أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 11: 2007/04 » عفوا، رقم الهاتف الجوال لا يمكن الوصول إليه

هويدا سليم - السودان

عفوا، رقم الهاتف الجوال لا يمكن الوصول إليه


صوت دقات الساعة أيقظني. أحسست بأن عقاربها تدق فوق رأسي بعنف. نهضت من الفراش فزعة. نظرت إليها باستغراب. كانت عقاربها تشير إلى الخامسة إلا ربعا. زاد طرقها على رأسي بصورة غير محتملة. صرت أحدق فيها على الرغم من تسارع ضرباتها على رأسي، إلا أن عقاربها ظلت مسمرة عند الخامسة إلا ربعا. لم اعد احتمل صوت طرقات عقاربها على رأسي. سرت نحوها. كان الطرق يزداد دون أن تتحرك عقاربها من الخامسة إلا ربعا، وأنا أردد: "ماذا دهاك أيتها الساعة؟"

مددت يدي لإسكاتها بقسوة متناسية العلاقة الحميمة التي جمعت بيننا طوال ربع قرن من الزمن تقاسمنا فيها لحظات الأسى والانتظار الطويل لفرح لم يأت بعد. ضربتها بكل قوتي لكنها لم تستجب فما زالت تواصل طرقها بعنف. ازدادت ضرباتي لها فزادت هي من الطرق على رأسي. شعرت بأن قواي تخور دون جدوى. توقفت عن ضربها وصرت أنظر لها باستعجاب. كانت ما تزال ثابتة على موقفها: لم تتحول من الخامسة إلا ربعا.

عدت أدراجي إلى الفراش لأكمل نومي. وضعت الوسادة على رأسي دون فائدة فما زال الطرق متواصلا. حاولت تجاهله لكن دون جدوى أيضا. بل زاد بصورة جعلتني أقفز من الفراش مرة ثانية وأتناولها من على الرف وأقذف بها على الأرض فتناثرت في كل الغرفة. لكن الصوت لم يتوقف. وجدتني أسحقها بإقدامي بجنون. صرت أطارد أجزاءها المبعثرة على أرضية الغرفة وأدوس عليها بعنف علّها تسكت.

زاد الطرق على رأسي من جنوني فصرت آخذها جزءا جزءا وأقذف بها من النافذة إلى قارعة الطريق. لم أبال بنظرات المارة المستعجبة والتي يتهمني بعضها بالجنون وبعضها بالسُكْـر. أحدهم نظر إليّ ثم ابتسم باستعجاب وصفق بيديه وعيونه تقول "الله يشفيك." شعرت براحة عندما أغلقت النافذة. "آه. إن الفاصل الآن بيني وبينها خمسة طوابق إضافة إلى ضجة العربات وصياح الباعة المتجولين." هكذا طمأنت نفسي. لكن، فجأة شعرت بالطرق يزداد بصورة أعنف هذه المرة.

صرخت ونهضت من الفراش كالملسوعة. أشعلت النور وصرت أبحث عن أي جزء منها داخل الغرفة. كانت هناك قطعت ظننتها عقرب الثواني، فأخذتها دون أن أنظر إليها، وألحقتها بأخواتها في الطريق العام وأغلقت النافذة. لكن الطرق لم يتوقف. خرجت مهرولة. لم أعرف كيف اجتزت كل السلالم. فقط وجدتني في قلب الشارع والكل ينظر إليّ، وأنا كالمجنونة أفتش عن أجزاء الساعة.

بعضهم اتهمني بأنني أتعاطى المخدرات، والبعض الآخر ظن أنني مجنونة. عندما أفقت إلى نفسي، كانت هناك مجموعات كبيرة من العيون ملتفة حولي تحدق فيّ، ففعلت مثلهم. حدّقت في نفسي. لم أصدق: كنت منكوشة الشعر محمرة العيون. والأدهى أنني في ملابس النوم ونصف حافية. لملمت أجزاء الساعة وقذفت بها إلى أبعد مدى وسط دهشة الجميع من تصرفاتي غير الطبيعية. نظرت إلى المارة وإلى نفسي بخجل ثم هرولت مسرعة إلى شقتي وسط ذهول المتجمهرين.

وصلت إلى شقتي. كان رنين الساعة قد سبقني إليها أو لعله كان يهرول معي ولم أنتبه له من طول السلالم. وضعت يدي على رأسي لإسكاته دون جدوى. ضغطت بكلتي يدي على رأسي وصرخت بأعلى صوتي من شدة الألم وفظاعة دقات الساعة على رأسي. صرخة أسمعت سكان العمارة فهرولوا إلى الشقة منزعجين. عشرة أعوام قضيتها بينهم لم يسمعوا صوتي. بل بعضهم لم يرَني حيث أخرج الصباح ولا أعود للشقة إلا للنوم آخر الليل. أخرج وهم نيام وأعود وهم نيام أيضا. لهذا كانت نظراتهم مذعورة وهم يحطمون باب الشقة ويدخلون لمعرفة أسباب الصراخ.

فجأة رن جرس الهاتف. أخذته بسرعة هربا من دقات الساعة. جاءني الصوت باردا حادا، فظيعا بصورة جعلتني أتمنى لو استمرت دقات الساعة على رأسي طوال العمر ولم أسمع تلك الكلمات الحادة التي تجاوزت أذني لتثقب القلب والروح والفؤاد: "أنك مت." لم أكمل المحادثة. لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟

لست أدري هل أغلقت الهاتف. هل خرج الجمهور من شقتي. لا أعرف أي تفاصيل بعد تلك المحادثة. حتى المتصل لم أعرفه. خلته أنت. أردت أن تخبرني كعادتك بكل تفاصيل حياتك الخاصة جدا جدا بنفسك. فقط جملة واحدة ظلت تدق فوق رأسي: "لقد رحل عند الخامسة إلا ربعا صباحا." تجاهلت الصوت. ارتديت ملابسي وأنا أردد أن ما سمعته مجرد مزحة ثقيلة. لا يمكن أن ترحل هكذا دون أن تقول لي كما عودتني. تجاهلت الصوت. أخذت زجاجة العطر. سكبتها كلها على عنقي كما تحب أنت. خرجت إلى الشارع والصوت ما زال يلاحقني: "مات عند الخامسة إلا ربعا."

دخلت أقرب حانة. نظرت إلى الساعة أيضا. كانت تشير إلى الخامسة إلا ربعا. خرجت مسرعة. وجدتني أسير في الطرقات زمنا خلته دهرا، لكنني كلما أنظر إلى الساعة أجدها ما زالت تشير إلى الخامسة إلا ربعا. هدني التعب. دخلت مرة أخرى إلى أقرب حانة. طلبت زجاجة تجرعتها مباشرة دون ثلج ولا كأس. طلبت أخرى وأخرى. كلها لم تسكت الصوت في رأسي. صحت في نادل الحانة: إنكم تقدمون خمرة مغشوشة. ثلاث زجاجات أو أربع أو خمس لا أدري. فقط أدرك أنني ما زلت في كامل وعيي.

أعطيت النادل حافظة النقود ليأخذ ثمن الخمر ويعيد لي الباقي. خرجت. تسكعت في الطرقات. دخلت إلى المرقص. كان صاخبا. رقصت حتى تصبب العرق مني. اختلط رنين الساعة مع صوت الهاتف مع أبخرة الخمر في رأسي فشاهدتك هناك. نعم شاهدتك. ليس هلوسة الحشيش ولا خيالات الخمر. أجل، شاهدتك أنت. كانت هناك أياد تسدل قطعة قماش بيضاء على وجهك ليضعوا آخر حاجز بينك وبين الحياة.

زدت من إيقاع الرقص متجاهلة رؤيتك. خلتني رأيتهم وهم يغسلونك. كذّبت نفسي. مددت يدي إلى هاتفي. طلبت رقمك. طال الرنين حتى انقطع. كررت المحاولة. إنني أحن هذه الليلة كالعادة لسماع صوتك يداعب إذني ويخترقني إلى أخمص قدمي. قلت عـلّـك نائم، وسوف تتصل بي مجرد استيقاظك عندما تجد رقمي مسجلا عشرات المرات على هاتفك.

رأيتهم وهم يربطون يديك إلى بعضهما. صحت فيهم بصورة أوقفت كل الراقصين: "دعوه فقط يرد على هاتفه". لكنهم واصلوا عملهم وكأنهم لا يسمعون صراخي: "دعوه. دعوه." فجأة أدرت رأسي عنهم لكنني رأيتهم. أي والله رأيتهم. كانوا يحملونك على أكتفاهم. زدت إيقاع رقصي بعنف أثار الراقصين حولي. ابتسمت بسخرية منهم مطمئنة نفسي أنك سوف تقفز من كل أكتافهم بعد قليل لتلحق بي في المرقص وتهزأ منهم. عندها سوف يدركون أنهم واهمون أنك مت. لكنك لم تفعل، بل ظللت مستسلما لهم وهم يسيرون بك عبر الطرقات.

في كل لحظة كنت أتوقع أن تطوق يداك خاصرتي وأنت تضحك قائلا: "من كذب عليك وقال لك إنني مت؟" لكنني عندما أدرت وجهي مرة أخرى ناحيتهم وجدتهم يضعونك داخل حفرة صغيرة. أسرعت إلى هاتفي. أعدت محاولة الاتصال بك مرة أخرى عـلّ صوت الهاتف يوقظك من هذا الاستسلام لهؤلاء الرجال. عندما بدأوا يتلون بعض الآيات وهم وقوف مغمضي العيون خلتك سوف تغافلهم وتخرج من تلك الحفرة. لكنك خذلتني. لأول مرة أحس أنك تخذلني، فها هم يهيلون عليك التراب دون أن تحرك ساكنا.

كلما أسرعوا هم في إهالة التراب عليك، أسرعت أنا في إعادة محاولة الاتصال بك حتى تتمرد عليهم وتقفز من هذه الحفرة الضيقة التي يريدون وضعك فيها. لم أعد احتمل المنظر. صرخت بكل صوتي "اتركوه. اتركوه." وظللت أهرول وأنا أصيح "اتركوه. دعوه. إنه لم يمت." صرخت حتى تشقق حلقي.

لا أعرف باقي التفاصيل. عندما فتحت عيني وجدتني محاطة بالأغطية البيضاء. نظرت حولي باستغراب فهذه ليست غرفتي. نظرت إلى الساعة. كانت متوقفة عندما الخامسة إلا ربعا. تداعت الأحداث إلى خاطري. مددت يدي إلى هاتفي. أدرت رقمك بهستيرية فجاءني صوت بارد: "هذا المشترك لا يمكن الوصول إليه حاليا. أرجو محاولة الاتصال لاحقا." عدت إلى غيبوبتي.

D 1 نيسان (أبريل) 2007     A هويدا سليم     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الثقافة: هوة بين المشرق والمغرب؟

2.  غربة فكر

3.  مطلوب قصة رومانسية

4.  قراءة في قصيدة لفراس حج محمد

5.  دعوة لتقديم أوراق بحث


القائمة البريدية