عدلي الهواري

كلمة العدد 86: عن القانون واستقلال القضاء

د. عدلي الهوارييقال إن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى. والمنطق نفسه ينطبق على القانون، فيقال أيضا القانون هو السياسة بوسائل أخرى. في الوقت نفسه، هناك الكثير من الكلام عن إعلاء شأن سلطة القانون، ومبدأ المساواة أمام القانون.

عندما يعاين المرء واقعه، بصرف النظر عن الدولة التي يعيش فيها، سيجد علاقة وثيقة بين السياسة والقانون. ولكي أظل قريبا من النشر والصحافة، سيكون مثالي عن القوانين المتعلقة بهما. القاسم المشترك بينها في الدول العربية تقييد الحريات، وعقوبات تختلف في شدتها. ولا يخفى على أحد أن القوانين هذه توضع لخدمة النظم التي تحكم بالاعتماد على تقييد الحريات لا على توفيرها وحمايتها واحترامها.

إذن العلاقة بين القانون والسياسة وثيقة. والامتداد الطبيعي لهذه الحقيقة هو أن القضاء ليس معزولا عن السياسة. هناك دائما كلام كثير عن القضاء واستقلاله. والتأكيد على ذلك يصدر عن السياسيين والقضاة. بل يهرب السياسيون من حرج بعض القضايا العامة كالفساد، أو الإهمال الجنائي الذي يتسبب بحوادث قطارات وغرق سفن مثلا، فيجري تحويلها إلى القضاء ليمكن التذرع بأن القضية لدى القضاء وبالتالي لا يمكن التعليق عليها.

وأحيانا ينقذ القضاة السياسيين من الحرج من خلال أحكام براءة أو إدانة لا تتوفر فيها عناصر المحاكمة العادلة التي تحقق التوازن بين حقوق المتهمين والضحايا.

هناك مثالان من باكستان، الأول يدل على وضع القضاة أنفسهم في خدمة السياسة، والآخر عن دفاع القضاة عن حقهم في الاستقلال عن السياسة والإصرار على تطبيق الدستور الذي يمنع الجمع بين الرئاسة ومنصب في الجيش.

في عام 1977 قام قائد الجيش الباكستاني الجنرال ضياء الحق بانقلاب على رئيس الوزراء المنتخب، ذو الفقار علي بوتو، علما بأن الثاني عين الأول في المنصب. وبعد الانقلاب حوكم رئيس الوزراء المعزول في المحكمة العليا بتهمة التآمر لقتل معارض له، هو أحمد رضا كاسوري. وكان المطلوب من القضاة حكما جماعيا بالإعدام. ولكن أحد القضاة رفض أن يوافق على حكم الإعدام، وحافظ على استقلاله، ودفع ثمن ذلك لاحقا مما اضطره إلى اللجوء إلى بريطانيا (القاضي غلام صفدر شاه).

وفي عام 1999 قام الجنرال برويز مشرف بانقلاب على رئيس الوزراء نواز شريف. في البداية تعرض الجنرال مشرف لانتقادات غربية. ولكن سرعان ما تم التغاضي عن الانقلاب بعد تعاون الجنرال في "الحرب على الإرهاب".

استمرأ الجنرال مشرف البقاء في الحكم، وأراد أن يجمع بين الرئاسة ومنصبه في الجيش. ولكي يتمكن من ذلك، قام في عام 2007 بتعليق الدستور "للحيلولة دون تمزق باكستان"، وعلق المحاكم بما في ذلك المحكمة العليا، التي كان يرأسها افتخار محمد شودري، إذ كان من المتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكما يحول دون جمع مشرف بين منصبه في الجيش والرئاسة. لكن القضاة انتصروا على مشرف في نهاية الأمر، واضطر إلى تقديم استقالته عام 2008، وغادر باكستان ليعيش في بريطانيا.

دارت الدوائر في باكستان أكثر من مرة منذ انقلاب ضياء الحق. ابنة بوتو، بي نظير (أي بلا نظير)، عادت وأصبحت رئيسة للوزراء. ونواز شريف عاد من منفاه وأصبح رئيسا للوزراء مرة ثالثة. وهناك دعوات الآن لمحاكمة مشرف بتهمة الخيانة العظمى على انقلابه على نواز شريف.

مبدأ استقلال القضاء مهم للغاية. ولكن هذا الاستقلال لا يتم بمجرد تكرار التأكيد عليه مرارا، بل من خلال توفر البيئة التي تمكن القاضي من ممارسة عمله دون خوف من السلطة السياسية، أو طمعا في مكاسب منها.

واستقلال القضاء لا يمكن أن يتم بمعزل عن تمتع الشعب بحرياته الأساسية، فالقاضي مسؤول عن تطبيق القانون أو تفسيره. وعندما تكون القوانين قمعية، فالقاضي ليس أكثر من أداة لفرض القمع باسم القانون، الأمر الذي يجعل الحديث عن سلطة القانون مختلفا عن المقصود بها كمبدأ لا غنى للبشرية عنه أو المجتمعات الديموقراطية.

حتى عندما يكون القضاء مستقلا، لا يعني ذلك أن السلطة القضائية لا يمكن توجيه انتقادات إليها، أو أن كل أحكام القضاء عادلة ونزيهة ولا أخطاء قانونية فيها، وإلا لما كان من أساسيات القضاء استئناف الأحكام.

ومن المعروف أيضا أن بعض الأحكام القاطعة يتم التراجع عنها بعد سنوات، أحيانا بعد فوات الأوان، أي بعد تنفيذ حكم الإعدام، أو بعد أن يفني المحكوم عليه شبابه في السجون. حدث هذا في حالات شهيرة في بريطانيا، تحولت إحداها إلى موضوع فيلم سينمائي عرض عام 1993 وعنوانه "باسم الأب"(1).

وأعود إلى ما بدأت به للتذكير بأن القانون والقضاء ليسا منفصلين عن السياسة، وعندما يتمتع كل الشعب بحرياته الأساسية، وتكون له حقوق غير قابلة للتصرف، عندئذ يمكن أن يصبح الحديث عن استقلال القضاء مقنعا أكثر.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


(1) اسم الفيلم بالإنجليزية

In the Name of the Father (1993).

"باسم الأب".


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC