من المسلمات في هذا العصر الرهيب في احكامه و قوانينه. الا ان السلطة ليست وحدها المتحكمة في تسيير القوانين, هناك ايضا كبريات الشركات و المؤسسات و بالطبع رجال الاعمال.


  • يذكرني هذا المقال الرائع ببحث الشبكة العلائقية بين القانون والسياسة بجملة وردت في فلم "زمن حاتم زهران " يقول فيها ( لايوجد قانون في الدنيا الا والاستثناءات التي في الهامش اطول من القانون نفسه ) وبالحقيقة القانون هو قانون مسيس ولكن لاسياسة تخضع لقانون والقانون برأيي وضعته السياسة ليُطبق على افراد الشعب ولتحكم سلطتها لااكثر ولكنه (يستثني ب (إلا)) كل من له نفوذ ومركز هذا قبلا وفي الفترة المتاخرة يستثنيه هو وابناء عشيرته ومن له الواسطة والقربى ويُطبق علي وعلى من يقرا هذه السطور فقط