د. عريب محمد عيد - الأردن

عرض كتاب تحليل الخطاب الروائي لسعيد يقطين

يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الرّوائيّ: الزمن-السر-التبئير. بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ، 1989.

عريب عيديحاول الكاتب سعيد يقطين في كتابه المكوّن من مدخل وثلاثة فصول الإجابة عن بعض الأسئلة: ما هو موضوع نظرية الرّواية؟ وما أدواتها؟ وكيف يمكننا إقامتها وتطويرها؟ مستفيدا ممّا أنجز في مجال تحليل الخطاب الرّوائيّ في الغرب، وواقفا على بعض الاتجاهات فيها، ومتسائلا عن أصولها، وإمكانيّة تطويرها.

الخطاب الرّوائيّ كما يعرّفه يقطين هو الطّريقة الّتي تقدّم بها المادة الحكائيّة في الرّواية. وقد انطلق يقطين في تحليله للخطاب الرّوائيّ من السّرديّات البنيويّة، وأشار في الخطاب الرّوائيّ إلى ثلاثة مكوّنات: الزّمن. الصّيغة. الرّؤية السّرديّة.

وقف الباحث عند المظهرين النّحويّ (البنيويّ) والدّلاليّ أو الوظيفيّ، وهو إجراء يفرضه التّحليل السّرديّ في "انفتاح النصّ الرّوائيّ"، واهتم بالزّمن والسّرد والتّبئير، وسجّل مجموعة من الخلاصات تبيّن علاقة الرّاوي بالمروي له في الخطاب، وقام بعمليتين متكاملتين: الأولى: دراسة جزئية لرواية "الزّيني بركات"، لجمال الغيطانيّ، إذ قسّم الخطاب إلى عشر وحدات. والثّانية: دراسة أربعة خطابات في أربع روايات هي:

=1= "أنتَ منذ اليوم" لتيسير السبول، ط1، 1968.

=2= "عودة الطّائر إلى البحر" لحليم بركات، ط1، 1969.

=3= "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل" لإميل حبيبي، ط1، 1974.

=4= "الزّمن الموحش" لحيدر حيدر، ط1، 1973.

جاءت الدّراسة مزجا بين النّظرية والتّطبيق، وقد قدّم التّحليل حول الخطاب ومكوناته الثلاثة، بشكل موجز ومركّز وواضح؛ بمساعدة القارئ على تشكيل تصوّر عام للتحّليل الخطابيّ الرّوائيّ، ثمّ كان اختيار التّطبيق الواضح في التّحليل.

المدخل

أشار يقطين إلى اهتمام الشّكلانيّين الروس بأدبيّة الأدب، وليس الأدب، ودعا تودوروف إلى استعمال الخطاب الأدبيّ موضع الأدب، وتبيّن أنّ دلالات الخطاب الّتي تتعدّد بتعدّد اتجاهات تحليل الخطاب من منظور سيكو-لسانيّ بأنّه متتالية منسجمة من الملفوظات، قد تتداخل أحيانا أو تتقاطع أو يكمّل بعضها بعضا[1].

سعيد يقطينويذكر يقطين أنّ تناوله لتحليل الخطاب الرّوائيّ يندرج ضمن الخطاب الحكائيّ أو السّرديّ، مشيرا إلى أنّ تحليل خطابه للعمل الحكائيّ بين ما يسمّى المبني الحكائيّ (الشّكل) والمتن الحكائيّ (المضمون) [2]، وقد وصل السّرد أو الخطاب بطريقة الحكي؛ إذ يرى يقطين الحكي تجلّيا خطابيّا من توالي أحداث مترابطة، تحكمها علاقات متداخلة بين مكوناتها وعناصرها المختلفة. فالحكي في الرّواية يقدّم خلال "السّرد" ويقوم به الرّاوي، والحكي في المسرحيّة يقدّم خلال العرض أو التّشخيص أو التّمثيل، فالشّخصيات تقوم بـ "تشخيص الحكي". ويقسم الحكي إلى ثلاث فئات هي: القصة: المستوى الصّرفي؛ الخطاب: المستوى النّحويّ؛ النّصّ: المستوى الدّلاليّ.

الفصل الأول: الزّمن في الخطاب الرّوائيّ

يعرض يقطين لأهم القضايا الّتي يثيرها تحليل الزّمن:

=1= اللّسانيّات والزّمن[3]: يطرح الكاتب عددا من تقسيمات الزّمن، فيرى لانيس أن تقسيم الزّمن الثّلاثيّ: الماضي، الحاضر، المستقبل غير دقيق، فالزّمن لا يوجد في كل اللّغات، كما أنّ هذه التّقابلات ليست زمنيّة محضة. ويقدّم مفهومين مختلفين للزّمن يطرحهما بنفست [4]:

أ. الزّمن الفيزيائي للعالم: وهو خطي لا متناه، وهو المدّة المتغيّرة الّتي يقيسها كل فرد حسب هواه وأحاسيسه، وإيقاع حياته الدّاخليّة.

ب. الزّمن الحدّثي: وهو زمن الأحداث الذي يغطي حياتنا المتتالية من الأحداث. وهذان الزّمنان مزدوجان معا ذاتيا وموضوعيّا.

ج. الزّمن اللّسانّي: مرتبط بالكلام، ولا يمكن اختزاله في الزّمن الحدثيّ أو الفيزيائيّ.
وثمة لحظتان في التّقابلات الزّمنيّة للغة الحاضر اللّسانيّ، الأولى: يكون الحدث غير معاصر للخطاب، ويمكن استدعاؤه عبر الذّاكرة. والثّانية: لا يكون الحدث في الحاضر، لكنّه سيكون.

=2= الرّوائّيون الجدد والزّمن[5]: يقسم ميشيل بوتور زمن الرّواية إلى ثلاثة أزمنة: زمن الكتابة، وزمن المغامرة، وزمن الكاتب، فالرّوائي يقدّم خلاصة قصة نقرؤها في دقائق أو ساعة، وتكون أحداثها جرت خلال يومين أو أكثر أو حوادث تمتد على مدى سنين.

ويمكن للتّجليّات الزّمنيّة بالعودة إلى الوراء أو الانقطاع الزّمنيّ في الانتقال من زمن لآخر بإشارات مثل: "وفي الغد، أو بعد قليل، أو تتغير الفصول ... إلى آخره".

=3= لسانيّات الخطاب والزّمن[6]: يبرز توماشفسكي أهمية تحليل الزّمن وإبراز الأدوار في العمل المكانيّ، ويميّز بين زمن المتن الحكائيّ وزمن المبني الحكائيّ. ويقصد بالأوّل افتراض كون الأحداث المعروضة قد وقعت في مادّة الحكي، كالتّأريخ للأحداث ومدّة وقوعها، وهو زمن الشّيء المحكي أو الدّال عند جينيت [7]. وأمّا زمن الحكي فهو زمن الحكي وهو الوقت الضّروريّ لقراءة العمل أو مدة عرضه وهو زمن المدلول عند جينيت .

ويقسم زمن النّصّ إلى الإخبار القبليّ والإخبار البعديّ، وقد يكون الإخبار إرجاعيا، أي استرجاع سابق عن الحدث الذي يُحكى ويقسم إلى داخلي وخارجي. ويقسم الدّاخليّ إلى برانيّ الحكي، إذ يتمّ في خط القصّة مضمون حدثي مغاير للحكي الأوّل مثل استحضار شخصيّة الأحداث فيها. وجوّانيّ الحكي، أي يوضح خط الأحداث الذي يجري فيه الحكي الأوّل، وقد تكون الإرجاعات تكميليّة أو تكراريّة[8].

وأشار الباحث إلى تقسيم وليمرت ومولر الزّمن في القصة إلى: (أ) ما هو كوني من أيام وفصول وشهور وما هو سيكولوجي. الذكريات والأحاسيس؛ (ب) زمن السَّرد: التتابع المنظم للوصف والتّداخل المتتالي الزمني مع عدم إغفال الإسراع أو التباطؤ أو التقطيع واستعمال الكاتب الحذف أو التفاصيل الزائدة.

وثمّة تقسيم للزّمن يذكره العمل الحكائيّ: (1) الزّمن الدّاخليّ: زمن القصة؛ الكتابة؛ القراءة. (2) الزّمن الخارجيّ: زمن الكاتب؛ القارئ؛ التاريخيّ.

وقد استفاد يقطين من تحليلي فاينرلتيش وجنيت للزّمن، ومن "الزّمن النّحويّ" عند تمام حسّان في كتابه "اللّغة العربيّة معناها ومبناها" في تحليل زمن الخطاب الرّوائيّ في الزّيني بركات، إذ تنتظم المادة الحكائيّة ضمن حدود زمنيّة تاريخيّة تمثل السّنوات من بداية عام 912 هـ، ونهاية 923 هـ، فهذا الزّمن صرفيّ، ويظهر هذا الزّمن في السّنوات والشّهور والأيام (وأجزائها) والفصول.

وخلال هذه الاثنتي عشرة سنة نجد ست سنوات هي المسجّلة زمنيّا، ويبيّن توزيع الزّمن فيها بشكل غير متكافئ على مستوى الصّفحات، فمثلا السّنتان 912 و922 هـ تحتلان القسم الأكبر على مستوى عدد الصّفحات، وهذا المركز المحوري على مستوى الخطاب يسمّيه بؤرة الزّمن، ويعلّل الكاتب ذلك بأنّ أهمّ الأحداث الّتي وقعت فيهما، مشيرا إلى أنّ لا اعتباطيّة في التّوزيع الزّمنيّ، وهذا التّوزيع الزّمنيّ في الرّواية على مستوى الكم يسميه تخطيب زمن القصة[9]، ثم يعرض في الصّفحات من 98–135 ما أسماه التمفصلات الزّمنيّة الصّغرى.

ويرى يقطين أنّ بنية الزّمن في الخطاب الرّوائيّ في "الزّيني بركات" فيها ثلاث حركات[10]:

=1= البطء: خلال السّنتين 912 و914 هـ، ولا سيّما أن سنة 912 هـ مسجّلة في 84 صفحة.

=2= السّرعة: الأحداث تبدأ حركات تفاعلها وصراع الشخصيات فيها في ست سنوات، لا تسجل خلالها إلاّ سنة واحدة هي 920 هـ.

=3= التّسريع: يبدو ذلك سنة 922 هـ خلال شهرين سجل الحرب والهزيمة في يوم واحد مرتين (مشهد تلخيص تكراريّ).

وفي تناول يقطين الزّمن في الخطابات الرّوائيّة الأربعة المذكورة سابقا، يخرج بما يلي[11]:

=1= جميع هذه الرّوايات تركّز على حياة شخصيّة محوريّة في مرحلة زمنيّة محدّدة هي مرحلة الشّباب بالأخص.

=2= زمن الخطاب يهيمن عليه البناء الدّائري وذلك من اللّعب الزّمنيّ من كثرة المفارقات الزّمنيّة التي تشوّش ترتيب الأحداث وتسلسلها وتحركّها في عمليتي الاستباق والاسترجاع.

=3= كثرة المشاهد والتّقطيع الزّمنيّ.

الفصل الثاني: صيغة الخطاب الرّوائيّ

يرى جينيت أنّ الحكي حكي الأقوال (نصّ الشّخصيّات)، وحكي الأحداث (نصّ الرّاوي)، ويرى أنّ المحاكاة على حكي الأحداث ثلاثة أنماط: (1) الخطاب المعروض (المباشر) ويتمّ الاستشهاد الحرفيّ بالأقوال والأفكار. (2) الخطاب المسرود (خطاب الرّاوي)، وهو أكثر حكيا سرديّا. (3) الخطاب غير المباشر: وهو وسط بين السّابقين[12].

وقد عدل جينيت عن مفهوم الصّيغة في كتابه "خطاب الحكي الجديد" ليستخدم مكانه (الإخبار)؛ لأنّ الحكي هو فعل من أفعال الكلام، فهو لا يقدّم القصة أو يعرضها؛ ولكنّه يخبر عنها ويحكيها. ومفهوم الصّيغة في البويطيقيا (poetics) مرّة تكون الصّيغة أو الأسلوب أو أنماط الكلام أو الخطاب، وعند السّيموطيقيين تقف عند مستوى الدّال والمدلول[13].

والصّيغ السّرديّة ترجع أصولها إلى التّقسيم التّقليديّ بين المحاكاة والحكي التّام، وفي ذلك بُعد فلسفي إلى محاكاة الوجود مع أفلاطون، وتقسيم النّقد الجديد الأنجلو–أميركيّ الحكي إلى عرض وسرد، فيه بعد جمالي، كان هنري جيمس رائده، ويقطين يميل إلى هذا الجانب[14]. ويخالف يقطين السرديّين بين حكي الأقوال، وحكي الأحداث في الخطاب الرّوائيّ، ويرى أنّ في ذلك تظهر آثار التّمييز الأرسطي بين الدّراما (نص الشخصيات) والتّاريخ (نصّ الرّاوي) أو الملحمة (نصّ الرّاوي والشّخصيات).

ويرى يقطين أنّ العرض والسّرد صيغتا الخطاب الحكائيّ الكُبريان داخل الخطاب الرّوائيّ، وتتضمّن هاتان الصّيغتان صيغا أخرى صغرى بسيطة أو مركّبة ضمن التّحليل الجزئيّ للخطاب[15]. ويقسم يقطين أنماط الخطاب وصيغها بالنّظر إلى نوعيّة المتلقي إلى[16]:

=1= صيغة الخطاب المسرود: الخطاب الّذي يرسله المتكلّم إلى مرويّ له، سواء أكان هذا المتلقي مباشرا شخصية أم إلى المروي له في الخطاب الرّوائي كاملا.

=2= صيغة المسرود الذّاتيّ: الخطاب الّذي يتحدّث فيه المتكلّم الآن عن ذاته وإليها عن أشياء تمّت في الماضي.

=3= صيغة الخطاب المعروض: المتكلّم يتكلّم مباشرة إلى متلق مباشر، ويتبادلان الكلام بينهما دون تدخل الرّاوي.

=4= صيغة المعروض غير المباشر: هو أقل مباشرة من المعروض المباشر، لأنّنا نجد فيه مصاحبات الخطاب المعروض، وتظهر فيه تدخلات الرّاوي قبل العرض أو خلاله أو بعده، ونجد المتكلّم يتحدّث إلى آخر، والرّاوي من تدخلاته يؤشّر للمتلّقي غير المباشر.

=5= صيغة المعروض الذّاتيّ: وهي نظير صيغة الخطاب المسرود الذاتيّ، فإذا كان المسرود الذاتيّ يحاور ذاته عن أشياء تمت في الماضي، فإنّنا نجده يتحدّث عن ذاته عن فعل يعيشه وقت إنجاز الكلام.

ويضيف يقطين نمطا آخر من الخطاب هو وسيط بين المسرود والمعروض وهو الّذي يمكننا تسميته بالمنقول؛ لأنّ المتكلّم لا يقوم بإخبار متلقيه بشيء عن طريق السّرد أو العرض حَسْب، ولكنّه كذلك ينقل كلام غيره سردا أو عرضا.

=6= ثمّ نحن أمام متكلّم ثان ينقل عن متكلم أوّل: صيغة المنقول المباشر: كأنّنا معروض مباشر، يقوم بنقل مباشر متكلّم غير المتكلّم الأصل، وهو ينقله كما هو، وقد ينقله إلى متلق مباشر (مخاطب) أو غير مباشر.

=7= صيغة المنقول غير المباشر: هو كالمنقول المباشر إلّا أنّ الناقل لا يحتفظ بالكلام الأصل، ولكنّه يقدّمه بشكل الخطاب المسرود.

تعدّد الخطابات (تعدّد الصيّغ) في رواية "الزّيني بركات"

يرصد الكاتب الخطابات الرّوائيّة في الرّواية، ويرفض التّمييز بين نصّ الرّاوي، ونصّ الشّخصيّات، ويقطين يرى أنّ حكي الأحداث، وحكي الأقوال يتداخلان ويتقاطعان، ومن هذه الخطابات (الرّاوي؛ التّقرير؛ المذكرة؛ الرّسالة) وكلّها تشمل الصّيغ والسّرد والعرض غير المباشر أو المنقول. وقد قسّم الكاتب قراءة هذه الصّيغ في تداخلها وتقاطعها إلى عشر وحدات لمعاينة تجلياتها الصّيغيّة وربطها بالقصّة وأحداثها وأشخاصها[17].

مثال: تحت عنوان "بدايات الهزيمة"، يفتتح الزّينيّ الخطاب الرّوائيّ بالرّاوي/الشّاهد (الرّحالة الإيطاليّ) ومصر في حالة اضطراب وحرب سنة 922 هـ، وهي على أبواب الهزيمة، فبدأ الخطاب بالمذكّرة الّتي يسجّل فيها الإيطالي مشاهدته[18]، وخطاب المذكّرة هو الخطاب المسرود الّذي يتكفل به الرّاوي خلال مشاهداته بسرد ما يقع أمامه من أحداث ووقائع، إنّ زمن الخطاب المسرود وهو حاضر السّرد والضّمير هو المتكلّم.

فالرّحالة الإيطاليّ يزور القاهرة، فيجدها كما تركها في فترة سابقة: طابع الانتظار والذّعر مهيمن على المكان، هذا الخطاب المسرود الّذي يرسله الرّاوي خلال الخطاب المسرود الذّاتيّ الأقرب إلى المونولوج، ومُعينات هذا الخطاب المسرود الذّاتيّ هي الأفعال ذات الصّلة بصورة
الرّاوي النّفسيّة، مثل قوله: "أرى وجه المدينة مريضا يوشك على البكاء"[19].

وقد تناولَ يقطين صيغ الخطاب كذلك في الرّوايات المذكورة ليبيّن أنّ التّعدد بالصّيغ طابع مشترك بين الخطابات المتناولة جميعا، فهناك تصوّر مشترك في تقديم مادّة الحكي سواء أكانت مادتها مستقاة من التّاريخ أم الواقع أم التّخييل، فالسّؤال الأهمّ كيف تقدّم هذه المادّة؟ وهو سؤال الصّيغة. لذا كان التّعدد الصّيغيّ سمة جوهريّة في الخطاب الرّوائيّ.

الفصل الثّالث: الرّؤية السّرديّة في الخطاب الرّوائيّ

تعدّدت مصطلحات تحليل الخطاب السّرديّ ومنها: وجهة النّظر؛ الرّؤية؛ البؤرة؛ حصر المجال؛ المنظور؛ التّبئير. وقد ظهر مفهوم الرّؤية السّرديّة في النقد الأنجلو-أميركي في بدايات القرن العشرين مع الروائي هنري جيمس. وعمّق المفهوم أتباع جيمس وخاصة لوبوك في كتابه "صنعة الرواية" (ص 284-285).

ويبيّن جيمس أنّ دور الرّاوي في "مسرحة" الحدث وعرضه لا في قوله وسرده، بمعنى أنّ القصّة تحكي نفسها لا أن يحكيها المؤلّف، وهذا هو العرض، وفي السّرد يكون راويا عالما بكلّ شيء[20].

ووجهات النّظر كما يحدّدها لوبوك هي في الاتجاهات السّرديّة[21].

1. التّقديم البانوراميّ: للرّاوي مطلق المعرفة يتجاوز موضوعه، وتلخيصه للقارئ.

2. التّقديم المشهديّ: كما في الدّرامي نجد الرّاوي غائبا والأحداث تقدّم مباشرة للمتلّقي.

3. الرّاوي الممسرح في اللّوحات: تتركّز الأحداث إمّا في ذهن الرّاوي أو على إحدى الشّخصيّات.

ويُضاف إلى هذه الثلاثة "الذّهن المعروض" وهو التّقديم الذي تقوم به شخصيّة محوريّة.

ومن أشهر الدّراسات في الرّؤية السّرديّة كتاب جان لوبون "الزّمن والرّؤية"، إذ يرى ثلاث رؤى للرّواية:

1. الرّؤية مع (الذّكريات).

2. الرّؤية من الخلف (التّذكارات) (المذكّرات).

3. الرّؤية من الخارج (الفضاء الّذي تتحرّك به الشخصية).

وما يهمنا في هذا المقام الرّواة انطلاقا من علاقتهم التّرابطيّة مع القصة[22]:

1. الكاتب الضّمنيّ (الذّات الثّانية للكاتب): وهو المختفي في الكواليس وهو ليس الكاتب الإنسان أو كما يقول بارت إنّه من ورق وليس من لحم ودم.

2. الرّاوي غير المعروض (غير الممسرح): وهو الرّاوي الّذي يشتبه علينا والكاتب الضّمنيّ إذا لم يُبد لنا أنّ الرّواية تعتمد ذلك الكاتب؛ لأنّه من الضّروري أن يكون ثمّة وساطة بيننا كقراءة وبين أحداث القصّة.

3. الرّاوي المعروض (الممسرح): وهو كلّ شخصيّة مهما بدت متخفيّة، وتتداول الحكي، وتعرض نفسها، بمجرّد ما أن تتحدّث بضمير المتكلّم المفرد أو الجمع أو باسم الكاتب، وضمن هذا النّوع نجد أنواعا من الرّواة[23]:

أ‌. الرّاصد (كما يسميه جيمس): وهو المرآة الّتي تعمل على عكس الأحداث بوضوح، وتستعمل لتقريب بعض الأشياء إلى القارئ ليعرفها بجلاء.

ب‌. الرّاوي الملاحِظ أو المشاهِد: الّذي سيرد عن طريق المشهد أو التّلخيص.

ج‌. الرّاوي المشارك: الذي ينفعل في مجريات الأحداث كشخصيّة من الشّخصيّات.

ويرى اوسنسكي في الخطاب السّردي أربعة مستويات[24]:

1. المستوى الأيديولوجيّ.

2. المستوى التّعبيريّ.

3. المستوى الحكائيّ-الزّمانيّ.

4. المستوى السّيكولوجيّ. وفيه أربعة أنماط: وجهة نظر ثابتة أو متحوّلة. وجهة نظر داخليّة أو خارجيّة.

ويقدّم جنيت تصوره باستبعاد مفاهيم (الرؤية) و (وجهة النّظر) وتعويضها بـ (التّبئير) وهو أبعد إيحاء للجانب البصريّ[25]:

=1= التّبئير الصّغير أو اللاتبئير: الحكي التقليديّ.

=2= التّبئير الدّاخليّ: سواء أكان ثابتا أو متحوّلا أو متعدّدا.

=3= التّبئير الخارجيّ: الذي لا يمكن فيه التّعرف على دواخل الشّخصيّة.

وقد حدّد جنيت في المستويات السّرديّة علاقات الحكي بعضه ببعض المتعلق بالضّمائر أو العلاقات: خارج الحكي وبرانيّة/ داخل الحكي وجوانيّه.

وبعد، الكتاب قيّم، ومرجع لا غنى عنه في دراسة تحليل الرّواية الأدبيّة أو التّأطير للخطاب الرّوائيّ وتحليله. كان الكاتب موفقا في العرض، والتّمثيل الانتقائيّ لما قدّم في الجانب النّظريّ، وإن كان ثمّة إطالة أحيانا. وبيّن الكاتب اعتماد الرّواية العربيّة في الرّؤى السّرديّة والخطاب وصيغته والزّمن على الرّواية الغربيّة. وتدرّج يقطين في عرضه للفصول وجزئيّاتها بشكل منطقيّ ومنظم وختم كلّ فصل بخلاصة لما جاء فيه. ولم يغفل الباحث بيان المحاور الثّلاثة الّتي وقف عليها الزّمن والسّرد والخطاب – بين الخطابين التّاريخيّ والرّوائيّ.

= = = =

الهوامش

[1] سعيد يقطين، تحليل الخطاب الرّوائيّ (بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ، 1989)، ط1، ص 17-19. راجع/ي تعريفات هاريس وبنفست للخطاب.

[2] المرجع نفسه، ص 40. يقسم جينيت الحكي إلى القصة (المدلول أو المضمون السّرديّ) والحكي (الدّال أو الملفوظ أو الخطاب أو النّص السّردي).

[3] المرجع نفسه، ص 63.

[4] المرجع نفسه، ص 63.

[5] تحليل الخطاب الرّوائيّ، ص 69.

[6] المرجع نفسه، ص 69-70.

[7] المرجع نفسه، ص 76.

[8] المرجع نفسه، ص 77.

[9] تحليل الخطاب الرّوائيّ، ص 95.

[10] المرجع نفسه، ص 138.

[11] المرجع نفسه، ص 148-166.

[12] المرجع نفسه، ص 183.

[13] تحليل الخطاب الرّوائي، ص 184.

[14] المصدر نفسه، ص 184.

[15] المصدر نفسه، ص 195.

[16] المصدر نفسه، ص197.

[17] تحليل الخطاب الرّوائي، ص 202.

[18] المصدر نفسه، ص 207.

[19] المصدر نفسه، ص 207.

[20] تحليل الخطاب الرّوائي، ص 284.

[21] المصدر نفسه، ص 286-287.

[22] المصدر نفسه، ص 292.

[23] المصدر نفسه، ص 292.

[24] تحليل الخطاب الرّوائي، ص 284.

[25] المرجع نفسه، ص 286-287.

غلاف كتاب لسعيد يقطين

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 431559

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC