فنار عبد الغني - لبنان

صباح


فنار عبد الغنيلم أكن أعرف عنها شيئا سوى اسمها: صباح.

صباح هو اسمها الحقيقي المكتوب في شهادة ميلادها. هو اسم غير شائع في مجتمعنا على وجه حقيقي، فكل النساء اللواتي أعرفهن يحملن ذات الاسم، كن يحملنه كاسم مستعار أو بديل لاسم آخر مكتوب في شهادات ميلادهن كاسم صبحية أو صبيحة أو صبحة، أمّا هي فقد حملت هذا الاسم بالفعل في شهادة ميلادها.

حسب اعتقادي أن والدها، رحمة الله علي، هو على الأرجح من اختار لها هذا الاسم. ويبدو أنه قد تفاءل بولادتها أو ربما كان معجبا بالفنانة صباح، التي كانت مشهورة جدا في تلك الأيام. وكان والدها قد اختار بيروت مستقرا له ولعائلته، ووجد في هذه المدينة، التي كانت بدورها مدينة للفنون المختلفة، بداية جديدة لحياته الجديدة، فكانت بالنسبة له هي الصباح.

قبل كتابة هذه السطور، لم أكن أعرف عن صباح سوى القليل الذي يكفي للكتابة عنها، القليل الذي بنيته من خلال ملاحظاتي الاستثنائية لها حين ألتقي بها، أو من خلال محادثاتنا المتقطعة البعيدة، القليل الذي يكفي للاعتراف بكونها إنسانة على درجة رفيعة من النقاء المفقود.

لم أر صباح منذ عرفتها إلا باللون الأسود. ألفتها داخل هذا اللون. يرتديها السواد من رأسها حتى قدميها. منذ أكثر من عشر سنوات وهي تعتصم بنفس اللون ونفس الهيئة وسط مجتمع لا هم ولا شغل ولا هدف له سوى تبديل مظهره الخارجي اليومي كما يتبدل ساعات الليل والنهار.

لم أستطع معرفة سر تعلق صباح بهذا اللون. وذهبت ظنوني في بداية الأمر أنها قد تعيش حالة من الحداد اللانهائي على عزيز فقدته. لكن بعد التأمل الطويل في واقعنا الذي فاق المرارة في حدتها، وجدت أن اللون الأسود وحده أفضل رمز يمكن له التعبير عن حالات الإحباط والخذلان، لا بل وعن جميع الانهزامات والانكسارات التي لا نمتلك الحد الأدنى من الشجاعة للاعتراف بوجودها في حياتنا.

تحضر صباح مع الصباح، لا تستقدم دقيقة ولا تستأخر. مواعيدها مضبوطة بالفطرة. حين تأتي يكون نفر من الموظفين قد باشروا أعمالهم. وأرجو ألا يعتقد أحدٌ من القراء أو أي أحد من الذين لم ينغمسوا حتى الآن في دوامة العمل المضني بأن صباح إنسانة غير نشيطة أو أن زملاءها أكثر نشاطا منها. لا يظلمن أحد صباح بشكوكه، فالحضور المبكر جدا قبل ساعة العمل الرسمية بات في أيامنا من باب من سبق أكل النبق، وفي حالات أخرى هو من باب التلصص أو التزلف، وفي أضعف الحالات يكون لأسباب نفسية. ربما هناك من يجد في العمل هروبا أو متعة، لكن هؤلاء هم فئة نادرة.

لنعد الآن إلى بطلتنا صباح الدقيقة في مواعيدها. لم يكن يجذبها الوصول قبل الوقت المحدد، فالحضور المبكر يعني إنهاء الأعمال المطلوبة قبل الأوقات المطلوبة مما يؤدي إلى توفر ساعات عمل إضافية، حينئذ يتم انتزاع أعمال الزملاء الآخرين الذين يحضرون في أوقات العمل المحددة وإعطائها للفئة المفرطة في النشاط كأعمال إضافية.

لم تكن صباح لتنتمي إلى الفئة المفرطة في العمل أو الفئة التي تعد ساعات العمل والمال الذي ستجنيه كلما ازدادت ساعات العمل. لم يدخل المال في حساباتها على هذا النحو. لم تكن أنانية وجشعة. لم تفكر يوما بسلب حقوق الغير. كانت كبيرة النفس، تملك من القناعة والغنى الروحي ما يجعلها تترفع عن كل أي سلوك مشين.

لم أسمع صباح يوما تلقي التحية على أحد. لم أسمعها يوما تقول" صباح الخير" أو "بونجور" أو " صباحو" أو " نهاركم سعيد" أو" يصبحكم بالخير يا أوادم". تعيش صباح حالة نادرة من المصالحة مع الذات حيث تحظى بالصفاء النفسي، حالة استثنائية من السكون الداخلي الذي هو انعكاس للسكون الكوني. الأمر يتعلق بالسكون الكوني الذي يضفي عليها شعورا حقيقيا بتوقف الزمن. أنها تشعر بأن الزمن لا يمر رغم تعاقب الليل والنهار، إلا أن الحقيقة المذهلة تكمن في ثبات حقيقة الأشياء.

ما الذي يتغير هنا في هذا المجتمع إلا ارتفاع معدل الخيبات والحسرات والإحباطات؟ لم يعد هناك فرق بين صباح ومساء.

إن التحيات على غناها لن تغير مجرى الألم اليومي، فلو رددنا تحيات الصباح ألف مرة لن يتغير شيء على الإطلاق. كلها كلمات جوفاء لا تخرج من القلب. تخرج من الأفواه بشكل آلي، ومن قلوب طافحة بالكراهية، قلوب تعفنت من عدم الإحساس بالمحبة كما تتعفن الغرف المظلمة من الرطوبة.

"صباح الخير أيها الحزن" هي الكلام المناسب لكل ما نتجرعه من تعاسة. كانت صباح تدرك كنه هذه الحقيقة الغائبة، ولأنها صادقة، لم ترد أن تخدعنا بكلام لا يصلح أن يكون حتى ضمادة لجرح، وآثرت الصمت.

صباح هي المرأة المعجزة التي أجادت فن الصمت بامتياز. لقد طرحت عن نفسها جميع أبجديات العالم، برهنت بأن الإنسان يستطيع أن يبوح بكل ما يريد دون أن يحرك شفتيه. الصمت لغة مُتقدة حروفها. إنها اللغة المناسبة عندما نشعر بأن الكلام قد فقد وظيفته الحقيقة، ولم يعد يستخدم إلا للابتذال والنميمة والتزلف. عندما يصبح الكلام مجرد ضجيج بشري. في العالم ستة آلاف وخمسمئة لغة يتداولها البشر، ورغم ذلك فالصراعات الطاحنة مستمرة منذ فجر التاريخ.

صباح سيدة الصمت. تسترسل بالصمت، تقهر به سفاهة البشر وقسوتهم. ليت الصمت يصبح لغة عالمية، توحد البشر، ربما تذوب الأحقاد، ربما يغوص البشر في ذواتهم فيدركون أنهم من طبيعة واحدة، وجنس واحد، ونفس واحدة، وأن كل ما يسعون لتحقيقه من أهداف أنانية مصيره العدم، وأنه لا جدوى من الصراعات، فيندفعون لخلق عالم يملأه الحب.

تأتي في الساعة الثامنة على غير عجل، تمشي بكل ثقة، تحمل حقيبة يدها وحقيبة أخرى تضع فيها زجاجة ماء معدني وبراد ماء ساخن وأكياس شاي أخضر وبعض البسكويت الخفيف على المعدة. تنقل خطاها بشكل مستقيم، تدخل غرفة العمل، تضبط نظرها إلى الأمام، تجلس على كرسي خشبي غير مريح، تحضر أوراق عملها وأقلاما ملونة، تباشر عملها فور جلوسها على كرسيها، تحدق بأوراقها فقط، لا تلقي بالا على ما يقوم به الآخرون، لا تشاركهم أحاديثهم اليومية العادية، لا تصغي لأي شيء سوى لصوت سكونها الداخلي.

تركز، تشحذ طاقتها من أجل العمل، تعمل ببطء، لكن دون أي خطأ، تعمل بوجه زاده الصمت هيبة والصدق نقاء. تعمل دون شكوى، دون تذمر. بالصدفة عرفت منها أنها لا تزال موظفة مياومة رغم اقترابها من سن التقاعد.

تعمل بنفس مطمئنة وتنجز أعمالها بعد الوقت المحدد بدقائق قليلة، لا تستعجل لكيلا تتعثر، فالمال ليس هدفها الأول، فهي تكتفي منه بما يضمن لها حياة كريمة.

عرفتها إنسانة غاية في النبل، اعتقد أن حياتها الماضية سارت في هذا الاتجاه أيضا. هي إنسانة صادقة. تسكن في مدينة معظم نسائها من جبس وطين، وجوه شكلتها أيدي ومقصات الفنانين، شفاه مغلوظة وأسنان أكثر لمعانا من سيف عنترة وخدود منفوخة ورموش ملصوقة وحواجب مرسومة، ورغم ذلك لم تنزلق في متاهة التقنع وثبتت وحافظت على نقاء نفسها.

تعمل لتعيش بكرامة وحرية، هي إنسانة رائعة كوّنها الصدق، تعمل دون أن تنظر للساعة، دون أن تأخذ راحة طويلة في وقت الراحة حتى كوب الشاي الأخضر تشربه وهي تعمل. عند الساعة الرابعة تنهض بقامة ممشوقة، تحمل أغراضها بكل هدوء، وتمضي بعينين صامتتين ووجه لم يزده الصمت إلا وقارا.

D 27 آب (أغسطس) 2019     A فنار عبد الغني     C 6 تعليقات

6 مشاركة منتدى

كتابة تعليق عام

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 14: حتى لا تتكرر خيبة الأمل

لم يعد ثـمّة عطر إلا في القوارير

غياب

الكأس السابعة

الــغائــب