د. عدلي الهواري

كلمة العدد الفصلي 10: الأمانة الفكرية

.

عدلي الهواريثمة قيم لا اختلاف على أهميتها رغم اختلاف الشعوب عن بعضها في العادات والمعتقدات والأعراق، ومنها الصدق والأمانة. ومن علامات الصدق أن تقول الحق ولو على نفسك. وعندما يكون الإنسان من حملة صفة "مثقف"، يصبح متوقعا منه أن يكون أمينا فكريا، مثلما يتوقع منه أن يكون صادقا وأمينا في تعامله الشخصي.

من متطلبات الأمانة الفكرية ألا تعتقد أن رأيك وحدك فقط هو الصحيح، وآراء غيرك خاطئة، فالآراء الأخرى قد تكون صحيحة ولو جزئيا. كذلك، يجب أن يكون رأيك منطقيا، ومعززا بالحجة والدليل، وليس من الأمانة الفكرية تجاهل الأدلة التي تجعل من رأيك غير صحيح بالمطلق.

لنأخذ على سبيل المثال مسألة مراكز تحفيظ القرآن الكريم وعلاقتها بالتطرف.

حفظ القرآن في الكتاتيب أو الجوامع مسألة قديمة جدا، فقبل المدارس النظامية كان الصغار يحفظون القرآن في الكتاتيب، ويتعلمون القراءة والكتابة بلغة عربية سليمة.

أما الإرهاب فهو مصطلح حديث نسبيا، وأسيء استخدامه، فمقاومة الاحتلال دون تعريض المدنيين لأذى اعتبرها الاستعماريون إرهابا. وقد بُذلت محاولات من أجل تبني مفهوم إرهاب الدولة، فعندما تستهدف دولة المدنيين، اعتبر هذا إرهابا، لأنه لا يختلف عن قيام أفراد بمهاجمة المدنيين.

ولكن لا شك أن الجدل على مفهوم الإرهاب لم يعد ممكنا بعد أن أصبح أسلوبا متعمدا لإيذاء أكبر عدد من المدنيين في البلد الواحد. ولذا تحولت مكافحة الإرهاب المحلي والعابر للحدود إلى هدف تتحدث عنه كل دول العالم وتضعه على قائمة الأولويات.

ونظرا لأن ظاهرة تحفيظ القرآن في كتاتيب/مراكز قديمة جدا فمن غير المنطقي ربطها بظاهرة حديثة نسبيا، أي الإرهاب.

بعض حافظي القرآن قد يجنحون لممارسة العنف لتغيير المجتمع، ولكن هذه الحالات لا تمثل الأغلبية. حفظ القرآن الكريم مفتوح للراغبين في ذلك من مختلف الأعمار والمستويات التعليمية، وتقبل عليه حتى ربات البيوت. والمقبلون على حفظه يدفعهم إيمانهم بمكانته لدى المسلمين، وليس من أجل تبني العنف كأيدلوجية، فهناك الكثير من الكتب التي لا قدسية لها يمكن لمن يرغب أن يلجأ إليها لتبني العنف وتبريره كوسيلة للتغيير.

الربط بين حفظ القرآن والإرهاب غير سليم، والأدلة على ذلك كثيرة. على سبيل المثال، طه حسين حفظ القرآن في صغره وأصبح علما بارزا من أعلام الأدب العربي. عبد الله عزام كان أستاذا جامعيا في الأردن، ولكنه اختار أن يقاتل الروس في أفغانستان، وأصبح منظرا لجماعات العنف المسلح التي تعتبر نفسها جهادية.

وتشير فاطمة المرنيسي في كتاب لها عن الديمقراطية والإسلام [1] إلى أن الصغار الذين يذهبون إلى مدراس حفظ القرآن يصبحون من المتمتعين بذاكرة قوية. وتقول في سياق الحديث عن مدرسة تحفيظ القرآن التي ذهبت إليها في الأربعينيات:

"في المؤتمرات والندوات العربية والمغاربية يمكنني مرارا أن أعرف من ذهب إلى مدرسة تحفيظ القرآن. إنهم يتذكرون أرقام الهواتف دون أن يكتبوها. ولا يكتبون الكثير من الملاحظات أثناء الجلسات، ويتذكرون بالتفصيل، بالنص تقريبا، محادثات خاضها أحد معهم قبل سنوات. مدرسة تحفيظ القرآن التي ذهبت إليها في الأربعينات كانت تشبه كثيرا المدرسة التي وصفها جدي، والمدرسة التي وصفها له جده" (ص 79).

فاطمة المرنيسي، لمن لا يعرفها، أكاديمية مغربية كتبت عن الجندر (النوع الاجتماعي) من منظور إسلامي، وكتبها متوفرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية، بالنظر إلى أهمية الموضوع الذي تكتب عنه كمسلمة. وعندما تتحدث عن التأثير الإيجابي لمدرسة تحفيظ القرآن فهي تقدم دليلا يناقض حجة القائلين بأن تأثيرها سلبي، ويقود إلى التطرف والعنف.

وتقول د. سهير السكري، المختصة باللسانيات، في مقابلة تلفزيونية معها متاحة في يوتيوب[2] إن حفظ القران يثري لغة الصغار، وتقارن بين الصغير الذي يتعلم القرآن والطفل المعتمد على العامية فقط والتلميذ الأجنبي، فتشير إلى ثراء مفردات مَنْ تعلم القرآن وهو صغير. وهي بالمناسبة ليست محجبة أو منقبة، ومنطلقات حديثها ليست دينية بل لغوية. الأمانة الفكرية والعلمية تدفعها إلى الحديث بإيجابية عن دور الكتاتيب.

ظاهرة النقص في الأمانة الفكرية نجدها لدى مؤلفي كتب لها تأثير في الأوساط الأكاديمية وخارجها. على سبيل المثال، برنارد لويس كتب عن الإسلام كثيرا، ولكن كتاباته عنه تفتقر إلى الأمانة الفكرية.

وفي المقابل، دافع إدوارد سعيد عن الأسلام مع أنه مسيحي، وهذا دليل أنه تمتع بالأمانة الفكرية التي جعلته ينتقد التغطية الإعلامية الغربية للأوضاع في الدول ذات الأغلبية الإسلامية[3]. ومقابل لويس وأمثاله ممن يسيئون للإسلام، هناك مثال المستشرق الفرنسي مكسيم رودونسون الذي كتب عن الإسلام بموضوعية. وهذا أيضا يدل على أمانة فكرية.

ليس من الأمانة العلمية في شيء أن يربط مثقف بين التدين والاستعداد لممارسة العنف، فحفظة القرآن أو أجزاء منه كثر، وبينهم كما قلت ربات بيوت. ظاهرة ممارسة العنف باسم الدين تستحق أن تدرس لفهم سبب ظهور جماعات إسلامية تمارس الإرهاب ضد مسلمين وغير مسلمين من أبناء بلدها. هذه الجماعات تكفر جماعات إسلامية أخرى، وليس غير المسلمين فقط.

هناك محاولات لنشر فكرة أن الانتماء إلى جماعة إسلامية معتدلة يهيئ المنتمي لها للانتقال إلى ممارسة العنف. هذا ليس صحيحا بالضرورة، فالأغلب أن الجماعات الإسلامية محافظة، أو رجعية، وتساعد على جعل الناس يتقلبون الأمر الواقع، بالتركيز على عدم الخروج على الحاكم أو إطاعة ولي الأمر.

وتستحق الجماعات الإسلامية (وغيرها من التيارات) النقد على رجعيتها أو انتهازيتها أو تحالفها مع السلطات. ولكن خلط الحابل بالنابل لا يليق بالمثقف.

ليس من التقدمية في شيء أن يعادي المثقف شعبه. واجبه كمثقف أن يسعى إلى إيضاح الطريق الأفضل، لا أن يبني لنفسه برجا عاجيا، ويطلق من عليائه الاتهامات جزافا على الآخرين. الانتقاد حتى القاسي ضروري، ولكن يجب أن يظل الناقد أمينا فكريا.

= = = = =

[1] المرنيسي، فاطمة. الإسلام والديمقراطية: الخوف من العالم الحديث. لندن: فيغارو، 1992.

Mernissi,  Fatima. <u>Islam and Democracy: Fear of the Modern World</u>. London: Virago,  1992.

[2] رابط فيديو المقابلة مع د. سهير السكري في يوتيوب:

https://www.youtube.com/watch?v=I2eIMLKZ-FI

[3] سعيد، إدوارد. تغطية الإسلام. لندن: فنتيج، 1997.

Said, Edward. Covering Islam. London: Vintage, 1997.

لوغو: عود الند ف 10

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 588272

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC