فنار عبد الغني - لبنان

لماذا دعتني؟


فنار عبد الغنيالدعوة الأولى

كنت شديدة الحرص على إتمام تلك المهمة الخاصة بأسرع وقت ممكن وخفية. كنت أتمنى أن أبقى مجهولة الهوية لكي تكتسي مهمتي بلونيّ الصدق والإخلاص، فأنا بفضل الله لا أبتغي من عملي إلا مرضاته عز وجلّ. لقد علمت بحجم معاناة أسرة متعففة فقدت لتوها وليّ أمرها بعد معاناة طويلة من المرض، اضطرت ربة الاسرة الاستدانة من أجل دفع نفقات علاج زوجها وتأمين لقمة العيش لأطفالها، وبعد أن أجريت بعض التحريات السرية عن وضعهم المعيشي، قررت أن أمضي قدماً لتحقيق هدفي.

لم أكن أعلم عنوان تلك الأسرة واستعنت بطفلة صديقة لابنة تلك الأسرة، كانت مرشدتي إلى بيتهم وقد أوصيتها ألا تخبر أحداً بذلك. ومضينا في سبيلنا، نخرج من أزقة معتمة رطبة إلى أزقة أكثر رطوبة وعتمة يرافقنا سهم من ضوء السماء حتى بلغنا البيت المتهالك الذي يقع في الطابق الأول. أشارت لي مرشدتي الصغيرة إلى المنزل، ناولتها الظرف الورقي وطلبت منها الصعود إلى المنزل وتسليمه لأهل البيت ومن ثم عدنا أدراجنا.

ومضت الأشهر وكنت أقوم بتلك المهمة وحدي بعد أن حفظت العنوان، واخترت الذهاب إليهم في أوقات الصباح المبكرة وفي أيام العطل الأسبوعية، حيث تكون الأم قد انطلقت إلى عملها في المخبز، والطفلة الكبرى للأسرة تكون قد استيقظت وهكذا سارت الأمور كما كنت أريد، أنجز تلك المهمة خفيةً، اسلم الطفلة الظرف بسرعة دون أن أجعلها تراني حتى لا تحفظ وجهي وتشعر بشيء من الخجل مني في المستقبل أو الامتنان، لم أكن أريد أن أشعرهم بالحرج، كنت أختفي كلمح البصر بعد ذلك.

ذات صباح يوم عطلة، انطلقت كعادتي والناس نيام حتى أدركت البيت المتهالك وصعدت الدرج الضيق، المخيف، المتعب، طرقت الباب بكل حياء وما أن فُتح وهممت بإلقاء التحية حتى فوجئت بالأرملة تقف قبالتي. تلعثمت ولم أدر ماذا حدث لي ولم أعرف كيف أتصرف بشكل تلقائي سلمتها الأمانة. ابتسمت لي ثم قالت: "ألست أخت المعلمة أماني؟" هززت برأسي مندهشة دون أن أتمكن من تحريك شفتيّ. كيف عرفتني على الرغم من أنني اتخذت كافة الاحتياطات؟

دعتني الأرملة للدخول وتناول فنجان من الشاي، أردت أن أعتذر منها لأن الوقت لا زال مبكراً وأطفالها لا زالوا نائمين، لكنها أصرت أن أدخل البيت ورغبت أن أجبر بخاطرها فتقدمت خطوة واحدة فقط لا أكثر وشردت من نظرة واحدة فقط. كل ما أذكره أنني رأيت غرفة بائسة، موحشة، باردة، رطبة، فارغة إلا من بضع من الأمتعة الملفوفة والمكدسة فوق بعضها البعض. لم يكن هناك أي فرصة لتناول فنجان شاي ولم يكن هناك أي شيء ممكن أن أجلس عليه. لم يكن هناك الا العوز المرعب. قالت لي الارملة: "جهزنا أغراضنا لننتقل الى بيت آخر؛ لم يعد بإمكاننا دفع إيجار هذا البيت".

::

الدعوة الثانية

لي صديقة مثقفة جداً وعلى درجة عالية من الثراء المادي، تحب السفر حباً جماً وهو أحد هواياتها المفضلة. كتومة جداً، يبلغ تكتمها أقصى الدرجات، إذا همّت بإخبارك أي أمر عن حياتها، فتأكد أن ذلك لن يكون إلا عن طريق الخطأ أو الصدفة، وسوف يكون الخبر ناقصاً ومتقطعاً. كانت تجيد كيفية بلع الكلمات وربما ذبذبات الكلمات من تلقاء نفسها عندما تبلغ منطقة لسان المزمار من القصبة الهوائية تتلاشى وتذوب وتتحد مع ثاني اوكسيد الكربون لتترك المتلقي لحديثها في حيرة من أمره ومن ثم تنتقل الى موضوع آخر وكأن شيئاً لم يكن.

تؤمن صديقتي أن سر الانسان الناجح يكمن بالكتمان، ولكنه في الوقت نفسه كانت تبرع في طرح اسئلة من كافة الأنواع لمعرفة مجريات وتفاصيل حياة الاخرين. وبالعودة الى موضوع هوايتها المفضلة ألا وهو السفر، فقد كانت تعشق السفر الى دول أوروبا القريبة من البحر المتوسط وشمال افريقيا، وكانت لا تفصح عن ذلك الا بعد مرور وقت طويل، وكانت تمرر الخبر ضمن موضوع ما.

لكن الأمر الأشد غرابة والذي دفعني لكتابة القصة هو سؤال طرحته عليّ ذات مرة ودون مبرر ودون أي داع أو مناسبة، فقد حدث أننا التقينا في غرفة استراحة الموظفات ولم يكن هناك أحد غيرنا، وكانت كل واحدة منّا تقف امام المرآة لإعادة ترتيب حجابها، فأسرّت لي خبر سفرها الى المانيا للسياحة خلال عطلة الربيع. تمنيت لها الحظ السعيد بالطبع.

قالت لي متحمسة: "اطلبي مني أن أهديك ما تشائين من ألمانيا".
قلت لها:" لا داعي لذلك".

لكنها أصرت وكررت السؤال وأمسكت بيدي تشد عليها وتلح أن أطلب منها هدية تذكارية، ولم أدر ماذا أقول لها.

وأمام الحاحها المستمر، فلتت من لساني كلمة لوح شوكولا وهممت أن أفتح حقيبتي لأناولها ثمنه لكنها استاءت.

جاءت عطلة الربيع وذهبت الصديقة الكتومة الى ألمانيا وعادت منها ولكنها لم تأت لي بأي شيء منها، حتى أنها لم تتذكر ما دار بيني وبينها. وعلق في رأسي سؤال: "لماذا إذن دعتني لأطلب منها؟"

D 29 أيار (مايو) 2021     A فنار عبد الغني     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

عود الند: كلمة العدد الفصلي 21: عود الند تبدأ عامها السادس عشر

تجليات الغربة في كتاب "رأيتُ رام الله"

ارهاصات الدراسات المقارنة في الأدب العربي

حضور علم الأصوات في النشاط الثقافي العربي

منهج الكتابة التاريخية عند ميشال فوكو