أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 64 » فائض عن الحاجة

موسى أبو رياش - الأردن

فائض عن الحاجة


محمد إبو رياشاستيقظ كعادته كلَّ فجر. توضأ. صلّى. قرأ أذكاره وأوراده. أعدَّ فنجان شاي، تناوله على مهل مع لقيمات من الخبز، وقطعة جبن بيضاء؛ إفطاره الصباحي منذ خمسين عاماً أو يزيد. همَّ أن يرتدي ملابسه؛ استعدادا للخروج، عندما تذكر أمراً لطمه، وأحدث غصَّة في قلبه. لا داعي للخروج هذا الصباح، فقد باع بقالته لأبي سعيد يوم أمس، وغدت ملكاً له، لا يحق له أن يدخلها إلا زائراً أو زبوناً. ارتمى على فراشه خائر القوى. مشتت الذهن. يسقط في هاوية بلا قرار. اندس تحت لحافه مهزوماً، يستذكر عمره الذي قضاه في هذه البقالة التي أصبحت جزءاً منه، فلا تُذكر البقالة إلا به، ولا يُذكر إلا والبقالة قرينة له.

منذ توفيت زوجته، وهو لا يكاد يفارق البقالة، فأولاده تزوجوا، وانشغلوا بزوجاتهم وأولادهم وأعمالهم، ولا شيء يغريه بالعودة إلى البيت. أما رفاق العمر، فكانت البقالة مكاناً لتجمعهم وحديثهم وسمرهم أحياناً. يجلسون أمامها، يتحدثون، يستذكرون ماضيهم، يحللون الأوضاع الراهنة: سياسية واقتصادية واجتماعية. وقد كانت البقالة مكاناً للتجمع عند الذهاب إلى أي فرح أو عزاء أو زيارة مريض أو جار صديق عاد من العمرة أو الحج أو السفر. كانت بقالة أبي خالد معلماً هاماً في الحي، يكفي أن تسأل عن بقالة أبي خالد حتى تجد العشرات ممن يدلونك عليها، ويستحيل أن تجد سائق تاكسي في المدينة لا يعرف بقالة أبي خالد.

منذ سنتين وابنه الأصغر سائد، يحاول أن يقنعه أن يترك البقالة ويرتاح، فيكفيه ما عاناه من كد وتعب وجهد، وهم –أي أولاده- سيوفرون له كل ما يحتاجه، وهم على استعداد لتأمين كل طلباته حتى لو أراد السفر والسياحة بل والزواج. رفض طلب سائد بحزم، مؤكداً أنه سيبقى في بقالته ما دام قادراً على الحركة، فالمسألة لا تتعلق بالنقود، ولا يظن أنهم سيفهمون عليه.

رجاه أولاده الآخرون، وتدخلت بناته الأغلى على قلبه ورائحة زوجته، فوعدهم خيراً، وطلب مهلة للتفكير. حاول المماطلة والتأجيل واختلاق الأعذار، ولكن ذلك لم ينطل على سائد الذي كان كثيراً ما يراجعه ويذكره بوعده. أخيراً، وافق أن يبيع البقالة بشرط أن يكون المشتري ابن أصل ولا يهمه السعر. وما أن وضع إعلان البيع حتى تهافت العشرات لشراء البقالة، ليس لقيمتها المادية، ولكن لمكانتها الأدبية في الحي، وتاريخها العريق، وسمعتها الطيبة في كل مكان.

رفض أبو خالد أن يبيع البقالة إلا لأبي سعيد الذي يتمتع بصفات يراها ضرورية فيه ليخلفه في البقالة، فقد كان أبو سعيد أصغر منه بعشرين سنة على الأقل، وكان معروفاً في الحي بطيبته وخلقه وسمعته الحسنة وكرمه ونخوته. طلب أبو خالد من أبي سعيد مهلة أسبوعين ليسلمه البقالة، ريثما يودعها، ويرتبها جيداً، ويجرد محتوياتها، ويحصي الديون المترتبة على بعض سكان الحي.

ولما حانت ساعة التسليم، بكى أبو خالد كأنه يدفن فلذة كبده، وسلَّم المفاتيح لأبي سعيد بيد مترددة راعشة، وغادر البقالة بخطوات واهنة إلى بيته، لينهي رحلة عمر ما كان يتخيل أنه سيقدم عليها.

في البيت، استقبله سائد وزوجته وأحفاده بترحاب، مؤكدين استعدادهم لخدمته وتوفير كل أسباب الراحة له، فما عليه إلا أن يأمر فيطاع، راجين منه أن لا يتردد في طلب أي شيء في ليل أو نهار، فهو الأغلى عندهم، ولا أحد مقدما عليه كائناً من كان. شكرهم بصوت خافت، وانسحب إلى غرفته، محاولاً أن يتناسى أمر البقالة، فلم يستطع، وأرَّقه التفكير واسترجاع الذكريات، وأخيراً غلبه النوم وسهام الحسرة تمزق قلبه.

أخذته الذكريات بعيداً، وهو يستذكر أجمل أيام العمر. تعرَّف على معظم سكان الحي، وخالطهم، وشاركهم كل مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، وكان يعتبر نفسه فرداً في كل أسرة من أسر الحي، وهم يعدونه كذلك. تذكر وابتسامة تعلو شفتيه كم ربت على أكتافهم عندما يرجونه أن يصبر على سداد ديونهم، يطمئنهم أن لا بأس عليهم، ويرجئهم إلى حين ميسرة، يغادرونه وقلوبهم تلهج بالدعاء له ولأولاده، ويدخر عند الله وحده ديوناً أسقطها عن المعوزين والمحتاجين والأرامل والأيتام دون طلب منهم، فكان للجميع الأخ الأكبر، يسرون إليه ما لا يسرون لأقرب الناس إليهم، يطلبون رأيه، ويحرصون على الأخذ بنصائحه، فهو فيهم حكيم فهيم صاحب تجربة وفراسة ونظرة صائبة.

استفاق من ذكرياته على صوت ابنه سائد يدعوه لتناول طعام الإفطار معهم. حاول الاعتذار، ولكن ابنه ألحَّ عليه، فقام بوهن ليمارس حياة جديدة لم يتعودها من قبل. جلس معهم، تناول بضع لقيمات ثم حمد الله وشكره، ثم عاد إلى غرفته وسط استغراب ابنه وزوجته وأحفاده.

أحاطه أولاده بالحب والرعاية، وسارعوا إلى خدمته عند أقل إشارة منه، بل كانوا يسبقونه أحياناً قبل أن يطلب، يساعدونه في ارتداء ملابسه، يناولونه الماء، يساندونه أحياناً إذا أحسوا منه تعباً أو ضعفاً. شكر لهم كل ما يفعلونه لأجله، ولكنه شعر في قرارة نفسه أنهم يحيطونه برعاية العاجز الضعيف الذي لا حول له ولا طول. وأنه أصبح عبئاً عليهم. لا يقوم بأي خدمة مهما صغرت، يمنعونه من ذلك حرصاً على راحته.

حاول أن يذهب إلى المخبز لشراء الخبز، فعاتبوه أنه لا ينبغي له أن يخدمهم وهم جميعاً في خدمته. حاول أن يرتب فراشه، فسارعت إليه زوجة ولده سائد محذرة أن سائدا لو رآه لأنبها بشدة متهماً إياها بالتقصير تجاه والده. أسقط في يده، وشعر أنه لا لزوم له في هذه الحياة. لا فائدة ترجى منه. لا أحد يطلب منه خدمة. لا أحد ينتظر منه شيئاً.

أظلمت الدنيا في وجهه، وشعر أنها أضيق من خرم إبرة، فهو صفر في نظرهم، وجوده وعدمه سواء. عذَّبه هذا الإحساس، وأرَّقه، وأحال أيامه إلى ليال سوداء، ولياليه إلى سهاد طويل. فكّر في ما تبقى من حياته. هل من المعقول أن يقضيها بين جدران أربعة أشبه بطفل رضيع، بل شعر أنه مسجون برعايتهم وحرصهم ومحبتهم له، أسير لا عمل له إلا شكرهم والدعاء لهم.

لم يعد يطيق ذرعاً بهذه الحياة التي أفقدته كل معنى للحياة، وكل قيمة للوجود. انتهز نومهم صباحاً أكثر من مرة، وخرج يتمشى في الحي؛ يسترجع أيامه السالفة، وذكرياته: حلوها ومرها، فكلها في نظره جميلة. وغالباً ما كان يعود، ونظرات العتاب تنتظره على مدخل البيت من ولده سائد، يعاتبه خوفاً عليه، مؤكداً أن سيارته رهن إشارته، وأنه مستعد أن يذهب به إلى أي مكان. يشكره بعينيه، ويدخل إلى غرفته ساهماً واهناً.

استيقظ سائد ذات صباح، فلم يجد والده في غرفته، انتظره على باب البيت كعادته. تأخر كما لم يفعل من قبل. حدَّث نفسه: لعل جولته بعيدة هذا اليوم، ولكنه حتماً سيعود. تنبه على رنين جهازه الخلوي من الداخل، فأسرع إليه، وقلبه يتوجس خيفة.

كان أبو سعيد على الطرف الآخر، يرجوه أن يسرع بسيارته. دقائق، ووصل سائد إلى بقالة أبي سعيد، وجد تجمعاً. أخذه أبو سعيد جانباً، وأخبره أنه عندما حضر إلى البقالة، وجد والده جالساً على عتبة البقالة، مسنداً ظهره إلى الحائط، فظنه نائماً، فلما همَّ بإيقاظه وجده قد فارق الحياة.

أذهله الموقف. لم ينطق بكلمة. تساقطت دموعه بغزارة، وهو يقبل والده، ويرجوه أن يسامحه، ويصفح عنه. أبعده الناس، وحملوا جثة أبي خالد إلى السيارة؛ لنقلها إلى أقرب مستشفى.

D 26 أيلول (سبتمبر) 2011     A موسى أبو رياش     C 14 تعليقات

8 مشاركة منتدى

  • فائضٌ عنِ الحاجة

    موسى إبراهيم أبو رياش- الأردن

    أخذتني في البداية رشاقةُ الكلمة وطلاقتُها.. "استيقظَ كعادتِهِ كلّ فجر. صلَّى. قرأ أذكارَهُ وأورادَهُ. أعدَّ فنجانَ شاي".. ثمَّ أخذتْني طلاوةُ التعبير وبساطتُهُ ودقّةُ مدلولِه، وبلاغتُهُ أيضاً.. "ويدَّخِرُ عند اللهِ وحدَهُ ديوناً أسقَطَها عنِ المحتاجين".. لكنَّ العبرةَ الأهم تبقى في المضمون.

    من الإنصافِ أن أشهدَ بالحق، أنَّ موسى أبو رياش صاحبُ قريحةٍ خَصبَة وتجربة حُبلى، تذكَّرني بالكثيرِ من حكاياتِ ميخائيل نعيمة، وعنوانُ النّص كان اختياراً موَفّقاً. انتهيتُ من قراءةِ النص ولساني يلهجُ بقولِ المتنبي:

    خُلِقْتُ ألوفاً لو رجعتُ إلى الصبا لفارقتُ شيبي موجعَ القلبِ باكيا


  • تحية للكاتب ..

    احياناً نقتل من نحب بمحبتنا ... للانسان حاجات مختلفة تتعدى المال
    والمركز ..
    العمل بحد ذاته روح الحياة والباعث على التجدد فيها ..

    سامحهم الله قتلوه بحبهم ..


  • ألأخ الصديق موسى أبو رياش- ألأردن

    ألإشارةُ إلى بيتِ المتنبي، إنما تعودُ في مدلولِها إلى أبي خالد، ووفائه وتَعَلُّقِه بدكان بقالته، ولا أحسَبُني أبالغُ حين يُذكِّرُني بعضُ ما جاءَ في النص بالأديب الكبير ميخائيل نعيمة، فأنا أعني بصدقٍ ما أقول.. لعلِّي أفتِّشُ لاحقاً وأشيرُ على وجهِ الدقّة أين التشابه.


  • بارك الله فيك ياأبا ايوب فقد لامست أوجاعي وأثرت أشجاني فهذه قصة والدي رحمه الله نفسها وأنا الإبن الذي أقنعه ببيع البقالة سامحني الله. كل التقدير لك يا أخي الحبيب ورحمة الله عليك ياوالدي وأسأل الله أن يجمعني بك وأبا أيوب في جنته. عيسى زغل


    • أخي الحبيب أبو محمد (عيسى زغل) القصة بنيتها على حادثة حقيقية لوالد أحد الزملاء توفي قبل ثلاث سنوات، وليس لي علم بقصتك مع والدك إلا من خلال ردك. وعلى كل حال يبدو أن هذه القصة تتكرر كثيراً بشكل أو بآخر، وهي تؤكد أن الإنسان الكبير بحاجة ماسة لأن نحترم كيانه ومشاعره وأن لا نضعه على الرف، فهو يتلذذ أن تطلب منه خدمة، أو أن يؤدي عملاً مهما صغر، لأن العمل بحد ذاته نوع من تحقيق الذات وتقديرها، وهو حاجة ماسة للإنسان كالطعام والشراب، ويستحيل أن يوجد إنسان بلا عمل إلا العاجز تماماً.
      نعم، نحن في نيتنا أن نريح الكبير، ولكنه يشعر أن ذلك إعلان عن عجزه مما يدمره نفسياً وبالتالي تتكالب عليه الأمراض والوهن حتى تقتله.
      ويبدو أن المشكلة تكون أكبر عند من يعملون في مهن متشعبة العلاقات، كمن يعمل في بقالة، فهو يتعامل مع مئات الناس يومياً، ثم فجأة يجد نفسه بين أربعة جدران، فيشعر بالاختناق.
      أشكرك أخي العزيز وسامحني لأني أثرت أشجانك، وعذري أني لا أعلم بقصتك.

  • النص جميل جدا، ويحكي واقعا مريرا، حاجة الآباء التي لا نفهمها نحن الأبناء، فهمّنا الأكبر برّهم والإحسان إليهم، أشكرك على تنبيهنا الى هذه المرحلة المهمة في حياة آبائنا وأمهاتنا...
    أشكرك كثيرا أستاذي على نصوصك التي وصلتنا عبر البريد الإلكتروني، لاعدمنا يراعك المبدع.


    • أشكرك أختي الفاضلة أشواق على لطيف مرورك. إنما الأعمال بالنيات، ولكن وجب علينا أن نتعرف خصائص المرحلة العمرية لهؤلاء الكبار، والتي من أهمها حاجتهم إلى التواصل مع محيطهم وأقرانهم، وحاجتهم الماسة إلى من يستمع إليهم ويحدثهم. وأن نشعرهم أننا لا يمكن أن نستغني عن خدماتهم، فهم القدوة وأصحاب الخبرة. وأن نشغلهم بما يشبع حاجتهم ولا يرهقهم!

  • كبار السن يحنطون ذكرياتهم بين جداران او زجاجة عطر او اي شي يمكنهم تقديم القرابين اليه و الشباب لايطيب لهم الا ان يحرموه منهم هذا بين دفتي القصص . اما الواقع فنادرا ما نجد كبير السن يتمسك بشيء لانهم وصلوا الى مرحلة عمرية اجتازوا فيها الايمان بخلود الاشياء و اصبحوا اكثر واقعيين من ذي قبل و برايي منتجين اكثر من ذي قبل . الروايات المصرية اشبعتنا بالاضافة الى الافلام ذات الحبكة المكررة ان الابن يحرم اياه من مهنته لا لكي يخدمه فقط كما الجيش المجند لخدمة الوالد في هذه القصة وانما لان عمل الاب عار عليه و بالنهاية بالتاكيد ولامحالة ولابد ويجب ان يموت البطل كمدا و حزنا و هما و غما على فراق محل ذكرياته و مصدر رزقه لا ان يرفض بيعه من البداية او ان يحاول استرداده لانه مل الخدمة المتواترة المتوالية من احفاده و كنته .


    • أشكرك أختي الكريمة هدى الدهان على المرور العطر، وأؤكد لك أن القصة ليست من وحي الأفلام والمسلسلات المصرية، وإنما هي قصة واقعية بفكرتها وبعض تفاصيلها لشخص أعرفه، وكذلك هي تشبه قصة لأخ عزيز آخر ذكر ذلك في تعليق سابق على هذه القصة.
      وتفسيري للأمر أن الكبار لا يحبون أن يكونوا عالة على غيرهم، وبعض الأعمال تشكل لهم قيمة بحد ذاتها مثل البقالات التي هي عبارة عن نقطة اتصال وتواصل مع المحيط، وتوفر لهم عالماً كاملاً متشابكاً، وأعرف بعض كبار السن يعملون في بقالاتهم القديمة ولا يربحون شيئاً إلا التواصل مع الآخرين.
      وهناك عامل آخر أن العمل يعتبر نوعاً من الوقاية والتسلية والانشغال به عن غيره وخاصة مشكلات الجسد والصحة، فإذا جلس كبير السن في البيت ولم يجد عملاً، انشغل بنفسه وصحته وهواجسه، فتهاجمه الأمراض، ويتسارع عجزه، ويترهل جسده، وقد يصبح قعيد الفراش.
      العمل دواء نفسي وجسدي للكبير والصغير على حد سواء، وحرمان المرء مما يحب جريمة، وفي قصتنا جريمة بنية حسنة وصادقة لا يعاقب عليها القانون!

  • أستاذ موسى أبو رياش نص رائع ومشوق يشد الانتباه بكل سطر وبكل كلمة .. فعلا لم أكن لأفهم هذا الجانب من حياة الانسان لو لم يفتح لي الباب هنا لأتعرف عليه.. شكرا لك ..لا عدمنا قلمك النابض


  • نص واقعي شيق وجميل ويحمل في طياته بعدا اجتماعيا محوريا يتعلق بكيفية التعامل مع كبار السن في المجتمعات العربية التكافلية -الباطنية !الحل من وجهة نظر متواضعة بتركهم ان كانوا اصحاء في حال سبيلهم وعدم التدخل بحياتهم لحد الوصايةالمقيتة بحجة بر الوالدين والعيب و.....، فقد آن الآوان لأن نحترم حيوات بعضنا البعض وأن لا نربطهابأنانيتنا بحجة التكافل الاجتماعي ، فالحل الوسط هو الأنسب !


في العدد نفسه

كلمة العدد 64: عشر ملاحظات في عصر الثورات

عن مبدعة الغلاف

مقابلة: الفنان علي الرفاعي

أيادي الفن المتسخة

شكرا جورج قندلفت