محمد العصفوري - مصر

تاجر القاهرة


عم محسن رجل عفى عليه الزمن ولم يعف عنه. أخذ منه ساقا وترك له أخرى، وأشل يداً وترك الأخرى مرتعشة تكاد تمسك بالقلم. تضاربت حوله الآراء. فمن قائل إنه صعيدي من جنوب مصر فر إلى الدلتا من ثأر يطلبه، ومن متوجس بأنه تاجر مخدرات.

مهنة عم محسن غريبة. فهو يقرض الناس دون أن يعرفهم، ودون أن يرهن عنده شيئاً، فقط يرى البطاقة الشخصية ويسجل عنده البيانات في كراس خاص ويدون فيه المبلغ وآخر مهلة للسداد. ثم يطلب أن يحرر له شيك على بياض يحتفظ به في مكان مجهول. يده المرتعشة يرفعها إلى فيه نافثاً دخان سيجاره في وجه المدين:

"الفائدة 30 في المية قبل اللجوء للقضاء."

ثم يتفرس في وجه غريمه قبل أن يلقي بقنبلته المعهودة:

"وإذا لجأنا للقضاء فسأكتب المبلغ مضاعفاً في الشيك."

لا أحد يدري كيف اكتنز هذا المال الوفير، فهو يقرض بالمئات، وأحياناً بالألوف.

الناظر إليه وهو يمسك القلم بيده المرتعشة ليدون بيانات المقترض يقف مشدوهاً. يعتقد عم محسن أن عمله هذا شريف، بل هو من أجل المهن، فهو يفك الكربات وينفس عن المضغوطين، ويساعد التجار، علاوة على أنه شهم كريم مع مديونيه، فهو يتمهل وينظر إلى ميسرة ويرسل الرسل قبل أن يرسل بالشيك إلى المحكمة.

الغريب أن الناس يلجئون إليه كثيراً، وإذا سافرت إلى القاهرة يوماً وسرت في شارع الجلاء مستدبراً كوبري المشاة، ثم عطفت يميناً لتتجاوز محل الكشري الشهير، فلربما وجدت منضدة بالية يجلس عليها بقايا جسد ذابل ركبت عليه رأس صلعاء، يمتد على جانبيها يدان أحدهما أشبه بعصا جندي امن مركزي والأخرى لا تكاد تمسك بالقلم.

وإذا حالفك الحظ وكان هناك أحد غرمائه فربما تسمع الحوار التالي:

"أأنت عم محسن الذي يتعامل بالفايظ؟ (الربا)"

"نعم."

"أريد عشرة آلاف."

"إلى متى؟"

"قبل بداية الصيف."

"ستردها ثلاثة عشر."

"أعلم ذلك."

"ومعك إلى نهاية الصيف. ولكن إذا تأخرت عن ذلك سأضطر إلى استدعاء المحامي. وعندها ستردها لي عشرين. اتفقنا؟ لحظة."

يخفض رأسه الذي تجرد من كل شيء باحثاً عن الكراس الذي جلده بلون أحمر ليسهل العثور عليها، فإذا وجده انحنى مرة أخرى ليبحث عن القلم الذي ربطه في خيط بال بطرف المنضدة العجوز. يدون البيانات بيده المرتعشة بينما الأخرى تنظر إلى الأمر وكأنه لا يعنيها.

"وقّع هنا."

يوقع الرجل على الشيك فينحني عم محسن مرة ثالثة ليفتح جوالاً بجواره. يمد فيه اليد المرتعشة ثم يصعد بالآلاف العشرة.

وعندما تفيق من دهشتك وتستدير متجها إلى حيث مصلحتك، لا تسأل نفسك كيف لم يفكر أحد في الهجوم على هذا الرجل وسلب ما معه.

D 1 نيسان (أبريل) 2007     A محمد العصفوري     C 0 تعليقات

محمد العصفوري

موضوعاتي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  علم اللغة العام

2.  الخط الأزرق

3.  فيديو بمناسبة اتمام عـود الـنـد 10 أعوام

4.  تداعيات من قبر

5.  مبادرة نشر إلكتروني مجانا


القائمة البريدية