أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 03: 2006/08 » إلى روح الإعلامية السورية سلوى الأسطواني

أميمة أحمد - سورية

إلى روح الإعلامية السورية سلوى الأسطواني

وداعا سلوى أسطواني


سلوى أسطوانيكنت وسلوى الأسطواني زميلتين في إذاعة القسم العربي من هيئة الإذاعة البريطانية-بي بي سي- وفي موقع إسلام انلاين. لم ألتق سلوى وجها لوجه، ولكن نشأت بيننا صداقة عبر الإنترنت خلال السنوات الثلاث الماضية. كانت سلوى رقيقة المشاعر، لطيفة الحديث، مهذبة التعبير. وكانت سلوى محبة للحياة بشكل منقطع النظير.

تواعدنا في دردشاتنا الإلكترونية أن نلتقي في دمشق بعد عودتي من الجزائر، ووعدتني بأن تكون أول المستقبلين لي في المطار. قالت بضحكتها المغردة سنتعرف على بعضنا في المطار. قلت لها "ستكون أول فرحة لي بعد اغتراب عن سوريا دام حتى اليوم ستة وعشرين عاما. لقد اشتقت للبلد وأهلي وأصدقائي."

عاجلتني بلهفة كمن يضمد جرحا وسألت: "هل تريدين أن أسعى لك مع أصدقاء لي لتعودي معززة مكرمة؟" فقلت لها "مشكورة يا عزيزتي على مشاعرك الطيبة، لكن دعي الأمر للأيام، ولا بد أن نلتقي، المهم الآن أن تهتمي بصحتك، وتعالجي أعراض الغدة الدرقية، فالضغط النفسي أحد أسباب هذه الأعراض المؤلمة التي تشعرين بها."

كم من الضغوط تعرضت لها يا جميلة دمشق؟ كانت تفضفض عن نفسها في أحاديثنا، وقالت لي يوما: "أنت صديقتي الوحيدة رغم أننا لم نلتق. وأشعر بالارتياح معك لأنك تشعرين بما أعاني. الضغط علي من كل جهة: الصحة، العمل، وكلما عملت مع وسيلة إعلام لاحقتني أجهزة الأمن لانتزاعها مني وإعطائها لغيري. سيارتي حطمتها المخابرات بجرافة، وهي مرمية الآن أمام منزلي، والسبب أنني غطيت نشاطات المعارضة السورية في المنتديات التي أغلقتها السلطة بعد شهور قليلة من السماح لها بالظهور." كنت أشعر بمعاناتها، فأسري عنها ببعض النكات، ثم أطمئن عندما أسمع ضحكتها، ونتواعد على اللقاء ثانية.

سلوى الأسطواني من مواليد عام 1938، وقد فقدت ابنة لها كانت في العاشرة من العمر، ولها ابن في الثلاثينات من العمر. دخلت سلوى ميدان الإعلام قبل أربعين سنة، عملت خلالها مع العديد من المؤسسات الإعلامية، فكانت بحق صحفية مخضرمة. وكانت على مدى سنوات عديدة المراسلة المعتمدة في دمشق لهيئة الإذاعة البريطيانية-القسم العربي. وعرفها مستمعو القسم بتوقيعها في نهاية رسائلها الصوتية بـ "سلوى اسطواني دمشق."

غابت سلوى عن الإنترنت في الآونة الأخيرة. فسرت غيابها بمشروعها السفر إلى دبي لتعمل صحفية، وكانت قد حدثتني عن ضجرها من الحياة بدمشق التي "تغير الناس فيها كثيرا، وأصبح كل واحد ينهش الآخر، ويدوس عليه لمصلحته، والضغط الأمني يقطع الأنفاس." وبعد نحو أسبوعين من غيابها وصلتني رسالة إلكترونية تتحدث عن مرض العزيزة سلوى، وتعرضها لجلطة دماغية، وهي في غيبوبة. صعقني الخبر. لم أصدق. اتصلت بهواتفها لعل أحدا من أسرتها يجيبني وأعرف وضعها الصحي، ولكن لا مجيب. ولم يبق لي سوى الدعاء لها بالشفاء.

يمر في خاطري شريط الذكريات خلال الثلاث سنوات الماضية، وأسمع صوتها يقول "مشتاقة لك كثيرا، شو أخبارك؟ أنا أخباري زي الزفت، الآن عدت من عند الطبيب. لم أعد أثق بالأطباء." مرت الأيام على مدى ثلاث سنوات نتعشم اللقاء، ونبني الأحلام. وكنت أحذرها: "سلوى ممنوع الخيانة، يجب أن نلتقي،" فتؤكد الوعد باللقاء واستقبالها لي في المطار. لكن جاء قاتل الذات ومفرق الجماعات، جاء الموت وحرمني من لقائها.

D 1 آب (أغسطس) 2006     A أميمة أحمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  هدية لعود الند

2.  شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

3.  هدية لعود الند

4.  عن لوحة الغلاف

5.  طيف لينا


القائمة البريدية