أنت في : الغلاف » الأعداد الفصلية » العدد الفصلي 20: ربيع 2021 » أبو العبّاس المبرّد وكتابه "الكامل في اللغة والأدب"

فراس حج محمد - فلسطين

أبو العبّاس المبرّد وكتابه "الكامل في اللغة والأدب"

نظرة في المنهج التأليفيّ والفكر النحويّ


فراس حج محمدالمقدّمة

تعود علاقتي بكتاب "الكامل في اللغة والأدب" عندما وقعت عيناي عليه صدفة أيّام الدراسة الجامعيّة الأولى أوائل التسعينيّات من القرن المنصرم، فأخذت أقلّب صفحاته فلاحظت كلمات ابن خلدون عن الكتاب حيث يعدّه أحد أركان الأدب، فاقتنيت الكتاب، وبدأت أقرأ فيه فاستهواني لمادّته الطريفة، فكان صديقاً لي وما زال، وكان الكتاب سبباً قويّاً ودافعاً لأقرأ الكتب الثلاثة الأخرى التي أشار إليها ابن خلدون معه، فكأنّ المبرّد صار أستاذاً لي ومعلّماً، يعلّمني النحو والشعر وبفضل كتابه تخلّقت لديّ ملكة النقد، إذ إنّ الكتاب يربّي الذوق الأدبيّ السليم، ويمدّ الدارس بمقطوعات أدبيّة وشعريّة، تحاور القلب والعقل والشعور، وتحفّزه على مساءلة اللغة وأهمّيّتها من ناحية لفظيّة ومعنويّة وتركيبيّة في المقطوعة الأدبيّة، ومن جهة أخرى يقدّم الكتاب كلّ فنون الثقافة العربيّة التراثيّة في جوانبها السياسيّة والاجتماعيّة والأدبيّة واللغويّة في قالب تأليفيّ ممتع.

لعلّ أهمّ ما يثيره الكتاب هو منهجه الجامع بين الأدب واللغة، ومناقشة قضايا اللغة من خلال الأدب، فعقدتُ العزم على بحث الفكر النحويّ للمبرّد من خلال ما ناقشه من قضايا نحويّة، وقد قسّمت البحث ثلاثة فصول، تحدّثت في الأوّل عن المؤلّف وآثاره العلميّة والأدبيّة. وتحدّثت في الفصل الثاني عن مكانة المبرّد النحويّة، وأشهر ما قيل فيه من آراء من رجالات عصره والمترجمين بعده، بالإضافة إلى إطلالة على مذهبه النحويّ والخصومة التي قامت بينه وبين أبي العبّاس ثعلب. وأمّا الفصل الأخير فقد خصّصته لعرض كتاب "الكامل في اللغة والأدب" وبيان منهج المؤلّف فيه، ومن ثَمّ تعرّضت إلى أهمّ جوانب الفكر النحويّ للمبرد كالمصطلح والمنطقيّة والقياس، والاستقلال في الرأي. وختمت البحث بخاتمة أجملتُ فيها الموضوع مبيّناً بعض الملحوظات المتعلّقة بالكتاب ومنهجيّة التأليف المتّبعة.

الفصل الأول: أبو العبّاس المبرّد

اسمه ولقبه

تذكر كتب التراجم سلسلة طويلة لنسب محمّد بن يزيد، وينتهي هذا النسب إلى قبيلة الأزد من ثمالة، وهو نحويّ بصريّ، كنيته أبو العبّاس ولقبه المبرّد[1]. أمّا سبب إطلاق هذا اللقب على أبي العبّاس، فتذكر كتب الأخبار والتراجم روايات ثلاثاً؛ تقول الأولى إنّه عندما انتهى المازنيُّ من تأليف كتاب "الألف واللام"، سأل أبا العبّاس عن دقيقه وعويصة، فأجابه بأحسن جواب فقال له (المازنيّ): قم فأنت المبرّد، أيْ المثبّت للحقّ[2].

ويذكر ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد" أنّ المبرّد لقّب بهذا اللقب؛ لأنّ المبرّد قد عمد إلى الأشعار الباردة (من حيث العاطفة) من أشعار الشعراء وضمّنها كتابه الموسوم بالروضة[3]. وأمّا الرواية الثالثة فيذكرها المبرّد نفسُه، وتتلخص في أنّ المبرّد قد اختبأ من صاحب الشرطة الذي جاء يطلبه عند أبي حاتم السجستاني، وبعد أن بحث رسول صاحب الشرطة عنه في دار السجستاني ولم يعثر عليه، وكان مختبئاً في مُزَمّلَة، فأخذ ينادي عليه يا مبرّد يا مبرّد فسمع الناس بهذا اللقب فلهجوا به[4].

أمّا موقف أبي العبّاس من هذا اللقب فظاهر بيّن، فقد استحسنه، بل قال فيه شعرا[5]:

لا تكرهنّ لقباً شُهرت به = = فلربّ محظوظ من اللقبِ

قد كان لُقّب مرّة رجلاً = = بالوائليِّ فعدّ في العرب

أمّا الروايات التي تنبئ عن أنّه تضايق من اللقب، فيعود الأمر في ذلك إلى أنّ الكوفيّين حرّفوا اللقب من المبرِّد بكسر الراء إلى المبرَّد بفتحها؛ عنتاً منهم وسوء قصد للنيل من الرجل، والتندُّر به. ومن ذلك هذا الخبر الذي يَعْدِل باللقب عن معناه الإيجابيّ إلى المعنى السلبيّ: "لقي برد الخيار الكاتب أبا العبّاس المبرّد على الجسر في يوم بارد، فقال أنت المبرّد، وأنا برد الخيار واليوم بارد. أعبر بنا لئلّا يصيب الناسَ الفالج"[6].

حياته [7]

ولد محمّد بن يزيد المبرّد سنة (210) هـ، وقيل (207) في البصرة، وبقي فيها حتّى حوالي سنة (246)هـ، حيث طلبه المتوكّل ووزيره الفتح بن خاقان فحُمِل إلى (سُرّ من رأى)، وبعد مقتلهما في سنة 247هـ رحل المبرّد إلى بغداد، وهناك عاش الرجل حياة حافلة بالنشاط الفكريّ والنحويّ، وبقي فيها حتّى 285هـ حيث كانت وفاته.

شيوخه

شغف محمّد بن يزيد بالنحو والصرف فلزم الجرمي يقرأ عليه كتاب سيبوبه، وبعد وفاة الجرمي يكمل قراءة "الكتاب" على المازني، وكان من أساتذته أيضا أبو حاتم السجستاني والرياشي، وأبو محلم الشيباني، فقد أخذ عنهم جميعاً وردّد أسماءهم في كتبه لاسيّما في "الكامل" و"المقتضب"[8].

تلاميذه

لقد تحلّق حول المبرّد مريدون كثيرون أعجبوا به وبعلمه، وقد اشتهر العديد من طلبته في شتّى العلوم العربيّة، ومن أسهر تلاميذه، ابن دريد، ودرستويه، والأخفش الصغير (عليّ بن سليمان)، وأبو بكر الصولي[9].

ومن طلبته من قد تحول إلى مجلسه تاركاً مجلس أبي العبّاس ثعلب، ومن هؤلاء الزجّاح، وأبو عبد الله أحمد بن جعفر الدينوري. وقد أثّر المبرّد كثيراً في طلبته، فأخذوا عنه في كتبهم، وأشادوا بعلمه ومكانته المتميّزة بين رجالات عصره.

آثاره العلميّة والأدبيّة

لقد ساهم المبرّد بمؤلّفات كثيرة أثرت المكتبة العربيّة والفكر والدرس اللغويّين، وتشهد هذه المؤلّفات على سعة علمه، وتنوع ثقافته، ولو أمعن الدارس النظر في أسماء هذه المؤلّفات- كما تذكرها كتب التراجم، لأن أغلبها قد عدت عليه يد الزمن فطوته في طيّ التلاشي والضياع- سيجد أنّه لم يفت المبرّد فنّ من فنون العربيّة والدين إلّا وقد ألّف فيه، فله كتب في النحو والصرف، واللغة، والأدب، والشعر، والبلاغة، والعروض، ومعاني القرآن.

وقد اشتهر من بين مؤلّفات المبرّد كتابان، الأوّل "الكامل في اللغة والأدب" الذي يقف هذا البحث في فصله الأخير عند مادته النحويّة ومعالجتها، فهو أشبه بموسوعة أدبيّة لغويّة، لا غنى للعالِم والمتعلّم عن قراءته، فيجعله ابن خلدون أحد الكتب الأربعة التي يقوم عليها فنّ الأدب، إلى جانب كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة، وكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، وكتاب "النوادر" لأبي علي القالي[10]، فهذه الكتب تشكّل مجتمعة أسس الأدب الرفيع المنتظم في مقاييس بلاغيّة وعروضيّة وقواعدية، لا غنى عنها لدارس اللغة والأدب العربيّين، "إنّها مؤلّفات أساسيّة، ولا يجوز للأديب المبتدئ أن يتجاهلها، إذ بالاطّلاع عليها يوطّد، بطبيعة الحال، معرفته باللغة العربيّة، بالأدب، بفنّ الكتابة، ويصبح، من حيث المبدأ، أديباً مكتملاً وقادراً على تأليف نصوص جيّدة أو لا بأس بها"[11].

أما كتابه الثاني فهو "المقتضب" الذي يقصره المبرّد على القضايا اللغويّة النحويّة والصرفيّة، فيعالجها خير علاج، مضمّناً إيّاه فكره النحويّ الذي غدا بمصطلحاته وآرائه صورة متطوّرة للنحو البصريّ بشكل عامّ. كما أنّ ابن النديم يذكر أربعين كتاباً منها: كتاب الروضة، والردّ على سيبوبه، وشرح شواهد الكتاب[12].

ولم يكن المبرّد نحويّاً وحسب، بل لقد كان شاعراً، ينظم القصيد، ويؤلّف محاسنه، ويترّنم بأوزانه، ويورد له المرزباني في كتابه "طبقات الشعراء" أشعاراً في هجاء أبي العبّاس ثعلب وفي مدح أحد الأمراء[13].

ومن أشعاره التي كان ينشدها في مجالس الأنس بعيداً عن المجالس العلميّة ما يورده الخطيب البغدادي في تاريخه، مقطوعة غزليّة يعلّق عليها أحد عقلاء المجانين في حوار دار بينه وبين المبرّد: يا سبحان الله، أيستحي أن ينشد مثل هذا حول الكعبة؟ أمّا المقطوعة فهي[14]:

حبّذا ماء العناقيـ = = ـد بريق الغانيات

بهما ينبت لحمي = = ودمي أيّ نبات

أيّها الطالب أشهى = = من لذيذ الشهوات

كُلْ بماء المزن تفا = = ح الخدود الناعمات

الفصل الثاني: مكانة المبرّد النحويّة

آراء حول المبرّد

لقد حظي المبرّد بإعجاب الكثيرين؛ فقد كان رجلاً عالماً ثقة، وفير الإنتاج، متعدّد الثقافة، ولم يستطع حاسدوه إلّا أن يمدحوه ويثنوا عليه، فالعلماء يقدّر بعضهم بعضاً، ويعرف كلّ واحد منهم فضل الآخر وإن اختلفوا في مسائل العلم. ويجدر هنا أن أذكر طائفة من أقوال العلماء حول هذا الرجل الذي تبوّأ مكانة رفيعة في وقته، وما زالت آراؤه النحويّة واللغويّة تحتلّ المكانة الأسمى في فكر النحاة، قديماً وحديثاً.

الأزهري

يقول مؤلّف كتاب "تهذيب اللغة" في مقدّمته أنّ المبرّد "كان أعلم الناس بمذاهب البصريّين في النحو ومقاييسه"، وقد كان الأزهري يفضّله على ثعلب لمقدرة بيانه، وحفظه للشعر المحدث، والطرفة والنادرة"[15].

ابن الانباري وابن خلكان

يؤكّد هذان العالمان أنّ محمّد بن يزيد كان شيخاً وإماماً للعربيّة وأهلها[16].

الخطيب البغدادي

يقف الخطيب البغدادي في ترجمته لحياة أبي العبّاس المبرّد عنده وقفة طويلة، فينعته بالعالم الفاضل، الثقة المأخوذ بروايته، وهو حسن المحاضرة مليح الأخبار كثير النوادر[17].

أبو العبّاس ثعلب

ولعل ثعلباً أبا العبّاس قد أدرك، بعد طول معاينه، حقيقة علم الرجل وحسن منطقه، وقوّة بيانه، فقد حرص منذ البداية أن يفضّ مجلسه، وكان يتجنّب الاجتماع به[18]، بل إنّ بعض كتب التراجم تذهب إلى أنّ أبا العبّاس أراد أن يقرأ على المازني شيخ المبرّد، فأنكر عليه أصحابه من الكوفيّين، وقالوا له: لا يصلح أن تذهب إلى بصريٍّ فيقال غداً: إنّه تلميذه[19].

أبو عبد الله بن جعفر الدينوري

وهذا الرجل ختن ثعلب (زوج ابنته)، وأحد تلاميذه، إلّا أنّه قد تحوّل إلى مجلس المبرّد. فيصفه بأحسن وصف وأعذبه حيث يقول: "إنّ المبرّد حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان"[20].

أبو بكر بن مجاهد

وهذا أيضاً تلميذ من تلاميذ ثعلب، إلّا أنّه بقي ملتزماً بذمام ثعلب، فيعترف بأنّه قد فاته علم كثير، لكنّ هذا لم يمنعه من أن يقول في المبرّد: "ما رأيت أحسن من المبرّد في معاني القرآن، فيما ليس فيه قول لمتقدّم"[21].

الخصومة بين المبرّد وثعلب [22]

لم تتعد الخصومة بين المبرّد وثعلب من أن تكون خصومة علمية، وافتراق في الرأي واختلاف فيه، وهي ناشئة عن اختلاف في المذهب النحويّ الذي يتزعّمه كلا الرجلين فثعلب كوفيّ، والمبرّد بصريّ، ولكن هذا الأخير لا يعتقد المذهب تلقيناً، بل يأخذ بالرأي الذي يظهر صوابه حسب وجهة نظره، فكان ذا شخصيّة مستقلّة في آرائه النحويّة؛ ما دفع كثير من العلماء إلى تقديره وإجلاله.

وهذه الميّزة المحمْدة في فكر المبرّد النحويّ قد قادته إلى مناظرات مع أصحاب المذاهب النحويّة، وكان من أشهرهم ثعلب، وتعود جذور الخصومة بين الرجلين عندما قدم المبرّد إلى بغداد فزاحم الرجل موقعه ومكانته، وحاول ثعلب أن يفضّ حلقة المبرّد فبعث له برجلين هما: الزجّاح وابن الخياط، فيتصدى له الأول، ويعرض عليه أربع عشرة مسألة، فيجيب عنها المبرّد بأحسن جواب، وأبدع منطق، فبهت الرجل ولم يحر جواباً، فوجد عند المبرّد ما لم يجده عند ثعلب، فتحوّل إلى مجلسه ولازمه يأخذ العلم عنه[23]، وبعد أن توطّدت أقدام المبرّد في بغداد وانتشار علمه، وذيوع صيته يلحق به العديد من تلاميذ ثعلب، مما أثار ثعلباً، فأخذ يدافع عن مكانته ليحفظ ماء وجهه أمام من بقي من تلاميذه، فأخذ يناظر المبرّد متى اجتمعا، فكانت بينهما سجالات كثيرة.

وربما وصلت الأمور بينهما إلى نوع من البغضاء والشحناء، فضرب بهما المثل في ذلك، يقول أحد الشعراء[24]:

فأبداننا في بلدة والتقاؤنا = = عسير كلقيا ثعلب والمبرّد

وقد خلقت الخصومة بينهما أشعاراً بعضها صحيح، وبعضها مشكوك في نسبتها، ومن هذا الشعر ما ورد في كتاب "معجم البلدان" أنّ المبرّد قال في ثعلب يهجوه:

أقسم بالمتبسم العذب = = ومشتكي الصبّ إلى الصبِّ

لو أخذ النحو عن الربِّ = = ما زاده إلّا عمى القلب

فردّ عليه ثعلب متمثّلاً بهذه الأبيات[25]:

يشتمني عبد بني مسمع = = فصنت النفس عنه والعرضا

ولم أجبه لاحتقاري له = = من ذا يعضُّ الكلب إن عضّا

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ المبرّد في بعض أقواله كان يثني على أبي العبّاس ثعلب، ويصفه بأنّه أعلم الكوفيين، ويعترف ثعلب بمكانة المبرّد، فكانا إذا تلاقيا في الطريق تواقفا وتساءلا[26].

وعندما تدرك المنية المبرّد في عام 285 هجري يرثيه ثعلب بهذه الأبيات[27]:

ذهب المبرّد وانقضت أيامه = = وليذهبنْ إثر ذلك ثعلبُ

بيت من الآدب أضحى نصفه = = خرباً وباقي النصف منه سيخربُ

فتزوّدوا من ثعلبٍ فبكأس ما = = شرب المبرّد عن قريب يشربُ

أوصيكمُ أن تكتبوا أنفاسه = = إن كانت الأنفاس ممّا يكتبُ

وفي حقيقة الأمر، لم تخل خصومة ثعلب والمبرّد من الفائدة، فقد أَثْرَتْ مناظراتهما البحث والدرس اللغويّين، وأعلت من شأن التعليل المنطقي، وقد أفاد علماء اللغة في بغداد من هذا الجو العام؛ فنشأت مدرسة جديدة تأخذ من كلا المدرستين مع تبنيها لآراء أخرى تعتقدها أكثر منطقيّة، مؤسّسين بذلك مدرسة نحويّة وسطيّة، أطلق عليها المدرسة البغداديّة التي تزعّمها ابن كيسان[28]، فقد "أخذ عن المبرّد وتعلب وأتقن مذهبي البصريّين والكوفيّين في النحو"[29].

مذهب المبرّد النحويّ

لقد نهل المبرّد علوم اللغة العربيّة على أيدي شيوخ البصرة. فينبغ التلميذ ويتبؤ مكانة مرموقة في حلقات العلم والدرس، وقد تنبّه شيوخه إلى علمه وصحة رأيه فكانوا يطمئنون إلى تعليلاته. وقد آلت زعامة المدرسة البصريّة إليه بعد وفاة المازني، ولكنّه لم يتقيّد برأي فيدافع عنه دون اقتناع أو تعليل صحيح، وقد خالف جماعته في مسائل كثيرة مبثوثة في كتبه لاسيّما "المقتضب" و"الكامل"، ويعرض لهذه المسائل ابن الأنباري في كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف".

ومن ذلك ما يتعلّق بإعراب المثنّى والجمع، فالبصريّون يقولون إنّ الألف والواو والياء هي حروف إعراب، أمّا الكوفيّون فيعتبرونها إعراباً بمثابة الفتحة والكسرة والضمّة في الاسم المفرد، لكنّ المبرّد لا يقتنع بأحد الرأيين فيتبنّى رأياً آخر، معلّلاً المسألة تعليلاً منطقيّاً فيقول: إنّ الألف والواو والياء تدلّ على الإعراب، فليست بإعراب، ولا حروف إعراب، وعلّة ذلك أنّه لا يجوز حذفها، فإنْ حذفت لم تدلّ على الجمع أو المثنّى كما يصحّ حذف الحركات من آخر المفرد، فتقول: "قائم زيد"، ولم يختلَّ المعنى[30]. وفي كتاب "الكامل في اللغة والأدب" الذي يتعرّض له هذا البحث الكثير من هذا الباب أبيّن بعضه في موضعه إن شاء الله تعالى.

الفصل الثالث: كتاب "الكامل في اللغة والأدب"

"الكامل" وجهة نظر عامّة

لا بدّ للمؤلّف من أن يتبّع منهجاً محدّداً في بناء كتابه، وقد وضّح المبرّد منهجه في كتاب "الكامل" في المقدّمة القصيرة التي تصدّرها كتابه حيث يقول[31]: "هذا الكتاب ألّفناه يجمع ضروباً من الأدب ما بين كلام منثور، وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة، ورسالة بليغة، والنيّة أن نفسّر كلّ ما وقع فيه من الإعراب شرحاً شافياً حتّى يكون هذا الكتاب بنفسه مكتفياً وعن أنْ يرجع إلى أحد في تفسيره". فهل تمّ الالتزام بهذه المنهجيّة المصرّح بها، وهو يناقش كلّ ما أورده في كتابه من مادّة؟

وللإجابة عن السؤال لا بدّ من العودة مرّه أخرى إلى المقدّمة في قوله إنّه سيفسر كلّ ما وقع في نصوصه المختارة من الإعراب شرحاً شافياً حتّى يكون هذا الكتاب بنفسه مكتفياً وعن أن يرجع إلى أحد في تفسيره، ولا شكّ في أنّ القارئ لهذا الكلام سيأخذ بحسبانه أنّ الكتاب فقط يهدف إلى المسائل النحويّة الإعرابيّة، لكنّ واقع الكتاب قد تجاوز القضايا النحويّة إلى قضايا أخرى لغويّة وصرفيّة وبلاغيّة وعروضيّة، وكان كثيراً ما يستطرد في الشرح والتفسير للمعاني، ما أخرج الكتاب عن خط سيره ومنهجه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنّ المبرّد عندما يعرض أشعاراً ونصوصاً من أدب المحدثين فإنّ التعليل النحويّ والتحليل اللغويّ ينعدم أو يقلّ، وباعتقادي أنّ ذلك راجع إلى أنّ هذه النصوص واضحة المعاني، سهلة التراكيب، بيّنة القصد، فهي لا تحتاج إلى التفسير أو لأنّ هذه النصوص لا يُحتجّ بها لغويّاً ونحويّاً، فهي أشعار لإسماعيل بن القاسم (أبي العتاهية)، وأشعار وخطب لزعماء الخوارج، أو ليزيد بن المهلبي، وغيرهم.

والحقيقة الأخرى المتعلّقة بالمنهجيّة في "الكامل" أنّه غير مكتفٍ بنفسه كما أشار المؤلّف في المقدّمة، فالمبرّد كثيراً ما يحيل القارئ على كتاب "المقتضب"، وهو يعالج المادّة اللغويّة والنحويّة على اعتبار أنّه كتاب أسبق في التأليف من كتاب "الكامل"، ومتخصّص في اللغة؛ نحوها وصرفها، ولذا فقد غلب على الكتاب صفة "الكتاب التطبيقيّ" لما نظّر له المؤلّف سابقاً، ومن هنا- ربّما- جاء الإحساس الذاتي عند المؤلّف بالكمال، فسمّاه الكامل، لأنّه جامع لفكره وأسلوبه، وليس لأنّه مكتفٍ بذاته.

إنّ هذا التوصيف لمنهجيّة الكاتب وعلاقة مقدّمته بالمادّة الموجودة فيه لا ينفي أن تكون هذه المقدّمة قد كتبت عند الشروع في تأليف "الكامل"، وليس بعد الانتهاء منه. وعلى أيّ حال فإنّ "الكامل" يجمع من كلّ فنّ بطرف، ويقصد بذلك إلى أن يعلّم القارئ ويوجّهه إلى ما يعتقد صوابه فاتّخذ الكتاب صفة تعليميّة، وهذا واضح في أكثر من أمر، منها:

1. كثرت عنده تعابير "يا هذا " و" يا فتى " و"وعلى هذا فقس "[32].

2. طرح الأسئلة والإجابة عليها[33].

3. يشهد واقع الكتاب أنّه يهدف إلى التعليم، فيستخدم المبرّد ضمير المخاطب، فهو أشبه بمحاضرات ألقيت على تلاميذه ومريديه من أجل التبصّر والعلم.

والملاحظة الأخيرة على المنهجيّة عند المبرّد أنّ كتابه قد حوى العديد من القضايا النحويّة والصرفيّة المكرّرة[34].

المعالجة النحويّة في الكتاب

إنّ المادّة الأدبيّة هي الأصل في كتاب "الكامل"، حيث كانت المعالجة النحويّة في حدود ما تقرّره هذه المادّة، ولم يفرد المبرّد للقضايا النحويّة أبواباً خاصّة إلّا في الأبواب: الحادي والأربعين، والحادي والخمسين، وجزء يسير من الباب الثاني والخمسين. ولم تشكّل هذه الأبواب مجتمعة إلّا مساحة ضئيلة من حجم كتاب "الكامل" الذي تجاوز 800 صفحة[35]. ولم تخرج هذه الأبواب الكتاب عن منهجيّته التي فصّلتُ فيها القول آنفاً، ولم تفقده صفته الأساسيّة كونه كتاباً تطبيقيّاً.

أمّا منهج المبرّد في معالجته للقضايا اللغويّة عامّة والنحويّة خاصّة، فإنّه كان يناقش المسألة عارضاً آراء العلماء فيها، فكان إمّا أن يؤكّد رأياً من تلك الآراء، أو يجيزها جميعا، أو يتبنّى رأياً خاصّاً معتمداً على شواهد لغويّة سماعيّة أو أدلّةٍ قياسيّة.

ومن خلال ما هو مثبت بين صفحات الكتاب من قضايا نحويّة يستطيع الدارس أن يبرّر أهمّ جوانب الفكر النحويّ لدى المبرّد وهي:

المصطلح النحويّ

لا بدّ للنحويّ من أن يستخدم مصطلحات للتعبير عن كنه مادّته، وهذه المصطلحات نابعة من تصوّر فكريٍّ معيّن وتابعة لمدرسة محدّدة المعالم قائمة بذاتها، فهل كان المصطلح النحويّ عند المبرّد عاكساً لفكر مدرسة بعينها؟

لعلّ الإجابة على السؤال لا تبدو هيّنة بسيطة، فالإجابة العلميّة والموضوعيّة تتطلّب دراسة شاملة لتطوّر المصطلح النحويّ منذ ولادته حتّى استوائه على سوقه[36]، ولن أستطيع من خلال دراسة الفكر النحويّ في كتاب الكامل وحده من الحكم على المصطلح النحويّ عند المبرّد، إذ إنّ "الكامل" هو كتاب أدب في الدرجة الأولى، ومن ناحية أخرى، فإنّ الفترة التي عاشها المبرّد كانت فترة تأصيل النحو، وتقعيد الأسس النظرية للمدارس النحويّة، وكثيراً ما اختلطت لذلك المصطلحات النحويّة بين أتباع الكوفة وأتباع البصرة، بل وقد اضطرب استعمال تلك المصطلحات عند المؤلّف نفسه، كما هو عند المبرّد أحياناً، فبعد أن تتبّعت بعض المصطلحات عند المبرّد في "الكامل" وجدت اضطراباً في استخدام المصطلح البصريّ والكوفيّ، واختلاطه بالمصطلح الصرفيّ والمعنى اللغويّ. وفيما يأتي أقف عند طائفة من المصطلحات التي استعملها المبرّد في كتاب "الكامل":

الخفض

وهو اصطلاح يستخدمه المبرّد للدلالة على الجرّ، مع أنّه قد استخدم "الجرّ" كذلك، إلّا أنّ مصطلح الخفض هو الأغلب في استعمالاته النحويّة، يقول المبرّد في إعراب "حين" في الشاهد النحويّ:

على حين ألهى الناس جلّ أمورهم = = فندلاً زريق المال ندل الثعالبِ

"إن شئت خفضت (حين) وإن شئت نصبته؛ أمّا الخفض فلأنّه مخفوض، وهو اسم منصرف"[37]، أمّا الجر فيستخدمه مع الحروف التي تجلب هذا الأثر على المفردات بعدها، يقول في إعراب "الديار" في قول الشاعر:

تمرّون الديار ولم تعجوا = = كلامكم عليّ إذاً حرامُ

"إنّ حرف الجرّ محذوف"[38].

لكنه سرعان ما يعود إلى إطلاق مصطلح "الخفض" على هذه الحروف، يقول في ذلك: "وحروف الخفض يبدل بعدها من بعض"[39].

المصدر

وهذا المصطلح في فكر المبرّد النحويّ يماثل مصطلح المفعول المطلق عند النحاة المتأخّرين، ويعود ذلك إلى أنّ المفعول المطلق لم يأت إلّا مصدراً فأطلق عليه هذه التسمية. "وهيبةً" في البيت الشعري التالي منصوبة إذا أردت المصدر[40]:

وما الخرق منه يرهبون = = عليهمُ ولكن هيبةً هي ما هيا

وفي هذه التسمية تداخل للمصطلحين النحويّ والصرفيّ، فالمصدر مصطلح صرفيّ أدخل منه في المصطلح النحويّ، وقد استقرّ في الكتب المتأخّرة على أنّه مصطلح صرفيّ، وليستقلّ مصطلح "المفعول المطلق" في الدلالة على ما نصب على أنّه مصدر من فعل مذكور أو مقدّر معنىً أو لفظاَ.

التوكيد

وهنا نجد أنّ المبرّد يستخدم ثلاثة مصطلحات نحويّة وهي: التوكيد والتأكيد والتكرير، أمّا المصطلح الأخير فإنّه يستخدم للدلالة على التوكيد اللفظي، لكنّه يجعله موازياً تماماً لمصطلح التوكيد، يقول في إعراب "قرط" في:

يا قرط، قرط حبيبي لا أبا لكمُ = = يا قرط إنّي عليكم خائفٌ حذر

"قوله: يا قرط قرط حبيبي نصبها معاً... وتأويلها أرادوا يا قرط حبيبي فأقحموا قرط الثاني توكيدا"، ثمّ في بيت آخر مشابه يقول: "فإنْ لم ترد التوكيد والتكرار[41]، والتوكيد عند المبرّد بوصفه مصطلحاً نحويّاً هو نفسه الإتباع[42]، وذلك من مثل قوله: "عفريّة نفريّة على التوكيد"[43].

أفعال المقاربة

وهي الأفعال العاملة عمل كان وأخواتها، ومع أنّها كذلك إلّا أنّ المؤلّف يطلق عليها لفظ "الحروف"[44]، ويعود ذلك: إمّا لتؤثّره بكتاب "الكتاب" لسيبويه، حيث يعتبر أنّ الكلام كلّه حروف من أسماء وأفعال بالإضافة إلى الحروف التي لا تعطي معنى في ذاتها، وإمّا أنّ هذه الأفعال هي ناقصة لا تأخذ فاعلاً فأدخلها في باب الحروف.

تعدّد الوجوه الإعرابيّة

لا يفرض المبرّد وجهاً واحداً للإعراب، بل يعرض أكثر من وجه في المسألة الواحدة منها ما هو جائز ومنها ما هو جيّد، ومنها ما يعدّه رديئاً. والتعدّد في الوجوه الإعرابيّة، إمّا أن يقع في الدائرة الواحدة كدائرة المنصوبات[45]، وإمّا أن يقع في الدوائر الإعرابيّة الثلاث: الرفع والنصب والجرّ، فمثلاً عندما يعرض للشاهد الآتي:

ويوماً توافينا بوجه مقسّم = = كأنْ ظبية تعطو إلى وارف السلم

يقول: وسمعت العرب تنشد هذا البيت فتنصب الظبية، وترفعها وتخفضها. أمّا رفعها فعلى الضمير كأنّها ظبية، ومن نصب فعلى غير ضمير وعملها مخفّفة كعملها مثقّلة، لأنّها تعمل تشبيها بالفعل ومن قال: كأنْ ظبيةٍ جعل أنْ زائدة وأعمل الكاف أراد كظبيةٍ[46].

المنطقيّة والقياس

يأخذ المبرّد بالسماع عن العرب إذا كان هذا السماع مطّرداً، إمّا إذا لم يكن كذلك فيعلّق قائلا: "والسماع الصحيح والقياس المطّرد لا تعترض عليه الرواية الشاذّة"[47]، والظاهر من العبارة السابقة أنّ القياس معتمد على السماع الصحيح، وعلى ذلك تبقى الرواية الشاذّة لا يقاس عليها.

وتظهر المنطقية والقياس في فكر المبرّد النحويّ في أكثر من موضع في كتابه، وأكتفى بذكر نموذج واحد وهو ترتيبه للمعرب والمبني والممنوع من الصرف، حيث يجعل المعرب أوّلاً، ثمّ يليه الممنوع من الصرف فالمبني[48]، وذلك لأنّ الممنوع من الصرف يأخذ من المبني في حالة جرّه فيلتزم الفتحة، ومن المعرب في حالتي النصب والرفع، فهو في مرتبة وسطى بين الحالتين الإعرابيتين، ولذلك فالمعرب اسم "متمكّن"، وهو نوعان: المصروف ويطلق عليه النحاة مصطلح "متمكّن أمكن"، والممنوع من الصرف "متمكّن غير أمكن"، أما المبني فهو اسم "غير متمكّن"[49].

الاستقلال في الرأي

وأختم هذا الفصل بالوقوف عند رأي المبرّد الخاصّ النابع من تصوره المعتمد فيه على الشواهد اللغويّة التي يراها أرجح من غيرها، ولا يعني الاستقلال في الرأي أنّه لم يأخذ بآراء سيبويه وأصحابه أو آراء الكوفيّين، بل إنّه أحياناً لا يتبنّى بعض آراء الكوفيّين إلّا بعد أن يعرض المسألة من جوانبها كافّة. وأقف عند قضيّتين الأولى يتبنّى فيها رأياً خاصّاً مخطِّئاً بقيّة الآراء، والثانية يرجّح فيها قول الكسائيِّ الكوفيّ.

أمّا القضيّة الأولى فهي "إعراب الضمير بعد لولا، يقول المبرّد: إنّ سيبويه يزعم أنّ لولا تخفض الضمير، ويرتفع بعدها الظاهر بالابتداء ويسوق على ذلك الشاهد التالي:

وكم من موطن لولاي طحت كما هوى = = بأجرامه من قلّة النيق منهوي

أمّا الأخفش فيزعم أنّ الضمير مرفوع، لكنّه وافق ضمير الخفض كما يستوي النصب والخفض. والذي أقوله (القول للمبرد): إنّ هذا خطأ لا يصلح إلّا أن تقول لولا أنت كما قال الله تعالى: "لولا أنتم لكنّا مؤمنين"، ومن خالفنا يزعم أنّ الذي قلناه أجود، ويدّعى الوجه الآخر فيجيزه[50].

وأمّا القضيّة الثانية التي يرجّح فيها رأي الكسائي فقد كان بيت الفرزدق موضعها وهو:

غداة أحلّت لابن أصرم طعنة = = حصين عبيطات السدائف والخمر

فقال الكسائي: لما قال غداة أحلّت لابن أصرم طعنة تمّ الكلام فحمل الخمر على المعنى. أراد: وحلّت له الخمر، فقال له (يونس): ما أحسن ما قلت، ولكن الفرزدق أنشدنيه على القلب فنصب الطعنة ورفع العبيطات والخمر على ما وصفنا من القلب. ويعلّق المبرّد قائلاً: "والذي ذهب إليه الكسائي أحسن في محض العربيّة وإن كان إنشاد الفرزدق جيّداً"[51].

الخاتمة

وبعد، فإنّ المبرّد شخصيّة نحويّة حازت على إعجاب الكثيرين من العلماء والأدباء، فكانت له منزلته المتميّزة بين النحاة واللغويّين، وكان ذا حسّ مرهف، وعلم دقيق بالمسائل اللغويّة التي ناقشها في كتبه، وكانت له ملامحه العلميّة الفريدة، فقد دعّم هذا الكتاب الفكر التأليفي العلمي الذي تسير عليه كثير من المصنفات العربيّة الجامعة بين الناحيتين العلمية والمتعة، ما يؤهّله ليكون كتاباً شائقاً ومفيداً في الوقت ذاته، لا يملّ القارئ من مطالعته والاستفادة منه.

ومن خلال ما قدمته في هذا البحث يظهر أنّ حياة العلماء، والمبرّد واحد من أجلّهم قدراً، لا تثير، على الأغلب، إشكاليّة ما كتلك التي تثار حول المبدعين من الشعراء، ويبدو من ذلك أنّهم، أي العلماء، أهدأ نفساً وأوسع صدراً، فلو تتبّع دارس آخر خصومات الشعراء معاً لرأى ما هو فظيع، ويدعو إلى الدهشة والنكران أحياناً، في حين لم تخرج خصومة المبرّد وثعلب عن الحدّ اللائق والمقبول، وإن تلاسنا ببعض الشعر.

وأمّا ما ثار حول لقب المبرّد من آراء وتحليلات مشفوعة بالروايات المتعدّدة لم تعد سوى نوع من الترف العلمي يتلهّى به بعض الدارسين، فسواء أقيل المبرّد بالفتح أم بالكسر لراء اللقب فإن مكانته لن تتضعضع، وإن ضاق ذرعاً بهذا اللقب أحياناً.

وأمّا كتابه "الكامل في اللغة والأدب" فهو بحق ركن أساسيّ من كتب الأدب واللغة؛ لما تميّز به من أسلوب جامع بين الطرفين، العلميّة والإمتاع، مدللاً بذلك على عمق ثقافته بالعلوم القرآنيّة والعربيّة. وقد اتّبع المبرّد منهجيّة خاصّة لإيصال ما اعتمل في صدره من علم، وجد متنفّساً له في بيئة تعجّ بالعلماء والمتعلّمين. وحاولت في هذا البحث إبراز أهمّ القضايا التي تشكل جانباً أصيلاً من جوانب شخصيّة المبرّد المتعدّدة، ألا وهو الجانب النحويّ في هذا الكتاب، ومن خلال ما قدّمت أستطيع أن أؤكّد بعض النتائج، أجملها فيما يأتي:

أوّلاً: يحوي الكتاب جوانب كثيرة من علوم العربيّة، كالنحو والصرف والبلاغة والعروض، إلّا أنّ الصفة الأدبيّة هي الأبرز باعتبار أنّ المناقشات اللغويّة جميعها جاءت ضمن النصوص المختارة. وقد جعل المادة الأدبيّة محلّ التطبيق ليكتسب الكتاب بعداً تطبيقيّاً جامعاً النصّ الأدبيّ والتطبيقات اللغويّة المصاحبة له بشتّى صنوفها: النحويّة والصرفيّة والبلاغيّة، لتكون شافعة لتفسير النصّ تفسيراً مقبولاً مستنداً إلى رأي له اعتباراته العلميّة.

ثانياً: لم تكن المنهجيّة التأليفية عند المبرّد واضحة تماماً، بل كثيراً ما شابها الاضطراب والابتعاد عن صلب الموضوع، وللكاتب عذره؛ فقد كان أسلوب الاستطراد هو المسيطر على فكر المؤلّفين في تلك الفترة، ناهيك عن أنّ الكتاب من أوائل الكتب المؤلّفة التي استقت منها الكتب اللاحقة مادّتها اللغويّة والأدبيّة.

ثالثاً: كان المبرّد يسعى إلى توطيد أركان مدرسة نحويّة يكون أساسها القياس اللغويّ والمنطقيّ المعتمد على شواهد لغويّة سماعيّة في الدرجة الأولى، فخالف نتيجة لذلك بعض البصريّين، ووافق بعض شيوخ الكوفة.

رابعاً: لاحظتُ من خلال ما عرضت من موادّ نحويّة أنّ الفكر النحويّ عند المبرّد ما زال مضطرباً، فالفترة التي ألّف فيها الكتاب كانت فترة تشكّل للمصطلح النحويّ خاصّة والفكر المدرسيّ النحويّ بشكل أعمّ، يستوي في ذلك نحاة البصرة والكوفة، ولذلك فقد لاحظت خلطاً للمصطلحات النحويّة الكوفيّة والبصريّة، وهذا القول لا يندرج تحت باب التقويم أو الحكم على عالم لغويّ ذي باع طويل، بل هو ملاحظة لبدايات التشكّل التاريخيّ للفكر النحويّ، وتطوّر المصطلح، فالكتاب علامة على هذا المخاض العلميّ الذي سيستوي لاحقاً علماً جامعاً مانعاً، وله مدارسة ومصطلحاته الخاصّة بكلّ مدرسة.

= = =

الهوامش

[1] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلكان، تح: محمّد محيي الدين عبد الحميد، ج3، مكتبة النهضة المصريّة، ط1، 1948، ص440.

[2] بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة، جلال الدين السيوطي، دار المعرفة، بيروت، ص116.

[3] العقد الفريد، ابن عبد ربّه الأندلسي، تح: محمّد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1953، ج7، ص72.

[4] وفيات الأعيان، مصدر سابق، ص445.

[5] المقتضب، أبو العباس المبرّد، تح: محمّد عبد الخالق عظيمة، ج1، ط1،1963، ص12.

[6] السابق، ص12.

[7] ينظر في حياته: بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة، مصدر سابق، (116-118). تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، المجلد 3، (280-287). طبقات النحويّين واللغويّين، أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي، تح: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، 1973، (101-110). الفهرست، ابن النديم، مطبعة الاستقامة، القاهرة، (93-95). معجم الأدباء، ياقوت الحموي، تح: أحمد فريد الرفاعي، دار المأمون، الطبعة الأخيرة، (111-123). المقتضب، مصدر سابق، المقدّمة (9-14). نزهة الألباء في طبقات الأدباء، أبو البركات عبد الرحمن بن الانباري، تح: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار النهضة مصر، 1967، (217-227). وفيات الأعيان، مصدر سابق، (441-447).

[8] مقدّمة المقتضب، مصدر سابق، ص21.

[9] تاريخ بغداد، مصدر سابق، ص 280.

[10] يقول ابن خلدون: وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أنّ أصول هذا الفنّ وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكتّاب لابن قتيبة وكتاب الكامل للمبرّد وكتاب البيان والتّبيين للجاحظ، وكتاب النّوادر لأبي عليّ". ينظر المقدّمة، طبعة دار الفجر للتراث، القاهرة، ط1، 2004، ص709.

[11] عبد الفتَّاح كيليْطُو: لِهَذا نَقرَأ الأدبَ الكلاسيكيّ، أعدَّها: اسماعيل أزيات، صحيفة المتلمّس (صحيفة غير دوريّة)، للاطّلاع على المقال من خلال الرابط الآتي: https://cutt.us/tMAnM.

[12] الفهرست مصدر سابق، ص94.

[13] معجم الشعراء، المرزباني، تح: عبد الستار أحمد فرّاج، دار إحياء الكتب العربيّة، 1960، (405-406).

[14] تاريخ بغداد، مصدر سابق. ص384.

[15] تهذيب اللغة، أبو منصور الأزهري، تح: عبد السلام هارون، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1964، ج1، ص27.

[16] نزهة الالباء، مصدر سابق، ص218، و"وفيات الأعيان"، مصدر سابق، ص441.

[17] تاريخ بغداد، مصدر سابق، ص280.

[18] معجم الأدباء، مصدر سابق، ص119.

[19] معجم الأدباء، مصدر سابق، ج5، ص115.

[20] معجم الأدباء مصدر سابق، ص119.

[21] السابق، ص112، وتاريخ بغداد، مصدر سابق، ص381

[22] العلامة المحدث، إمام النحو، أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني، ولد سنة مائتين. ينظر كتاب: سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، رتّبه واعتنى به: حسّان عبد المنّان، بيت الأفكار الدوليّة، عمّان، ترجمة رقم (856)، ص1032.

[23] طبقات النحويين واللغويّين، مصدر سابق، ص110.

[24] المقتضب، مصدر سابق، المقدّمة، ص26.

[25] السابق، ص27.

[26] نزهة الألباء، مصدر سابق، ص293.

[27] وفيات الأعيان، مصدر سابق، ص444، ويذكر أن الأبيات لابن العلاف.

[28] أثر النحاة في البحث البلاغي، عبد القادر حسين، دار نهضه مصر، 1970، ص62.

[29] المدارس النحويّة، شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط7، د.ت، ص248.

[30] الإنصاف في مسائل الخلاف، كمال الدين أبو البركات، تح: محمّد محيي الدين عبد الحميد، 1982، ج1، المسألة الثانية (33 -39).

[31] الكامل في اللغة والأدب، أبو العباس المبرّد، مؤسّسة المعارف، بيروت، ج1، ص2.

[32] ينظر على سبيل المثال "الكامل"، ج1، ص14، وص79، وص88.

[33] ينظر: السابق، ج1، ص84.

[34] كما في ص334 عن تقدّم الصلة على الموصول وردت في ص23 من الجزء الأوّل.

[35] ينظر الكتاب، ج2: الباب (41)، ص365، والباب (51)، ص219، والباب (52)، ص220.

[36] يُنظر على سبيل المثال كتاب "تطوّر المصطلح النحويّ البصريّ من سيبويه حتى الزمخشري" لمؤلفه أ. د. يحيى عطيّة عبابنة. جدارا للكتاب العالمي وعالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2006.

[37] الكامل في اللغة والأدب، مصدر سابق، ج1، ص107-108.

[38] السابق، ج1، ص22.

[39] السابق، ج2، ص82.

[40] السابق، ج1، ص272.

[41] السابق، ج2، ص160.

[42] يٌنظر كتاب: الإتباع والمزاوجة، ابن فارس، تح: كمال مصطفى، مطبعة السعادة، مصر، 1947.

[43] الكامل في اللغة والأدب، مصدر سابق، ج2، ص88.

[44] السابق، ج1، ص114.

[45] كما جاء في "الكامل"، ج1، ص408.

[46] السابق، ج1، ص50.

[47] السابق، ج1، ص22.

[48] السابق، ج1، ص279.

[49] ينظر: شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك، تح: محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط16، د.ت، ص36.

[50] الكامل في اللغة والأدب، مصدر سابق، ج2، ص249-250.

[51] السابق، ج1، ص217.

= = =

المصادر والمراجع

الإتباع والمزاوجة، ابن فارس، تح: كمال مصطفى، مطبعة السعادة، مصر، 1947.

أثر النحاة في البحث اللغويّ، د. عبد القادر حسين، دار نهضة مصر، القاهرة، 1970.

الإنصاف في مسائل الخلاف، ابن الانباري، تح: محمّد محي الدين عبد الحميد، 1982.

بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة، جلال الدين السيوطي، دار المعرفة، بيروت. د.ت.

تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت. د.ت.

تهذيب اللغة، أبو منصور الأزهري، تح: عبد السلام هارون، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1964.

سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، رتبه واعتنى به: حسان عبد المنّان، بيت الأفكار الدولية، عمّان. د.ت.

شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك، تح: محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. ط16. د.ت.

طبقات النحويّين واللغويّين، أبو بكر محمّد بن حسين الزبيدي، تح: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، 1973.

عبد الفتَّاح كيليْطُو: لِهَذا نَقرَأ الأدبَ الكلاسيكيّ، إعداد: اسماعيل أزيات. صحيفة المتلمّس الإلكترونية، صحيفة غير دورية.

العقد الفريد، أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي، تحـ: محمّد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة، القاهرة، الطبعة الثانية،1953.

الفهرست، ابن النديم، مطبعة الاستقامة، القاهرة. د.ت.

الكامل في اللغة والأدب، أبو العبّاس محمّد بن يزيد، المبرّد، مؤسسة المعارف، بيروت. د.ت.

المدارس النحويّة، شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط7، د.ت.

معجم الأدباء، ياقوت الحموي، تحـ: أحمد فريد رفاعي سبك، دار المأمون، الطبعة الأخيرة. د.ت.

معجم الشعراء، المرزباني، تح: عبد الستار أحمد فرّاج، دار إحياء الكتاب العربيّة، 1960.

المقتضب، أبو العبّاس المبرّد تح: محمّد عبد الخالق عضية، ط1، 1963.

المقدمة، عبد الرحمن بن خلدون، دار الفجر للتراث، القاهرة، ط1، 2004.

نزهة الألباء في طبقات الأدباء، ابن الأنباري، تح: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر، 1967.

وفيات الأعيان وأبناء أبناء الزمان، ابن خلكان، تح: محمّد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصريّة، ط1، 1948.

D 27 شباط (فبراير) 2021     A فراس حج محمد     C 0 تعليقات